نفكر بمنطق القبيلة ونبرر وقائع الماضي ونقيس عليها... أصول لاتاريخية التفكير في الثقافة العربية

الخميس 12 ديسمبر 201905:54 م

في ثقافتنا المعاصرة، ننظر إلى التاريخ والتراث نظرة انتقائية ونفعية. من أسباب ذلك حالة الازدواج في نظرتنا للغرب وازدواج نظرتنا لماضينا، وحالة السجال والصراع التي عشناها خلال القرنين الماضيين ولا نزال. ولكن هناك منبعاً آخر لهذه الحالة هو طبيعة عملية التحديث عندنا وكيفية تعاملنا معها ومع تحدياتها.

فعملية التحديث عندنا مُسيسة منذ بداياتها، يوجه دفتها الحاكم، رجل السياسة. وهو تحركه الأهداف، المباشرة، المادية، الملموسة، سريعة العائد. عملية تسييس التحديث هذه جعلت مشروع المفكر مشروع تابع، فالمثقف عينه دائماً على راية السياسة، في أي اتجاه هي تتجه، سواء أكان مؤيداً للسلطة أو معارضاً لها، بل حتى المفكر الذي لا يؤيد تأييداً مباشراً أو يعارض معارضة مباشرة هو الآخر يفكر وعينه على راية السياسة، سعياً منه لتحقيق بعض أهدافه الثقافية، وفي محاولة لاستثمار ما هو قائم لتحقيق ما يستطيع تحقيقه.

هذه الحالة من الانتقائية والتسييس شكلت الفكر وصبغت الحياة الثقافية، بأن جعلت تفكيرنا يُمارس دائماً عبر آليات السياسة، وليس عبر آليات الفكر. والتفكير عبر آليات السياسة جعل تركيزنا في تناول القضايا يكون دائماً عملية بحث عما هو نافع، وما هو عملي وناجز.

التفكير بمنطق القبيلة

ومن جانب آخر، يقودنا ذلك إلى التفكير بمنطق القبيلة، بحثاً عن النُصرة، فالنصرة لأخيك في العشيرة الثقافية، ظالماً كان أو مظلوماً هو القاعدة، ولا نفكر حتى بمنطق الحديث المنسوب للنبي بأن نصرة الأخ مظلوماً تكون عبر رده عن ظلمه. ولكننا أصبحنا ننصره بمنطق بيت الشعر القديم "ألا لا يجهلنا (أي يتعصبنا) أحد علينا فنجهل (أي نتعصب للقبيلة) فوق جهل (أي تعصب) الجاهلين (أي المتعصبين)".

وفي حالة الجاهلية الثقافية هذه، لا تصبح الحقيقة والبحث عنها الأساس والمُبتغى، بل يكون محور البحث عمّا ينفع وما يفيد في غزواتنا الثقافية هو الهدف. فلا تصبح الحقيقة مفيدة لكونها حقيقة، بل يصير كل ما هو مفيد وناجع في معركتنا هو الحقيق، ولا تصبح معرفة الرجال بالحق، بل تصبح معرفة الحق بالرجال.

فالحق هو ما تقوله جماعتنا وما عليه قبيلتنا الثقافية، وما يخالف قولها هو الباطل. هي نفس التركيبات القديمة التراثية قد امتدت في حياتنا الحالية لكنه امتداد بزكشات "حداثية" كقشرة خارجية عبر مصطلحات معاصرة، وكأن هذه التصورات "الحديثة" هي زركشات برانية لقاعدة "الإسناد في الرواية" التراثية.

ومنهج إسناد الرواية من الثقاة هي الطريقة التي قامت عليها كل علومنا التراثية، عبر الاهتمام بسلاسل السند، وعبر التيقن ممن ننقل الرواية، وهل راويها من جماعتنا أم هو من الفرق الأخرى "الضالة"، فصدق الرواية يأتي من خارجها، بالثقة في مَن قالها وليس من داخلها، بحجة متنها ومنطق محتواها وبعلاقتها بغيرها من الأدلة، وصحتها تكون عبر الثقة القائمة على مبدأ هل القائل بها منّا أم علينا؟

ولكل قبيلة سلاسلها ولكل فرقة أسانيدها، لتصبح النفعية والسجال نهجا التفكير بآليات السياسة، وتعدم حياتنا الثقافية منهج التفكير بآليات الفكر سوى في هامشها، وتصبح غزواتنا وغاراتنا الثقافية والفكرية تقريباً جعجعة بلا طحين، وأيامنا الثقافية كأيام العرب القديمة، وشعارنا المرفوع دائماً إذا عدتم عدنا.

التصوّر الأشعري اللاتاريخي

المنبع الثالث للاتاريخية التفكير وتفتت التاريخ في وعينا، وهو المنبع الأعمق، لجذوره التراثية الطويلة، هو التصور الأشعري للزمن. والأشعرية ليست مجرد مذهب في العقيدة وفي أصول الدين، ساد وسيطر مع الماتريدية، وليست مجرد مذهب في علم الكلام يتعبد سبعين إلى ثمانين في المئة من المسلمين به، بل شكّلت الأشعرية وتصوراتها عن الله والإنسان والكون وعن علاقات كل من هذه المقولات وتلك التصورات ببعضها رؤية للعالم ومنهجاً في النظر وآليات في التفكير، خارج حقلها المعرفي في علم الكلام.

ويمكن اعتبار أن أسس الأشعرية الفكرية ومناهجها في التدليل والبحث هي التي شكلت تقريباً العقل الذي ساد في حياة غالبية المسلمين وفي ثقافتهم، إذ شكلت رؤية للعالم.

الأشعرية كمحاولة لحل كل الإشكاليات الكلامية رفعت التوتر بين الخاصة والعامة وبين الراعي والرعية، لمواجهة حالة التفكك والخطر القادم، عبر وحدة الناس بالتوسط بين فرق كلامية مختلفة، وأصبحت في مراحل تالية مساندة للسلطة في مواجهة خطر الخارجين عليها والثائرين ضدها.

وتطور مفهوم "أهل السنة والجماعة" في مواجهة أهل البدعة والفُرقة . وإذا كانت الفرق الشيعية تعالت بمفهوم الإمامة وبعصمة الأئمة من أهل البيت، فقد ركز الخطاب الأشعري على مفهوم "النبوة" وعلى "عصمة النبي"، وارتفع بمفهوم "الخلافة" وبمقام "الخليفة" حتى وصل إلى أن الخليفة وإنْ كان قد جاء بالبيعة أو حتى بقوة الشوكة، فهذا كله يحدث باختيار من الله على الحقيقة ولو كان في الظاهر قد تم عبر بيعة البشر.

هذه المركزة لمفهوم النبوة في الخطاب الأشعري، لكي تحقق تأثيرها، كان لا بد أن تكون نبوة النبي، عبر اصطفاء له من الله، اصطفاء في الغالب غير معلل. وفي هذا التصور تصبح فترة الوحي هي لحظة كمال ولحظة وحدة للأمة، وتصبح هي المركز وهي البؤرة التي كلما اقتربنا منها اقتربنا من الكمال وزادت قيمة الأفضلية، وكلما ابتعدنا عنها كلما زاد التدهور وزادت فُرقتنا.

تبرير الوقائع السابقة

ويبدأ ترتيب مراتب الأفضلية ودرجات المكانة بمدى القرب من النبي وبطول الصحبة وليس فقط بقرب النسب. أفضلية ومكانة تتطابق مع ما حدث من وقائع في حياة المسلمين، وكأن الخطاب الأشعري يبرر في ما بعد ما وقع من أحداث بالفعل من قبل، فخلافة أبو بكر الصديق كانت خلافة للأفضل لأنه التالي للنبي مباشرة في الفضل، يليه عمر بن الخطاب فهو الفاروق، فعثمان بن عفان ذا النورين فعلي بن أبي طالب مدينة العلم. بل إن هذا الترتيب وإنْ كان ببيعة من بشر فحدوثه في الواقع واستمراره هكذا لأنه أفضل الممكنات ومجرد حدوثه في الواقع دليل على أنه من اختيار الله، فلا يحدث في كون الله شيء بدون اختيار الله. هكذا برر التصور الأشعري واقع الوقائع: ما كان كان لأنه أفضل الممكنات وهو العدل.

تتصادم مع هذه الرؤية الأشعرية وتصوراتها للتاريخ صراعات الصحابة ذاتهم وحروبهم واقتتالهم. وهناك فرق من المسلمين ترى أن ما حدث في الواقع ليس تحققاً للعدل. فالاتجاهات التي أسميت في ما بعد اتجاهات الشيعة، رأت أن ما حدث من تولية الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان، هو نتاج انتصار لقيم الجاهلية التي كانت سائدة قبل الإسلام، أي قيم عصبية القبيلة. واتجاهات كالمعتزلة كانت تفسر ما حدث في إطار صراعات بشرية وليس نتاج أفضلية. وكذلك، رأت الشيعة الزيدية أنها صراعات بشرية، وقالت بجواز تولي مَن هو أقل فضلاً مع وجود الأفضل. والأمر نفسه بالنسبة للفرق التي نُسبت إلى الخوارج والتي كانت تعارض استئثار قريش وعصبيتها القبلية بالأمر دون المسلمين.

نحارب في معارك متخلية بسيوف متخيلة ونغزو غزوات متخيلة، ويظل واقعنا واقع على حاله لا نحرك فيه ساكناً، ويظل يحركه آخرون يحددون لنا مسارات وقوفنا وتظل قدراتنا "مكانك سر"... ما الذي أوصلنا إلى هذه الحالة؟
اللاتاريخية في تفكيرنا كعرب تجعل عالمنا مجرد ماكينة كبيرة تعيد عرض نفس الفيلم السابق ولكن بممثلين مختلفين يؤدون نفس الأدوار، وتحدث نفس الوقائع ونفس النتائج، فلا جديد في هذا العالم، لم يأتِ له مثال من قبل

لكي يتعالي الخطاب الأشعري بفترة الوحي والصحابة ويواجه هذه المعارضات التاريخية والفكرية، كان عليه أن يقطع صلة فترة الوحي وصلة الوقائع والأحداث والأشخاص بالتاريخ ويرتفع بكل هذا عن حمولاته البشرية والتاريخية، فقدم رؤية للعالم تقوم على أن الله هو الفاعل على الحقيقة في الكون وفي الحياة وأن لا فاعلية لقوانين الطبيعة في حياتنا سوى على سبيل المجاز.

لا وجود فاعلاً للناس

وقدمت الأشعرية مفهوماً وتصوراً للتاريخ وللزمن يدعم هذه الرؤية. فإذا كان الله هو الفاعل على الحقيقة فما الناس ووجودهم في المشهد سوى مُناسبات، لا وجود فاعلاً لهم. فمثل قصة آدم وحواء وإبليس في الجنة، فإن فعلُهم كان حسب خطة إلهية مُسبقة، خطة صراع دائم بين الحق والباطل، صراع يتكرر طوال الوقت، كنموذج سابق جاهز كامل في ذاته يتكرر مرة بعد مرة وفي مرحلة زمنية بعد مرحلة زمنة أخرى، ويظهر في صراع الأنبياء مع أقوامهم ومع النبي ومشركي مكة... وحتى الآن.

فإذا كان التاريخ عبارة عن نماذج جاهزة، كاملة في ذاتها، سابقة، فإن هذا يجعله مجرد ظواهر منفصلة تتكرر، وليس ظواهر متصلة يبني كل منها وجوده وتحققه على وجود وتحقق ظواهر أخرى، بل تصير ظواهر التاريخ مجرد نُتف ليس لها علاقة ببعض، تتجاور، لكن دون تواصل أو تعالق بينها. ويصبح الزمن في هذا التصور عبارة عن لحظات منفصلة كاملة في ذاتها، متجاورة، تظهر إلى نور الوجود ثم تختفي في العدم.

هذا التصور للتاريخ وللزمن جعل تواريخ المسلمين عبارة عن تواريخ دول وأُسر أو تواريخ مدن، تواريخ سنة بسنة، أو أيام كأيام العرب القديمة. ولم يستطع الخطاب التاريخي في تفكير العرب أن يبني وقائعهم وأحداثهم عبر التاريخ، أن يبنيها في فلسفة للتاريخ، تستطيع أن تعي ظواهر التاريخ في أنساق وقوانين ضابطة لحركة المجتمع وحركة البشر فيه.

وحتى جهود ابن خلدون (1332/ 732 - 1406/ 808) في "المقدمة" واستخدامه "لطبائع العمران" ولمفاهيم مثل "العصبية" لتفسير وقائع التاريخ كانت مجرد قشرة عقلانية هشة على السطح تعمل من تحتها المفاهيم الأشعرية بعد تفريغ أبو حامد الغزالي (1058/ 450 - 1111/ 505) لمفهوم "الطبع" من حمولاته المعتزلية. ورسخت منهجية القياس الفقهي وآلية السند في ضبط المرويات من تلك القشرة العقلانية عند ابن خلدون.

الأمر الآخر أن كل الاتجاهات التي حاولت مقاومة سطوة وسلطان تمدد الأشعرية لم تستطع إنتاج منهجية ولا آليات بديلة للآليات التي تحركت بها التصورات الأشعرية.

مثال معاصر

حين تظهر ظاهرة جماعات العنف المسلحة التي ترفع راية الإسلام في القرن العشرين، يقوم الشيخ المعمم المدافع عن الدولة وعن المجتمع ضد عنف هذه الجماعات، فيقول أنها "خوارج العصر". هو هنا لا ينظر إلى ظاهرة الجماعات في ذاتها، وإلى مكوناتها الداخلية، وعوامل تشكلها في عصرنا في سياقاتها السياسية والاجتماعية والفكرية، للوصول إلى القوانين الحاكمة لها من داخلها في وقتنا الحاضر.

هنا، يستدعي الشيخ المعمم نموذجاً سابقاً جاهزاً كاملاً في ذاته، ليسقطه على الظاهرة التي تفعل في واقعنا. فيصبح كل جهدنا منصبّاً على كيف نقصقص هذه الظاهرة لتدخل في "الجلابية" سابقة التفصيل التي استدعيناها كنموذة جاهز سابق.

فإذا كانت تلك الجماعات هي خوارج، فمَن هو الإمام؟ وبما يستدعيه ذلك من استدعاء كيفية التعامل مع "الخوارج" كما تعامل معهم الإمام في النموذج السابق بالقضاء عليهم، فيكون بترهم من المشهد هو الحل كما حدث من قبل، فتتماهى التصورات والمفاهيم.

وتصبح النتيجة أننا نحارب في معارك متخلية بسيوف متخيلة ونغزو غزوات متخيلة، ويظل واقعنا واقع على حاله لا نحرك فيه ساكناً، ويظل يحركه آخرون يحددون لنا مسارات وقوفنا وتظل قدراتنا "مكانك سر".

وإذا كانت هذه الجماعات هي "خوارج العصر"، فالنصر قادم لا محالة مهما حدث من حوادث، كما حدث طوال التاريخ حيث ينتصر الحق على الباطل كنموذج متكرر في المعركة الأبدية منذ آدم وإبليس وموسى وفرعون، إلى النبي والمشركين والإمام المنتصر على الخوارج، لأن الفاعلية ليست لنا ولا حتى للخوارج، إن الفاعلية في النهاية هي لله وما نحن إلا مناسبات، والزمن كفاعلية تواصل والتاريخ كتراكم خبرة بشرية، والوعي كبناء معرفي يضيف فيه التالي على السابق غير موجودين.

هكذا، يصبح عالمنا مجرد ماكينة كبيرة تعيد عرض نفس الفيلم السابق ولكن بممثلين مختلفين يؤدون نفس الأدوار وتحدث نفس الوقائع ونفس النتائج، فلا جديد في هذا العالم، لم يأتِ له مثال من قبل.

حالة التفكير عبر قياس واقعة حالية على واقعة سابقة، هي منهجية تراثية رسختها النصوصية في الفقه وفي أصوله. دائماً، يجري البحث عن أصل سابق، وفي عصرنا الحديث، وتحت تأثير تحديات التحديث، أصبحت المسألة عملية تفكير عبر البحث عن نموذج جاهز سابق كامل.

هذا لا يحدث فقط في تعاملنا مع تراثنا. فحتى في تعاملنا مع التراث الغربي، ننقل أيضاً ونفكر عبر النماذج الجاهزة. هذه الحالة تخلق هجراً لواقعنا كما هو وتلغي محاولة رصد وإدراك القوى والعوامل المؤثرة والفاعلة فيه، ورصد قوانين عملها.

نستدعي نماذج سابقة جاهزة نفرضها بتعسّف على ظواهر واقعنا، وكأننا نعيش في عوالم مُتخيلة هروباً من أفلام واقعنا، فيضيع الواقع، وتظل قوى أخرى خارجة عنا هي المؤثرة في حياتنا. ومن هنا تأتي لاتاريخية تفكيرنا ولاتاريخية فعلنا، بل لاتاريخية وجودنا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. والله أعلم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard