يعيش في ظل قمع مزدوج... المثقف الكردي والقهر المكثف

السبت 7 مارس 202001:19 م

تواجه المثقف الكردي الحُر الملتزم برسالة ثقافية لخدمة الشعب، عبر عملية توعية وتنوير وتثقيف وشرح وتحليل للواقع، لخلق مرآة عاكسة للظروف والأوضاع التي يعيشها شعبه بكافة فئاته، عدة تحديات وصعوبات وعراقيل تصعّب أداءه واجبه المناط به في كشف الحقيقة للشعب والدفاع عن حقوقه بالعيش الكريم والحرية دون قهر أو إذلال.

وباعتبار أن هذا المثقف يعيش ضمن إطار دولة، فإن أول ما يواجهه هو السلطة السياسية التي تمارس الاستبداد والدكتاتورية تجاه كل مكونات المجتمع، وفي حالتنا، في المجتمع السوري، تمنع السلطات السورية سابقاً وراهناً المثقف الكردي من القيام بدوره، عبر قمعه تماماً، كما تقمع كل مثقف سوري، محاولةً منعه من أداء دوره النهضوي التنويري في المجتمع.

تمارس السلطة ضد المثقف كل أساليب القمع والإكراه والحصار. تسجنه لآرائه الحرة تجاه ممارسات النظام القمعية والتمييزية ضد الشعب الكردي، وهذا أمر واقع في مراحل زمنية متعددة. كثيرون من الشعراء والأدباء والمثقفين الأكراد ذاقوا مرارة ظلم السلطة وقسوتها تجاههم ومنهم: الشاعر جكر خوين وسيداي تيريج وأوصمان صبري ونور الدين زازا، ومن المعاصرين حسين عيسو الذي لا يزال مخفياً بعد تعرضه للاعتقال من قبل النظام السوري، ومشعل التمو الذي اغتاله النظام السوري عام 2011. والحقيقة أن معظم المثقفين الأكراد تعرضوا للسجن والمضايقات الأمنية وتم دفع كثيرين منهم على الهجرة والاغتراب.

ظلم "الأقربين"

لا يعاني المثقف الكردي من ظلم السلطة السياسة الحاكمة في دمشق وحسب، وإنما أيضاً من ظلم السلطة السياسية للأحزاب الكردية، ومنها مَن استلمت سلطة الأمر الواقع كحزب الاتحاد الديمقراطي السوري الذي يحكم في المناطق الكردية في سوريا تحت اسم الإدارة الذاتية.

عندما ينتقد المثقف الكردي سياسات الأحزاب، سواء التي استلمت السلطة أو التي لم تستلمها في المناطق الكردية في سوريا، يتعرّض لسيل من الشتائم والتخوينات وللعزلة والتهميش والحملات الإعلامية الشعبوية ذات الطابع العشائري الجماعاتي والبعيد كل البعد عن المدنية والحداثة والأسلوب الحضاري الراقي.

يأتي هذا بطبيعة الحال من العصبية، وهذه العصبية تتخذ القومية شعاراً لها رغم أن شعار حزب الاتحاد الديمقراطي هو الأمة الديمقراطية وأخوّة الشعوب، ورغم أنه يدّعي العمل على بناء إقليم كردي مشترك مع المكونات الأخرى.

الأمر لا يتعلق بهذا الحزب فقط وإنما بكل الأحزاب الكردية التي تعمل على أساس الجماعة الحزبية والزعيم والأيديولوجيا "الخالدة". أي نقد أو معارضة لبرامجها وسياساتها يواجَه بشدة وشراسة نادرة، وهذا ما يكون من نصيب المثقف الكردي بصورة مكثفة.

ومن المفيد هنا، لتسليط المزيد من الضوء على موضوعنا الراهن، القول إنه "لا تكتفي مؤسسات العصبيات برسم قوانينها على ما هو صادر من إنتاج ثقافي، بل تكمن خطورتها في سعيها الدؤوب لوضع المثقف نفسه تحت سيطرتها، إما بإلحاقه طوعاً وإما عبر إخضاعه للابتزاز والتهديد والنبذ"، كما كتب خالد غزال في كتابه "البؤس النهضوي: مسائل ثقافية من زمن الهزيمة".

ثقافة الجماعة

الفرد، والمثقف فرد، لا يعطى أهمية وقيمة تتناسب وحجم الدور الذي يقوم به تجاه شعبه وأمته في منطقة الشرق الأوسط. السائد هو ثقافة العصبية، عصبية الدين والطائفة والمذهب والقومية والزعيم، وإذا حاول المثقف نقد الجماعة العصبية فإنه سيتعرض للاعتقال أو النفي او العزلة والتهميش والإقصاء وحتى التخوين.

"إن أي انتماء لأي حزب سيؤدي لا محالة إلى فقدان المثقف لهويته المعرفية، ومن ثم فقدانه لمواقفه ومصداقيته، في مقابل خطاب سياسوي محكوم بنمط لا عقلاني، فاقد لأي مشروع أو تصور واضح ينزع نحو بناء مشروع مجتمعي وحضاري"، يقول خالد سليكي في مقال كتبه بعنوان "أزمة الثقافي- السياسي بؤس المثقف".

الثقافة السائدة هي ثقافة الجماعة لا ثقافة الفرد، ثقافة الابتداع لا ثقافة الإبداع، ثقافة التبعية والتقليد لا ثقافة الاستقلالية والابتكار، كما أن "لغة صاحب العصبية (الزعيم أو سواه من التسميات) لغة بيانية فوقية تهدف إلى الإبهار وليس الإقناع، وترقى إلى فرض الطاعة وليس الحوار. إنها لغة قاطعة تسمع وتطاع ليس إلا،أما التساؤل أو المعارضة فليسا مطروحين، وإنما يُعتبران بمثابة تطاول أو خروج عن الطاعة الذي يستوجب العقاب. لغة صاحب الشوكة تهدف إلى تعبئة الحشود المطيعة التي تمجده وتنظر إليه في عليائه، وتعبأ للاستماتة في الدفاع عن العصبية، إنها الرغبة التي تخضع وتستميت مقابل الحماية وحيازة الرضى والحصول على المغانم. هنا يشتغل اللاوعي الثقافي الجمعي بكامل مقوماته"، بحسب تشخيص د. مصطفى حجازي للمشكلة في كتابه "العصبيات وآفاتها هدر الأوطان واستلاب الإنسان".

"بعد كل نكسة كردية أو خيبة، يسود التشاؤم واليأس والإحباط في أوساط كردية واسعة، لأنها تصطدم بأوهامها التي علّقتها على القيادات والأحزاب الكردية"

وبالارتباط بما سبق، يتناول الكاتب الكردي غمكين ديريك معاناة المثقف الكردي، في مقال كتبه قبل سنوات من الثورة السورية، ويقول: "في الظروف الراهنة التي تمرّ بها كل من سوريا والمنطقة بشكل عام، نجد أن الأحزاب السياسية لم تبتعد عن كونها منظمات ثقافية من حيث البرامج والمشروع القومي لكردستان سوريا، وهذا ما يظهر جلياً من خلال الأهداف التي تقوم بمناداتها والنضال من أجلها، وفي نفس الوقت فهي (أي الاحزاب السياسية) تجد في نفسها الخط السياسي المستقل وصاحبة الإرادة الجماهيرية ومن ضمنها تمثيل إرادة المثقفين الكرد السورين أيضاً، وعدم فتح المجال للثقافة والمثقفين للتطور المستقل، ولعب دورهم في المجتمع كطليعة لا بد منها لتنوير وتطوير ودمقرطة المجتمع الكردي في سوريا، لابل إنها (أي الاحزاب السياسية) تحاول أن تقلل من شأن المثقفين ونضالهم ودورهم بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا ما حدث عندما قامت مجموعة مثقفين بلقاء نائب الرئيس السوري". 

ويضيف: "من جهة أخرى، فإن هذه التيارات السياسية لا تستطيع لعب الدور الثقافي لظروف وعوامل خاصة بها، منها الاستعلاء السياسي واعتماد التفرد بالقرارات والمصلحة الحزبية الضيقة، وهذا ما يجعلها تبتعد عن دورها السياسي والثقافي في آن معاً، وتبقى أسيرة الكاريزما السياسية غير الفعالة، والتي تؤثر سلباً في التطور الثقافي والسياسي في كردستان سوريا إلى الآن".

محاولات المثقفين

يحاول المثقف الكردي المستقل الذي لا يرتبط بأي حزب أو تيار كردي أن يوظف طاقاته الفكرية والإبداعية في خدمة الشعب الكردي، وهو ينطلق من المصلحة الكردية العليا ويحلل الواقع بحيادية فكرية بعيداً عن الانحيازات الحزبية أو الأيديولوجية.

تأتي تحليلاته صائبة غالباً، الأمر الذي يزعج السياسي الكردي المنخرط في الأحزاب الكردية، وبخاصة القيادات الكردية، فيتم شن الحملات الإعلامية ضده وعزله وتهميشه وربما تخوينه، لكن الوضع الكردي بقي مأزوماً لأن السياسات الكردية غير صائبة باعتبارها لا تعتمد على الطاقات البناءة والفعالة والمخلصة مع وجود استثناءات قليلة.

ولا ننسى دور النظام الاستبدادي السلبي جداً على الأحزاب الكردية والانشقاقات التي حدثت لأسباب شخصية وغير فكرية. هذا يخلق حالة يأس عامة لدى الشعب لأنه من الصعب عليه كشف الحقيقة السياسية نقية مجردة بصورة سهلة، لأنه كشعب عاطفي يتأثر بالشعارات القومية التي يطلقها قادة الأحزاب الكردية.

"عندما يحاول المثقف الكردي التواصل مع أخيه المثقف العربي لإزالة حالة التشاحن والتوتر والحملات الإعلامية المتبادلة، فإن البروباغندا الحزبوية تشتغل وتتصاعد بوجه أي نفس ثقافي ديمقراطي كردي تجاه التقارب مع الإخوة العرب"

لذا، نجد أنه، بعد كل نكسة كردية أو خيبة، يسود التشاؤم واليأس والإحباط في أوساط كردية واسعة، لأنها تصطدم بأوهامها التي علّقتها على القيادات والأحزاب الكردية.

ومما يُغضب ويحزن المثقف الكردي هو العتب عليه واللوم له من صديقه العربي أو التركي أو الفارسي أو حتى الأوروبي على السياسيات الخاطئة للأحزاب الكردية. يبادر للقول لهم: لو كانت الأحزاب قد عملت بما أكتب من أفكار وحلول للواقع الكردي لكانت القضية الكردية قد خطت خطوات كبيرة للأمام، لكن ما نقوله لا يجد آذاناً صاغية لدى السياسي الكردي، كما أن الاعلام الكردي أيضاً يوظَّف لصالح السياسي الكردي وهذا أيضاً يضرّ بالقضية الكردية.

وعندما يحاول المثقف الكردي التواصل مع أخيه المثقف العربي لإزالة حالة التشاحن والتوتر والحملات الإعلامية المتبادلة، فإن البروباغندا الحزبوية تشتغل وتتصاعد بوجه أي نفس ثقافي ديمقراطي كردي تجاه التقارب مع الإخوة العرب.

بطبيعة الحال، هناك أوساط ثقافية وسياسية عربية أيضاً تغذّي الشحن والتوتر تجاه الأكراد وتلجأ للتعميم، وسرعان ما يشتغل التعميم المضاد كردياً من قبل الأحزاب الكردية. وإذا حاول المثقف الكردي تنقية الأجواء وتصحيح الخلل يتعرّض لحملات إعلامية كردية حزبية شديدة الوطأة عليه مما يحدّ من حركته الإيجابية تجاه قضيته ومجمل قضايا المنطقة الساخنة فينكفئ على ذاته.

وإزاء هذه المعاناة، هناك الآن محاولات جادة للعديد من المثقفين بترك الدور الفردي للمثقف واللجوء إلى العمل الثقافي الجمعي، عبر تأسيس جمعيات ومنتديات ومؤسسات ثقافية غايتها تنوير المجتمع وتوعيته وإزالة المفاهيم والتصورات الأيديولوجية والفكرية الملتبسة أو إعادة صياغتها من جديد بحيث تتناسب والظروف والوقائع والمستجدات الراهنة كردياً.

ومن هذه المفاهيم والتصورات على سبيل المثال أن الأحزاب الكردية تلجأ إلى تخوين الآخر الكردي المختلف معها وإنْ كان رأيه صائباً، وتبرر للقائد والزعيم وإنْ كان رأيه خاطئاً، أي يكون التبرير هو المعادل المعاكس للتخوين.

وعندما يغادر المثقف وطنه إلى بلاد المهجر نتيجة لعدة أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، فإنه يتعرّض للتخوين من قبل الأحزاب الكردية ويُتهم بأنه ترك وطنه وأنهى دوره، وبأنه خائن لأنه ترك الوطن، علماً أن زملاءه المثقفين ممَّن بقوا في الوطن يتعرضون للسجن والتعذيب والمضايقة والحصار الاقتصادي والاجتماعي.

هذا هو حال المثقف الكردي، مقهور ضمن دائرته القومية، ومهمَّش ومحارَب من قبل السلطة السياسة للدولة، ولا تُحترم آراؤه ومواقفه من قبل القوى والتيارات وأوساط أخرى ضمن المجتمع السوري.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard