"عصب الدولة"... كيف حَضَرت القبائل في المشهد الليبي منذ حكم القذافي إلى اليوم؟

الأربعاء 1 يوليو 202008:50 م

في بلدٍ عاش في ظل حكم دكتاتوري لأكثر من أربعين عاماً، بقيادة العقيد الراحل معمر القذافي، يعتمد معظم الليبيين على ارتباطهم القبلي من أجل الحصول على حقوقهم، ومن أجل الحماية، وحتى من أجل العثور على وظيفة، خاصة في أجهزة الدولة.

ومع سقوط نظام القذافي، وجدت القبائل نفسها الكيان الوحيد المتبقي في ليبيا، فحاولت ملء الفراغ السياسي والأمني وسط غياب تام لمؤسسات الدولة، ما نتج عنه صراع قبلي هو الأعنف على السلطة والثروة.

وأصبحت القبائل مع مرور الوقت أداةً للاعبين الجدد في السياسة الليبية، إذ فوّضت قائد ما يُعرف بـ"الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر بمحاربة خصومه في أنحاء ليبيا.

وفي أحدث حلقات الأزمة الليبية، تحوّلت القبائل إلى بديل عن مؤسسات الدولة التقليدية في صناعة القرار، إذ قررت في وقت سابق من العام الحالي غلق حقول النفط حتى أعادت فتحها مرة أخرى في 29 حزيران/يونيو الماضي، شريطة تفويض حفتر بتحديد آليات عملها مع المؤسسات الدولية.

تحولت القبائل كذلك إلى بديل عن صناديق الاقتراع التي تحدد هوية من يقود البلاد، إذ طلب حفتر، في نيسان/أبريل الماضي، تفويضاً منها لإدارة ليبيا.

في الغرب الليبي، حيث تقل النعرة القبلية لارتفاع منسوب التعليم وتزيد هيمنة المليشيات المسلحة، يغلب الطابع الإيديولوجي الإسلامي على القبائل، إذ انقلبت على الانتخابات التي أُجريت عام 2014، والتي فاز فيها الليبراليون، من أجل السيطرة على مقاليد الحكم.

وقبل أيام، بادرت أطراف خارجية إلى مغازلة القبائل الليبية، إذ دعاها الرئيس التونسي قيس سعيّد إلى الاجتماع في حوار وطني ينتهي بدستور يتم التوافق عليها، أما نظيره المصري عبد الفتاح السيسي فقد عرض تسليحها من أجل الحفاظ على الأمن القومي العربي والليبي، على حدّ زعمه.

الدولة العميقة في ليبيا

عند الحديث عن القبائل في ليبيا، يقول باحثون إنها عصب الدولة، أو بمعنى آخر هي الدولة العميقة التي قادت الحركة الجهادية ضد الاستعمار الإيطالي، والتي بفضل ولائها ظل القذافي في الحكم أربعين عاماً.

بحسب دراسة نشرها "المعهد الهولندي للعلاقات الدولية"، العام الماضي، يوجد أكثر من مائة قبيلة في ليبيا، منها 30 قبيلة فاعلة في المشهد. بمعنى آخر، فإن 90% من السكان ينبعون من القبائل، بينما 10% فحسب لا يرتبطون بأية قبيلة.

وبحسب الدراسة التي أعدها الباحثان الحمزة الشديدي ونانسي عز الدين، فإن أهم قبيلتين في ليبيا والأكثر تأثيراً تأتيان من شبه الجزيرة العربية، وهما قبيلة بني سليم التي تسكن إقليم برقة في المنطقة الساحلية الشرقية وقبيلة بني هلال التي سكنت تاريخياً المنطقة الغربية حول العاصمة طرابلس.

تشير الدراسة أيضاً إلى الأقلية الأمازيغية التي تُقدَّر بحوالي 200 ألف شخص يسكنون غالباً في جبال نفوسة ومدينة زوارة الساحلية.

استحدث القذافي منصب المنسق القبلي داخل كل قبيلة مهيمنة، ومَنَحه صلاحيات واسعة منها حق إزالة منازل المواطنين، والتخطيط لإنشاء المرافق العامة والخدمات الحكومية... ساعدت القبائل القذافي في الحفاظ على حكمه الطويل فكيف ملأت الفراغ بعد سقوطه؟ 

لذلك فإن الخلفية السياسية في ليبيا، كما يقول المحلل السياسي عبد العزيز أغنية، في حديثه لرصيف22، هي خلفية اجتماعية ذات طابع قبلي ومناطقي، ويمكن تعريفها بأنها تُمثّل مؤسسات الدولة ومجالسها العرفية بشكل أشبه بالبرلمان.

يشرح أغنية أن النظام السابق نجح في التوافق مع معظم القبائل، ورسم معها شكل حكم الدولة فجرى الاتفاق على اللجوء إلى الحوار واستبعاد السلاح، وتشكيل حكومة تُشارك فيها القبائل، مع تحقيق بعض التوازن بين القبائل، ولذلك دام طويلاً.

بالعودة إلى دراسة الهولندية، فإنها أشارت إلى أن القذافي أسّس عام 1994 لجاناً ﺷﻌﺒﻴﺔ ﻟﻠﻘﻴﺎدات اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، قوامها قيادات القبائل، ثم بدأ في منح أبنائها أعلى الوظائف في الحكومة حتى يتمكنوا، وفقاً لفكره، من إدارة مجتمعاتهم بشكل أفضل.

واستحدث القذافي منصب المنسق القبلي داخل كل قبيلة مهيمنة، وكان دور المنسق الإشراف على القبيلة التي ينتمي إليها، كما مَنَحه صلاحيات واسعة منها حق إزالة منازل المواطنين، والتخطيط لإنشاء المرافق العامة والخدمات الحكومية.

وفق هذه السياسة، باتت القبائل عمود الدولة وأحد أبرز أركانها في الاقتصاد والتشريع وفرض للأمن، حسب أغنية.

القبيلة… ما بعد الثورة

مع سقوط نظام القذافي، انهارت اللجان الشعبية واختفى منصب المنسق، ولم يعد في الدولة أية مؤسسة سواء سياسية أو أمنية، ما أحدث فراغاً كبيراً في الجانبين السياسي والأمني.

في ظل هذا الفراغ، والكلام لأغنية، بدأت القبيلة في إدارة الشأن العام ثم شكّلت قوات مسلحة لتوفير الأمن في ظل انتشار الجماعات المسلحة المتطرفة في الشرق، خصوصاً تنظيم داعش في درنة أو "أنصار الشريعة" في بنغازي.

ويشير أغنية إلى تشكيل ما يُعرف بالمجلس البلدي في عدة مدن غربية إلى جانب رجال الشرطة بداعي حفظ الأمن في ظل انتشار المليشيات المسلحة، فأصبح لاحقاً أبرز مظاهر تغلغل القبلية.

بعد الثورة، بدأت الهويات تنبع من ولاء الفرد ووجهات نظره السياسية التي تعكس انتماءه القبلي وليس من منطلق وطني، فعلى سبيل المثال ظهرت المشاعر القبلية في برقة أقوى من أي مكان آخر في البلاد، مع بروز ما يُعرف بـ"وجهاء القبائل" الذين يسعون إلى تحقيق مصالح خاصة عبر مساندة أحد الأطراف الرئيسية في المشهد.

يتفق أغنية على أن القبائل الشرقية كانت الأكثر حشداً في الشرق لإسقاط القذافي، ثم أصبحت العمود الفقري والأكثر تحمساً لإرسال أبنائها للانخراط في قوات الجيش الوطني بعدما توصلت إلى تفاهمات قبلية مع حفتر.

بعد سقوط القذافي، ازدادت المواجهات القبلية خصوصاً في الجنوب بين خصمين تاريخيين هما التبو وأولاد سليمان، كما بدأت قبائل في مصراتة بالانتقام من داعمي القذافي... تستحضر أطراف خارجية دور قبائل ليبيا اليوم، في مقابل دعوات لمصالحة تشمل كافة القبائل 

وأشار الباحثان الشديدي وعز الدين إلى نقطة بارزة في النظام القبلي بعد الثورة، خصوصاً في المنطقة الشرقية، وهي التمسك بنسخة تقليدية ومعتدلة من الدين الإسلامي، ما يشكل معارضة مركزية أمام الإسلاميين المتشددين المتواجدين في الغرب حيث ينمو نفوذ جماعة الإخوان المسلمين.

وقال الباحثان: "لا يمكن أن نغفل الجانب السلبي للتدخل القبلي في توفير السلامة والأمن، وهو قيام مقاتلي القبيلة بتوفير الحماية بشكل جزئي وانتقائي، بمعنى آخر فإن هذا النظام بعد الثورة بات قائماً على سياسات مشاركة طرف واستبعاد طرف آخر".

في غريان على سبيل المثال، كانت بعض الأحياء القبلية مثل تغريطة وأولاد يعقوب وأبي زيان آمنة، بينما الأحياء القبلية المختلطة مثل القواسم وكمون مكاناً خطيراً للحياة.

وفي مثال آخر على مساوئ هذا النظام أن الأخير كان يدفع العاملين في المجال الطبي إلى العناية بمريض قبلي على حساب مريض آخر حتى لو كان الأخير في حالة حرجة.

وفي المشهد الذي ساد بعد الثورة، ازدادت المواجهات القبلية خصوصاً في الجنوب بين خصمين تاريخيين هما التبو وأولاد سليمان، والتي نتج عنها الكثير من الحوادث الدموية، كما بدأت بعض القبائل خاصة في مصراتة بالانتقام من القبائل والمجتمعات التي دعمت القذافي خلال الثورة في بني وليد وتاورغاء، إلى جانب هجوم قبائل الزنتان على قبيلة ورشفانة التي دعمت القذافي.

حتى الآن، لا تزال القبائل التي دعمت القذافي مستبعدة من صنع القرار السياسي، على الرغم من تشكيلها نسبة واسعة من سكان ليبيا، مثل قبائل الطوارق، والقذاذفة، والورفلة، وترهونة، وورشفانة، وتاورغاء والمقارحة التي كانت أقوى حليف للقذافي.

يعتبر أغنية أن استبعاد هذه القبائل من صنع القرار ومن تقاسم الثروة جعلها تنخرط بقوة في دعم حفتر، كما اتجهت إلى غلق حقول النفط كي تضغط على الطرف الآخر لتحصيل نصيب عادل من إيرادات الدولة.

القبيلة والطريق إلى الدولة

لا يوحي المشهد الليبي الحالي أن القبائل كمؤسسات ستزول، بل ستظل سلطتها قائمة، والمواجهة معها ستزيد أمد الحروب والصراعات، لأن سقوط القذافي لم يؤد إلى اختفاء القبائل الداعمة له. 

وعليه، بحسب الدراسة، فإن القبلية هي العنصر التنظيمي الرئيسي في ليبيا ولا يمكن أن يكون هناك دولة إلا عبر تمثيل عادل للقبائل، حيث أن الحكومة ستظل على المدى القصير تستفيد من النظام القبلي لحل النزاعات الداخلية، طالما لا يوجد نظامٌ قضائي رسمي يمكنه القيام بذلك.

من هنا، يدعو مراقبون إلى ضرورة خلق مصالحة وطنية تشمل كافة القبائل، وتمثيلهم في مجلس وطني، دون استبعاد أي طرف، والاتفاق على نهاية التصنيف الحالي بين الداعمين للثورة أو الموالين للقذافي أو لحفتر وغيره.

بدوره، يرى أغنية أن قيام الدولة لن يتم إلا عبر إرضاء كافة أطياف القبائل في الجنوب والغرب، محذراً من أن قبائل برقة سوف تحشد نفسها في معركة جديدة نحو طرابلس لكن هذه المرة ستشارك فيها قبائل مصرية مرتبطة أسرياً واجتماعياً بقبائل الشرق، ويصل عددها إلى 10 مليون، وهو ما أعلنه الرئيس المصري عندما قال إن القاهرة سوف تسلح القبائل للحفاظ على أمن ليبيا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard