حلم كنتاكي ومطبخ أمّي

الأحد 12 يوليو 202010:19 ص

لحيته البيضاء المهذبة، لونها بلون شعره المسبسب، وربطة عنق الفراشة مع الابتسامة الوقورة يشكلان سحر المجتمع الحديث والغرب الطاغي بالعلم والتكنولوجيا والمذاق.

سحر كنت أحلم به كل مرة أطلّت عليّ صورة "الجردل" البلاستيكي الكبير الممتلئ بقطع الدجاج ذهبية اللون. كنت أشعر بقرمشة جلدها بين شفتيّ حينما أقضمها في خيالي، وأحس بلسعة بهاراتها على لساني، وأشمّ روائحها عبر الصوت الرخيم الآتي من شاشة التلفزيون كصوت النداهة في أدب يوسف إدريس.

كنت أعيش الحلم وأحياناً أعيش من أجله، وكل خميس حينما تضع أمي على الطبلية أمامي كومة أرز وقطعة من بطة أو إوزة أو من دجاجة نحيلة من دجاجات بلادنا، تمنيت لو نظرت إلى وجه أمي وصحت "فين كنتاكي؟". ولأنني متأكد من أنها لن تعرف عن ماذا أتحدث وما هي كنتاكي، كنت أصمت فيظل الحلم صامتاً. وحتى حينما أصبح معي بعض المال، لم يكن في قريتنا ولا في بندرنا كنتاكي. عشت على أمل حلم كنتاكي، وحلم التمدن والحضارة والتحديث.

منذ أن وطأت قدميّ، متسللاً، أرض العم سام، صاعداً من جنوبها في تكساس، من مزارع تسمين الأبقار، باتجاه نيويورك في الشمال الشرقي، مرّيت على لوحات إعلانات الوجه ذي اللحية البيضاء على جانبيّ الطريق. ورغم قلقي وحالة الترقب التي كنت أعيشها محاولاً أن أعبر مناطق الخطر، بعيداً عن أعين رجال الشرطة، كان حلم كنتاكي يعطيني عزماً، وكلما تسير العربة أو الأوتوبيس نحو الشمال أشعر أنني أقترب من الحلم، وكثرة الإعلانات وتكررها تُزيدني يقيناً وتمسكاً بحلم صادق.

بالرغم من أنني في طريقي إلى نيويورك وليس إلى ولاية كنتاكي، إلا أنني رأيت الحلم في كل مكان وعلى كل طريق. أخيراً سوف يتحقق الحلم!

طبق الفول المدمّس

هزّني خالد أبو النور ليوقظني من نومي، فقد تأخر الوقت وانتهى من قضاء صلاة الصبح، وانتهى من تقمير أرغفة الخبز وأعدّ طبق الفول المدمس. فمنذ أن وصلتُ وأنا أتناول أكلاً مطبوخاً كطبيخ أمي، وكأنني انتقلت بقريتي إلى نيويورك.

القرية في داخل الشقة الصغيرة: فول، ملوخية، بامية. ما زاد على أكلنا في القرية هو كثرة اللحم. كل يوم لحم. فها هو مطبخ أمي ولكن بمزيد من اللحم.

منذ أن وصلتُ، لم أجد أحداً ممَّن يسكنون معي في الشقة يذكر كنتاكي أو أخواتها وكأنه حلمي أنا فقط! خجلت من فتح الموضوع مع أيّ منهم، فنحن في قلب أرض الحلم ولكنهم لا يرون ولا يأكلون إلا ما ألفناه من آبائنا وأمهاتنا.

شعرت أن نيويورك التي في الخارج وراء شبابيك الشقة ما هي إلا مشهد على شاشة سينما أو تلفزيون، أو صورة في برواز على الحائط. بينما يضع أبو النور طبق الفول وأرغفة العيش وطبقاً عليه أوراق جرجير مغسولة وطماطم مقطعة وطبق المخلل يحكي لي عن آخر الأخبار التي سمعها من مكالمة تلفونية أجراها قبل ساعة حدّثه فيها المتصل عن فسخ خطوبة سعيد محمدي وسناء الشال. بينما هو يرشّ حبيبات ملح وكمون على البيض المسلوق، يقول: "شكلها خناقة النهاردة بين سعيد محمدي والريس الشال في شارع 53 قُدام سي أن أن، بعد فسخ الخطوبة".

وفيما صوت خالد يرطن بما حدث وما سيحدث، كنت أفكر في كل ما حدث. منذ أن وصلت إلى مانهاتن، أنام على قصص القرية وتأثيراتها ونتائجها في شقق وشوارع مانهاتن، وأصحو على روايات مانهاتن وشوارعها وشققها وتشكيلها ورسمها لوجه الحياة على أرض القرية الزراعية وشوارعها.

وكأن الليل مُهراً يجري "رايح جاي" بين القرية وبين مانهاتن. فهل سأظل سجين القرية وسجين هذه الحيطان الثقافية والعادات التقليدية؟ هل سأظل خائفاً من الحداثة، ومن الجديد، ومن "الموديرنيزم"؟

حينما سألت أبو النور عن الشغل الذي كان يتحدث عنه كنت أفكر في الحلم، فأول شيء سأشتريه من النقود التي سأكتسبها حين أعمل، سيكون "الجردل البلاستيكي" الممتلئ بقطع الدجاح المقلية. سأحقق الحلم ولن أخضع لهم ولا لتقاليدهم.

"هيهدّوا حلمك!"

صاحت فالتفتُّ ناحيتها، فقالت بلغتها الإنكليزية الفصيحة وهي تشير إلى مكان في الشارع ناحية جانبي من السيارة: "هيهدّوا حلمك!". نظرت فرأيت محلاً أقاموا حوله سوراً خشبياً باللون الأخضر، في إشارة إلى أنه سيُهدم وسيُبنى مكانه آخر بعدما غيّر مجلس المدينة قواعد البناء على جانبي شارعنا الواسع ليسمح بارتفاع المباني إلى 12 طابقاً.

منذ ذلك، وعمليات هدم مباني سلاسل المطاعم ومحطات البنزين والمنشآت التجارية جارية لتُبنى مكانها عمارات سكنية فاخرة، في تناغم بين سلاسل المحلات وبين الطرق الواسعة وعرباتها وبين القيمة الرأسمالية للأرض والبناء عليها، وكأن سلاسل المحلات ومجلس المدينة يعزفون لحناً واحداً كُتب في حجرة ما، سرية، في ذلك العالم السحري الذي يدير كل الأمور على السطح من تحت لتحت.

"كنت أعيش الحلم وأحياناً أعيش من أجله، وكل خميس حينما تضع أمي على الطبلية أمامي كومة أرز وقطعة من بطة أو إوزة أو من دجاجة نحيلة من دجاجات بلادنا، تمنيت لو نظرت إلى وجه أمي وصحت ‘فين كنتاكي؟’"

فمنذ عشرين عاماً، منذ رحلتي من تكساس إلى نيويورك، وأنا ألاحظ هذه الصلة بين الطرق والسيارات وسلاسل المطاعم ومزارع التسمين في تكساس وآلاف أفدنة الذرة في ولاية "كانسس" ومقاولي البناء في نيويورك وممولي وول ستريت الماليين.

بكوعِه النحيل، دفعني كريم ليقول لي بالإنكليزية، بلهجة أهل بروكلين: "دادي، مامي تكلمك". كعادتنا كل مرة، نمرّ من نفس المكان في نفس الشارع من قبل أن يولد كريم، تشير هي إلى المطعم وتقول لي "حلمك" ونضحك. خلال هذين العقدين لي في أمريكا، ظل الحلم مجرد حلم. فبرغم أن المحل في شارعي وأمر عليه، مرة بعد مرة بعد مرة، لم تلمس يدي الجردل البلاستيكي الممتلئ بقطع الدجاج المُبهّرة المقرمشة ولا مرة. وها هم يهدمون المطعم ذاته. نظرت إليها مبتسماً وقلت بإنكليزيتي ذات لكنة متحدثي العربية والتي أتساهل فيها بقواعد اللغة المقررة "كده هيظل مجرد حلم".

حلم "الجردل"

كيف تشكَّل "جردل" دجاج كنتاكي كحلم داخلي، وكيف ظل مجرد فكرة لم أحاول أن أحققها خلال عقدين من الزمان لي في أمريكا؟ وكيف لا أفكر في حتى تجربتها يوماً؟

هل هو زخم الإعلانات وسحر تأثير مؤثرات الصوت واللون التي تُنفَق على الإعلانات، في مقابل طعام أمي؟ ولكن أليس أكل أمي جزءاً من سياق عام في ثقافتها، ثقافة تأخذ ثمرات ومُنتجات الحضارة الغربية في جوانبها المادية كشكل للتمدن وكنموذج للرقي استهلاكاً؟

أتصور أنني إذا ارتديت ملابس مثل ملابسه وأكلت أطعمة كوجباته، واقتنيت أجهزة كأجهزته أكون إنساناً متحضراً وحديثاً، إنساناً متمدناً و"مودرن". ارتديت قميصاً وبنطالوناً إفرنجياً خلافاً لجلباب أبي، وأختي ارتدت البلوزة والتنورة والبنطالون، وإنْ ظلت تضع شكلاً من أشكال غطاء الرأس لكن زيها مخالف لزيّ أمها.

التحديث استهلاكاً ينقل نموذجاً جاهزاً. هو تحديث عبر التقليد. رغم التناقض بين التحديث وبين النقل، فالتحديث ضد النقل ومخالف للتقليد، إلا أننا انخرطنا في عملية التلفيق هذه بين المتباينات.

خلال العشرين سنة هذه، حاولت أن أتعمق في دراسة حلمي نقدياً، ومحاولة رؤيته في سياقه الثقافي، وكذلك النظر إلى واقعي السابق في بلادنا في سياقه الثقافي، والنظر إلى المنظومة بشكل أشمل، وليس فقط علاقتي بـ"جردل" الدجاج البلاستيكي أو طبق عشاء من طبخ أمي.

هل منظومة التغذية القائمة على البروتين الحيواني وعلى الوجبات السريعة سابقة التجهيز والتي عمودها الفقري هو الذرة الصفراء تناسبنا؟

طبق أمي هو نتاج عملية تفاعل بين الإنسان وبين البيئة في سياقات اجتماعية، تكوّنت عبر القرون، فدجاجة أمي النحيلة لها ستة أشهر تجري في فضاء مفتوح مع غيرها من الطيور والحيوانات، ونحولة جسمها ربما لأنها لا تتغذى على هورمونات وكيميائيات تجعل جسمها يتضخم، ويختزن ماء، لكي تزن على ميزان البيع. ودجاجة أمي تتغذى على بقايا قشور خضروات طبيخ أمي وبعض البرسيم الذي تفرمه لها، وفضلات الدجاجة تذهب لتسميد الأرض الزراعية التي يأتي منها البرسيم، وبيضها وصيصانها في دورة بيننا وبين البيئة من أرض وطيور وهواء. لكن هذا في القرية، فماذا تعمل طريقة أمي ودورة علاقتها مع بيئتها في شقة بالمدينة؟ أين ستعيش دجاجاتها وتمرح بطاتها وإوزاتها، ومن أين سيأتي برسيمها وماذا ستفعل بفضلاتهم؟

هذا هو السؤال الذي يواجه المدينة الحديثة، والنسق الاقتصادي الرأسمالي. كيف تُطعم المدينة هذه الملايين التي تتجمع وبكثافة في حيّز مكاني محدد؟ أكثر من عشرين ألف مطعم كنتاكي في أكثر من 125 دولة هي إجابة المدينة الحديثة وإجابة الرأسمالية وإجابة العولمة أيضاً على السؤال. إجابات عابرة للبيئات، وللقارات، بل وعابرة للزمن أيضاً، إجابات سريعة، توفّر الوقت وتقلل من التكلفة وتقلل من الإنفاق المباشر المنظور بحساب دفاتر المحاسب وتاجر الأسهم في البورصة.

بعكس طبق أمي المغروز في البيئة والمحدود بقريتنا وابن اللحظة، والذي يأخذ وقتاً أطول لإعداده، وليس له بهرجة التغليف والتعليب والإعلان البراق الساحر ولا المذاقات وألوانها التي تبقى آثارها على الأنامل، فإن ابن اليوم، في غالب أكلاته، تكلفة إنفاقه على الطعام أعلى.

دجاجات الكوربورايشنز

الجانب الآخر أن السعي للحفاظ على الشركات (الكوربورايشنز) التي يجري التعامل معها ككيانات اقتصادية، وكشخصيات اعتبارية، وكأنها بشر وكائنات لها حقوق، تفوّق الاهتمام به على الاهتمام بحقوق الفرد العيني، لأنها أطول عمراً من الإنسان في حالة استمرارها من جيل إلى جيل.

هذه الشركات حين تدخل في عملية إنتاج وجبة أكل، يختلف دخولها عن عملية إنتاج أمي لوجبة غذائية. الشركات تسعى دائماً إلى المركَزة، فمركزة عملية الإنتاج تقلل من تكلفة الإنتاج، عبر دقة التحكم في مراحلها، ويتم تحييد تقريباً كل ما يقطع أو يُعطّل السلسلة ومسيرها، مما يختصر الزمن والمكان عبر سرعة الإنتاج وتحييد كل المؤثرات الخارجة عن الحسبان، عبر التخزين والحفظ وطول بقاء مكونات الوجبة، بخلاف طبق عشاء أمي الذي يصير "بايت" ثاني يوم. أكل الشركات ليس في قاموسه كلمة "أكل بايت"، وأكل أمي إذا مرّت عليه 36 ساعة يفسد.

"نفرح ونتصور أننا في مكانة عليّة كذكور، وما نحن في الحقيقة سوى كائنات عالة، في أكلها وفي شربها وفي نظافتها، على جهد ملكات حقيقيات. أمي هي الحاكم الحقيقي وليس أبي، أخواتي البنات هن الحاكمات في حياتي ولست أنا"

تخيلتُ دجاجة الكوربورايشنز محبوسة في مكان ضيق، دورة حياتها 45 يوماً، تأخذ هرمونات لتحصينها من الأمراض، ولزيادة وزنها، ليكون العائد منها كبيراً، لحماً أكثر، وتكلفة أقل. تُغذّى بالذرة التي تُنتَج من مساحات شاسعة لا تزرع إلا الذرة، بدعم مالي من الحكومة لكل هكتار يُزرع ذرة، وأبحاث الجامعة القريبة في مجالات الزراعة وفي الكيمياء الحيوية والهندسة الوراثية، إلخ. تُنفَق أموال من الحكومات والشركات على أبحاث لحمايتها وزيادة إنتاجيتها، وهذا دعم آخر، فتكون تغذية دجاجة الكوربورايشنز مدعومة بطريقة مباشرة وغير مباشرة، ما يقلل من تكلفة تغذيتها.

وتوحيد نوع التغذية ذاتها بإنتاج كميات كبيرة من نفس المُنتَج، يقلل التكلفة ويسهل النقل والتخزين والتداول. لكن دجاجة الشركات جسمها ضخم، عملاق على أقدام ضعيفة، عظامها هشة، فهي ترقد مكانها معظم الوقت، لا تتحرك، فلا تتكون عضلات طبيعية في جسمها. مجرد كتلة لحم منتفخ. بالونة ممتلئة بالماء.

بعد عمرها القصير الذي لا يتضمن حياة طبيعية، تدخل في طابور طويل من عملية ذبح وتنظيف وعمليات تخزين، وتُصنع الخلطة التي سيتم تتبيل أجزائها فيها بدقيق من الذرة والسكريات والبهارات، وتُقلى في زيت مصنوع من الذرة، ولو كانت هناك قطع خبز مع الوجبة فهي من دقيق الذرة. والبطاطس المقلية مع الوجبة مقلية في زيت الذرة. وصوص الكاتشب أو أي أنواع أخرى من الصوص مع الوجبة تدخل في مكوناتها سكريات الذرة، وكوب الصودا الكبير مع الوجبة، ثمنه أرخص من ثمن أصغر زجاجة ماء. وكل علبة صغيرة من هذه الصودا فيها ما يعادل عشر معالق سكر، ومن سكريات الذرة أيضاً.

فكرت مرة أن أجلس وأحسب كمية الذرة الموجودة في "جردل" وجبة الدجاج البلاستيكي، عبر رحلتها من تغذيتها في 45 يوماً من حياتها القصيرة، حتى وصولها إلى فم آكِلها، وماذا لو أكلتها كوجبة دائمة مرة كل يوم، خمس مرات في الأسبوع مع كوب صودا وبعض البطاطس المقلية وخبزة، فكم من الذرة سيرقد تحت جلدي؟ ولن أدخل في الآثار الصحية على الفرد وعلى المجتمع بطريقة مباشرة وبطريقة غير مباشرة من هذا النموذج من الغذاء فلذلك حديث آخر.

خلال العقدين الماضيين أصبحتُ مهتماً بإمبراطورية الذرة والوجبات الجاهزة. ودخلت في دراسة علاقتها بالرأسمالية وبالأرباح، وعلاقة كل هذا بالنقل نتيجة لمركزة الإنتاج والتسمين والتصنيع وما يمثّله ذلك من استهلاك للمنتجات البترولية، والسياسة، وعلاقة كل هذا بالتنمية والبناء وبالقيمة العقارية للأراضي التي تُعَدّ شركات الوجبات السريعة أكبر مستثمر في تجارتها والبناء عليها. سأكتب يوماً عن تفاصيل ذلك وعلاقته برأس المال وبالعولمة.

ما علاقة ذلك بطبيخ أمي؟

يظل السؤال الأهم هنا: ما علاقة كل هذا الرغي عمّا حدث في بلاد الخواجات وبين طبيخ أمي، أو بالأكل في بلد كمصر؟ ربما لأن علاقة وجبة أمي بالبيئة واستمراريتها في علاقة أخذ وعطاء مع البيئة، له جانب مهم، إذ إن منظومة التغذية الغربية مبنية على البروتين الحيواني، وفي العقود الستة الأخيرة أصبحت قائمة على التصنيع والوجبات الجاهزة، وهي منظومة بنت بيئتها ومجتمعها، حيث وفرة في البروتين الحيواني.

نقل هذه التجربة نقل "تسليم مفتاح". هو حلول نازلة بـ"باراشوت" على واقع مختلف، تحت شعارات التحديث والعولمة و"الموديرنيزم"، وربما لا تناسبنا، وربما لأننا أيضاً منذ قرنين منخرطون في عملية نقل نماذج جاهزة بدعوى أننا نشترك إنسانياً في المصير وفي التاريخ ولا فوارق بين البشر وأن الإنسانية تسير في خط واحد هو خط التقدم، ما يجعل حل مشكلة بطريقة معيّنة أو بنموذج معيّن في مكان ما وفي بيئة ما، يمكن نقله وإعادة تفعيلة في بيئة أخرى، ولو في زمن آخر ولو بعدها بقرون.

والسؤال هنا يصبح: هل منظومة التغذية القائمة على البروتين الحيواني وعلى الوجبات السريعة سابقة التجهيز والتي عمودها الفقري هو الذرة الصفراء تناسبنا؟

بيئة كالبيئة المصرية فيها ندرة ماء، وقلة في الأراضي الخصبة والمراعي، تجعل الثروة الحيوانية قليلة بالنسبة إلى عدد السكان، وهذا ما جعل أكل اللحوم قليلاً، واللحم مجرد زينة في الوجبة المصرية، ولم يكن أبداً هو الوجبة، ويؤكل في الغالب مرة في الأسبوع.

الوجبة ليست عبارة عن قطعة لحم كبيرة مشوية مع بعض البطاطس المهروسة كما في مطاعم "الستيك" في "منهاتن". وكذلك مُنتجات الألبان والأجبان قليلة في النظام الغذائي المصري. والاعتماد بصورة أساسية في المنظومة الغذائية المصرية على البقوليات وحبوبها، وعلى الفول وحبوب القمح، وعلى الخضروات، كعناصر أساسية.

بعبارة أخرى، كيلو اللحم يأخذ أضعافاً مضاعفة من الماء لإنتاجه مقارنةً بكمية الماء المستخدمة في إنتاج كيلو الفول، وكذلك ما يأخذه كيلو حليب مقارنة بما يستهلك في إنتاج خضار أو فاكهة.

حين تتحول المنظومة الغذائية لبلد كمصر إلى منظومة غذائية لبّها هو البروتين الحيواني، من لحوم وجبن، عبر نقل نموذج غذائي جاهز عن منظومات الغذاء الغربية، والأمريكية تحديداً، فإن ذلك يُضاعف من استهلاك مصر والمصريين من الماء، وهي بلاد عندها ندرة ماء في الأساس.

بل مصر تُصدّر الماء إلى بلاد أخرى حين تأتي شركات من بلاد عربية صحراوية باسم الاستثمار الزراعي، وتزرع برسيماً حجازياً في مزارع على أرض مصرية صحراوية، ثم تصدّر هذا البرسيم إلى بلادها كغذاء لحيواناتها، في عملية نقل ماء من مصر إلى هذه الدول.

وتكون عملية التوسّع الزراعي أفقياً في بلد يعاني شحاً مائياً كمَن يضرب قدمه بطلقات رصاص. ويكون كل بعد عن الاتجاه نحو الزراعة والتسمين الحيواني في السودان وفي إثيوبيا، هو استمرار في عملية إطلاق الرصاص. فكل حيوان نشأ في أي من البلدين وانتقل إلى مصر وكل كيلو من حبوب أو خضروات هي أمتار مكعبة من الماء تنتقل من بلادهم إلى مصر، ولهذا حديث آخر.

ماذا سأقول لأمي؟

كيف سأتكلم في كل هذا مع أمي، وكيف أُقنعها بأني الآن أطبخ وأعرف حاجات لا تخطر لها على بال حول الطبخ؟ وكيف أكسر حالة الحصار التي تضربها عليّ بعدم الاقتراب من مطبخها منذ كنت صبياً، بحجة أنني "مش بنت"، وأشرح لها أحاسيسي ضد حصارها الذي حوّلني إلى إنسان عاجز لا أستطيع أن أُطِعم نفسي؟

شعرت بالعجز عندما سافرت، فلم أكن أعرف كيف أسلق بيضة، لاعتمادي على أمي وأخواتي البنات في كل شيء. يا لها من مكانة أن تكون ذكراً في مجتمع ذكوري، بل وإذا كنت البِكري فأنت ملك متوّج. لكن يا حسرة، ملك مُتوَّج في مملكة من ورق، وهم. ما أن خرجت من بالونة مجتمعنا، شعرت كم أنا عاجز، حتى تصوّرت أن أمي وأخواتي تآمرن عليّ بمنعي من دخول المطبخ، حتى أظل تحت سيطرتهن.

نفرح ونتصور أننا في مكانة عليّة كذكور، وما نحن في الحقيقة سوى كائنات عالة، في أكلها وفي شربها وفي نظافتها، على جهد ملكات حقيقيات. أمي هي الحاكم الحقيقي وليس أبي، أخواتي البنات هن الحاكمات في حياتي ولست أنا. لن أستسلم بعد اليوم. سأعود وأواجه سلطوية أمي وأخواتي، وأكسر حصارهن لي ومنعي من دخول المطبخ. لقد تعلّمت عن الحرية من تعلّم الطبخ أكثر مما تعلمت من كل الكتب التي قرأتها في الفلسفة والتاريخ والسياسة.

ربما وهم حلم كنتاكي ما كان ليتشكل لو أنّ أمي لم تمنعني من دخول مطبخها، وتحجب عنّي تعلم كيف أطبخ، وكيف أُطعم نفسي. ربما لو حدث هذا ما كان كنتاكي ولا حلمه أغواني. المعركة إذاً في دخولي مطبخ أمي وفي أن أطبخ فيه، فربما أغريها بأني سأعمل لها بيتزا لعلّي أحقق هذا الحلم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard