المثقف العضوي وحبّة الفياغرا الأخلاقية

الجمعة 3 يوليو 202005:40 م

قد لا نحتاج للدخول في موضوعنا، إلى استجلاب أقوال غرامشي عن المثقف العضوي، بل سنذكر قول دُرَيد بن الصمة في رثاء أخيه، فبعد أن غزا عبد الله قبيلة غطفان، وغنم قطعانها، أمر جنوده أن يستريحوا في منعرج اللوى، فما كان من الشاعر دريد بن الصمة إلّا أن نصح أخاه عبد الله بعدم الاستراحة، وأنّ غطفان ستلحق بهم، فلم يستمع أحد إلى نصيحته.

حدثت معركة استرداد الغنائم وقتل عبد الله، فرثاه الصمة وقال: أمرتهم أمري بمُنْـعَرَج اللِّوى/ فلم يَستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ فلما عصَوني كنت منهم وقد أرى/غَوايتهم، أو أنني غيرُ مهتدِ وهل أنا إلا من غَزيَّةَ، إن غَوتْ/غوَيتُ، وإن ترشُدْ غزية أرشُدِ.

يمثّل دريد بن الصمة صورة مصغّرة عن المثقف العضوي، الذي نظّر له غرامشي، فهو معنيّ بهموم قبيلته ونجاتها وسؤددها. ظلّ دُريد جاهليّاً ولم يدخل الإسلام، حتى قتل في غزوة حنين وعمره مائة سنة.

أليس دُريد مثقفاً سياسياً عضوياً؟

تختلف الإجابة، فالجاهلي سيراه ممثّلاً لقيم وعادات الجاهلية، في حين يراه المسلم ناشزاً عن اتباع الدين الصحيح، أمّا في زمننا، فنقرأ دريداً مستمتعين بشعره، متندرين بقصته ومستشهدين بها عمّا نلقاه في حياتنا، بعيداً عن حكم الجاهلي وحكم المسلم.

هل يُغفر للمثقف العضوي السياسي المعني بهموم مجتمعه وقوعه في سقطات أخلاقية في حياته الشخصية؟

يذكر باسكال كنيار في كتابه، "الجنس والفزع"، ما جاء في كتاب سينيكا "مناظرات"، أنّ المواطنين في أثينا قد طلبوا من الرسام الشهير بارازيوس، أن يرسم هروب برومثيوس من وجه زيوس، فما كان من الرسام إلّا أن اشترى عبداً، وبدأ في تعذيبه حتى الموت كي يستخدمه موديلاً يستلهم من أوجاعه وعذاباته وخوفه ورعبه من الموت حالة برومثيوس وهو يهرب من وجه زيوس، وعندما صرخ العبد: "إنّني أموت"، أجابه الرسام: " ابقَ كما أنت".

إنّ السؤال الأخلاقي الذي تثيره القصتان المذكورتان آنفاً يدفعنا لمعضلة لم تحل إلى الآن، وهي علاقة الفن والأدب بالأخلاق.

متى يصبح الفن والأدب اعتداءً على الأخلاق، ومتى تصبح الأخلاق معرقلةً لهما؟

إنّ مقولة الفن للفن تخدم الإبداع، فلا شيء يحدّ من رغبات الفنان والأديب في مشوارهما الإبداعي غير الشروط الفنية التي يجب أن يتقيّدا بها، أمّا الأخلاق فقصة نافلة! لكن إن جئنا للحقيقة، فالقرّاء بشكل شعوري ولا شعوري يضعون الفنان والأديب تحت حكم أخلاقي، سواء أكان التزامهما الأخلاقي بقضية وطنية أو إنسانية أو نضال فردي تجاه استبداد معين. هكذا يصبح الترابط بين القول والفعل في نظر القرّاء شرطاً فنياً يضاف على مقولة الفن للفن!

"فكّرْ بغيرك"

هل خان سليم بركات صديقه محمود درويش في مقاله في القدس العربي، عندما تكلّم عن ابنة قد تكون ولدِت لمحمود درويش من امرأة متزوجة، وأنّ محمود درويش لم تتولّد لديه مشاعر الأبوة: "لي طفلة. أنا أبٌ. لكن لا شيء فيَّ يشدُّني إلى أبوَّةٍ"، وبناء على ذلك هل نسي محمود مقولته: "لا تنس قوت الحمام"؟

تراشق محبو الشاعرين بالاتهامات كافة، ولو لم يكن فيروس كورونا قد تسبب بحظر التجوال، لنزل فريقا الشاعرين إلى الشارع حتى يصفي كلّ فريق حسابه مع الفريق الآخر. ولم تقتصر القصة على ذلك بل ذهبت عميقًا في جرحين هما الفلسطيني والكردي، وكأنّ جروح التاريخ والواقع لا تكفي!

في كتاب "أكله الذئب" يذهب شاكر نابلسي إلى حدّ اتهام محمود درويش بالتحريض على قتل ناجي العلي.

تنص القاعدة الفقهية الشهيرة على درء الحدود بالشبهات، لكن كيف ندرأ الخاص عن العام، هل نعتبر الفن والأدب مجرد لغو، لا يغني ولا يسمن من جوع، وبالتالي كيف له أن يكون أخلاقياً؟

يتكلّم توماس باور في كتابه "ثقافة الالتباس، نحو تاريخ آخر للإسلام"، أنّ ثقافة الاعتراف في المجتمع الغربي جاءت من هلع الكنيسة من الرغبة الجنسية، حيث طورت أسلوباً جنائياً، تتبع فيه أية نأمة شهوة في العلاقة الجنسية التي لا يجب أن تكون إلا للإنجاب، وقد قاد هذا الأمر، مع التطور الطبي وديكارت، إلى منهج علمي للحقيقة، أدى إلى الكثير من العنف الفكري والمجتمعي والجنسي على الذين يخرجون على ما أقرته الكنسية والأخلاق الفيكتورية. وهنا نستنتج أن الجرأة التي رأيناها في كتاب الاعترافات لروسو، قد أتت، بطريقة أو أخرى، من أسلوب الاعتراف الكنسي، فهل كان روسو صادقاً في اعترافاته وهو صاحب كتاب "إميل" في التربية؟

من كتاب الرسائل بين محمود درويش وسميح القاسم: "ولا تنس المقال في (مقهى روما) كالمعتاد... وإن جاءت (السيدة) سلّم عليها وقل لها: سافر... وسيعود قريباً، ولا تسألها عن الجنين".

تذكر جينفير هيكت في كتابها "تاريخ الشك"، كيف أن روسو أودع العديد من أطفاله غير الشرعيين في الميتم. وعليه، هل يسقط بنظرنا كلّ ما قاله روسو، أم أننا سننظر إليه كأي إنسان يتجاذبه الخير والشر ونقول مع السيد المسيح: "من منكم بلا خطيئة، فليرمها بحجر".

ليس من إجابة شافية تحسم كيف تكون العلاقة بين الفن والأدب والأخلاق، لكن غياب الحسم لا يجب أن يمنع البحث في ذلك.

هناك حديث نبوي يقول: "إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا"، لا يهدف الحديث لشرعنة المعصية بل للقول بأن تحوّل المعصية إلى فعل معلن سيقود إلى شرعنتها. لربما هذا الحديث يتعلّق بالخاص وليس العام، العام شأن مجتمعي شئنا أم أبينا، وعليه، هل يجب أن نسائل الشخص الذي انتقل من الخاص إلى العام، كالشاعر، عن معاصيه أم نتركها لأنّها من خصوصياته التي لا تدخل في الشأن العام؟ الإجابة على ذلك صعبة جداً، أليس محمود درويش هو القائل: "من أَنا لأقول لكمْ ما أَقول لكمْ"، هل بهذه الجملة يرفع محمود درويش عن نفسه صفة العام ويعيد لنفسه لباس الخاص، حتى ينجو من قدرية لاعب النرد؟

في كتاب الرسائل محمود درويش– سميح القاسم، يذكر درويش في رسالة مؤرخة في 19/5/ 1986 الجملة التالية: "ولا تنس المقال في (مقهى روما) كالمعتاد... وإن جاءت (السيدة) سلّم عليها وقل لها: سافر... وسيعود قريباً، ولا تسألها عن الجنين".

"رأيت روح العالم يعبر من هنا"

هذه الجملة تعود للفيلسوف هيغل، قالها بحق نابوليون بعدما انتصر في معركة "بيتا"، فكيف نحلل جملة هيغل؟ لنستعِر الجواب من الصحافة الفرنسية، كما يذكر آلان دنو، في كتابه "نظام التفاهة": يروى عن الصحافة الفرنسية أنه عندما هرب نابليون من منفاه في جزيرة ألبا الإيطالية، كتبت الصحف الفرنسية في عناوينها: "الوحش يهرب من ألبا"، وعندما اقترب من فرنسا كتبت: "نابليون يهرب إلى فرنسا"، ولكنه عندما دخل فرنسا فعلاً كتبت: "الامبراطور يدخل البلاد"... هل حصلنا على الإجابة؟

وفي حادثة مشابهة تضج بها مواقع التواصل الاجتماعي منذ أيام، تشهد على هذا المعيار النسبي للتقييم الأخلاقي، دوت حسابات تويتر بتغريدات فريق عمل سلسلة أفلام هاري بوتر والشركة المنتجة وارنر بروس والكثير من شخصيات الصحافة والإعلام في بريطانيا تهاجم فيها تغريدة أطلقتها كاتبة السلسلة القصصية جوانا رولينغ J. K. Rowling اعتبرها متابعوها مسيئة للمتحولين الجنسيين فاتهمت بالترانسفوبيا. الكاتبة التي تدعم العديد من القضايا الإنسانية وتتبرع بجزء كبير من عائداتها للأعمال الخيرية، كانت قد اعتبرت المرأة الأكثر تأثيراً في بريطانيا عام 2017، لكن يشار لها اليوم ب "العنصرية والمتحيزة" على مواقع التواصل الاجتماعي. 

أدت تغريدة جوانا رولينغ، مؤلفة سلسلة هاري بوتر والتي اعتبرت مسيئة للمتحولين الجنسيين إلى اتهامها ب"العنصرية والمتحيزة" على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن كانت المرأة الأكثر تأثيراً في بريطانيا في عام 2017

ومقابل هذه التناقضات العامة، نجد مثيلها على الصعد الفردية، فجورج أورويل أعدّ لائحة بالشيوعيين للمخابرات البريطانية، لكنّه كتب في روايته 1984 ومزرعة الحيوان، عن أساليب النظم الديكتاتورية الشمولية في إخضاع الشعوب عبر أنظمة القمع والوحشية، كيف يحدث هذا التناقض عند جورج أورويل؟

كيلا ندين ولا ندان كما يقول المأثور، لنتابع حديثنا عن بابلو نيرودا، صاحب "النشيد الشامل" والقصائد الإنسانية ونضاله ضد الديكتاتورية في تشيلي، ومساعدته للكثيرين كي يهربوا من بطشها، لكن هذا الشاعر الحرّ ترك ابنته المريضة مالفا لقدرها المأساوي، فهل هرب من واجباته تجاه ابنته التي ستتركه مغموراً إلى واجبات أكثر شهرة؟

مقارنة أشبه بمقامرة الروليت الروسية: أيهما أكثر أخلاقية، واجب نيرودا تجاه ابنته أم تجاه الإنسانية؟ إنّ الإجابة الأصح تجاه ابنته، ألم يقل رسول حمزاتوف: "العالمية تبدأ من عتبة بيتي"، ولنا أن نحوّرها لنفهم تساؤلنا السابق: "الإنسانية تبدأ من عيني ابنتي".

هذه الواقعة السيئة في حياة نيرودا كشفها كل من الصحفية إيزابيل ليبساي، والكاتب التشيلي أنطونيو رينالدوس، ليست هي سقطة بابلو نيرودا الوحيدة، ففي مذكراته اعتراف باغتصابه خادمة سيلانية، وعلقت الكاتبة إيزابيل الليندي على ذلك للغارديان بقولها: "مثل كثير من النسويات الشابات في تشيلي، أشعر بالاشمئزاز من بعض الجوانب في حياة نيرودا وشخصيته، لكن لا يمكننا تجاهل كتاباته". كرّمت تشيلي شاعرها بأن أطلقت اسمه على أكبر مطاراتها.

لوليتا التي يحبها الجميع

قد تكون رواية لوليتا لنابوكوف، أشهر من نار على علم، حيث يقع بطل الرواية همبرت همبرت، أستاذ أدب في منتصف العمر مصاب بشهوة المراهقين، في علاقة جنسية مع دولوريس هيز، ذات 12 عاماً، بعد أن يصبح زوج أمها. إنّ الاعتراضات الأخلاقية على الرواية تثير علاقة الفن بالأخلاق. فلو كانت لوليتا قصة قد جرت مع نابوكوف في الواقع، فهل يُنجي الأدب نابوكوف من المساءلة الأخلاقية؟

على ما يبدو أن الأدب يفعل، وهذا ما جرى مع غابرييل ماتزنيف، عندما أقام علاقة مع فانيسا سبرينغورا، على رغم من صغرها، معلّلاً ذلك بالكشف عن الجوانب الأخرى في العلاقات الجنسية، وخاصة إبان ثورة 1968 في فرنسا، وقد دعمه في ذلك الكثير من المفكرين الثائرين على القيم الكلاسيكية، نذكر منهم: رولان بارت، جان بول سارتر، سيمون دوبوفوار، لويس أراغون، جيل دولوز، جاك لانغ، أندريه غلوكسمان وبرنار كوشنير.

تعرض فانيسا سبرينغورا في كتابها "الموافقة/le consentemen" ما حدث لها مع ماتزيف عندما كانت في 14 من عمرها، الألم والعذاب الذي كان مبعثه تلك العلاقة التي تصفها بالمتوحشة.

لم يكن ماتزيف يفعل ذلك في الخفاء بل علانية، وفي الكثير من مقالاته ولقاءاته التلفزيونية تكلم عن شغفه بالصغيرات والمراهقات لكنه نجا، على عكس جيفري أبستين، رجل الأعمال الغني الذي تُعرض قصته على منصة نتفليكس، في مسلسل وثائقي بعنوان Jeffrey Epstein-Filthy Rich، حيث حُكم عليه بالسجن المؤبد بتهمة التحرش الجنسي بالقاصرات والمتاجرة بهن في الأوساط المخملية، الأمر الذي دفعه للانتحار في زنزانته.

جرّمت فرنسا الميول البيدوفيلية/ التحرش الجنسي بالأطفال، والإيفبوفيليا/ الانجذاب الجنسي للمراهقين، في بداية ألفيتنا هذه، وقد قال وزير الثقافة الفرنسي، فرانك ريستر، تعليقاً على القانون: "الجريمة لا تلغي عبقرية الفرد"، ولم يقُل العكس.

برغم تجريم فرنسا للميول البيدوفيلية والانجذاب الجنسي للمراهقين، في بداية هذه الألفية، إلا أن وزير الثقافة الفرنسي، فرانك ريستر، قال عقب إصدار القانون معلقاً على الميول البيدوفيلية لمشاهير الأدب والفن: "الجريمة لا تلغي عبقرية الفرد"

لندع التعليق على ماسبق يأتينا من الماضي، من قول المتنبي: الخَيْـلُ وَاللّيْـلُ وَالبَيْـداءُ تَعرِفُنـي/ وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَـمُ.

يذكر لنا التاريخ أن المتنبي قتل على يد فاتك الأسدي الذي قام المتنبي بهجاء ابن اخته ضبة بن يزيد، قائلاً: ما أنصف القوم ضبة وأمه الطرطبة. خرج فاتك على أبي الطيب وجماعته مع ثلاثين فارساً يحملون السيوف والسهام، فتقاتل الجمعان في معركة غير متكافئة في العدد والعدة. وأثناء القتال، وبعد مقتل ابنه "محسّد" أراد الفرار، فجاءه غلامه يسأله: "ألست القائل: الخيل والليل والبيداء تعرفني..."، فردّ عليه المتنبي: "قتلتني قتلك الله"، فرجع وقاتل بشجاعة حتى قُتل.

في المحاورات يصوّر لنا أفلاطون حواراً جرى بين سقراط وبارازيوس، ينتهي بتعريف جوهر الفن بأنه "لحظة الصراع بين العاطفة والأخلاق". وبالعودة من حيث بدأنا نختم هذه المقال ببيت لدريد بن الصمة: وهل أنا إلا من غَزيَّةَ إن غَوتْ غوَيتُ، وإن ترشُدْ غزية أرشُدِ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard