"غابة الحق"... يوتوبيا النهضة العربية

الأحد 28 يونيو 202002:21 م

صدر للباحث بيتر هيل Peter Hill، هذا العام كتاب "اليوتوبيا والحضارة في النهضة العربية" Utopia and Civilisation in the Arab Nahda، ويناقش فيه تطور مفهوم "النهضة" و"المدينة" والحضارة في العالم العربي، في ظل الإمبراطورية العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر، انفتاح أسواق المنطقة على "الغرب" والسعي لدخول التاريخ الحديث والنهل من معارفه الجديدة وعلومه، وكأن هذه اللحظة بالنسبة للمنطقة العربية هي دعوة للانضمام إلى "العصر الجديد"، عنوان الافتتاحية التي كتبها الشاعر السوري خليل خوري، في جريدة "حديقة الأخبار" الصادرة عام 1858، الصحيفة الخاصة الأولى في الأراضي العربي.


دعوة للعالم العربي للانضمام إلى "العصر الجديد"... كيف تطور مفهوم "النهضة" و"المدينة" والحضارة في العالم العربي، في ظل الإمبراطورية العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر؟ وانفتاح أسواق المنطقة على "الغرب" والسعي لدخول التاريخ الحديث والنهل من معارفه الجديدة وعلومه؟

موضوع الكتاب

يتتبع الكتاب نشوء مصطلح النهضة، ثم الشروط الاقتصادية والسياسية التي شهدتها المنطقة، مقدماً قراءة جديدة، عبر ثلاثة محاور تنتمي إلى بدايات النهضة العربية بين عامي 1830 و1870. المحور الأول يتناول مدينة بيروت التي حاول برجوازيوها امتلاك المدينة واستعادتها بوصفها فضاء ينتمي لهم، وحلب التي شهد تجارها المسيحيون بداية تنظيمات الدولة تبلور شكلها، ثم القاهرة ودور محمد علي في تغيير وجهها.

المدن الثلاث التي يركز عليها الكتاب، ترى في بداية النهضة محاولة للاقتراب من أوروبا وفهم أسلوب تطورها، لا عبر التقليد الأعمى ولا التبني الكامل لمقولات "الغرب"، وذلك عبر توليفة محليّة تحاول الاستجابة لحاجات ومتغيرات محلية تطلبها العصر الجديد، الذي عرف بداية وسائل الاتصال والطباعة والعلوم الحديثة.

نجد في بداية النهضة العربية محاولةً للاقتراب من أوروبا وفهم أسلوب تطورها، لا عبر التقليد الأعمى ولا التبني الكامل لمقولات "الغرب"، وإنما عبر توليفة محليّة تستجيب لحاجات ومتغيرات محلية تطلبها العصر الجديد

اليوتوبيا العربية

لن نناقش الكتاب بأكمله، بل سنركز على الفصل الرابع منه، الذي يتناول فيه اليوتوبيا العربية وشكلها، عبر قراءة في كتاب "غابة الحق في تفصيل الأخلاق الفاضلة" لفرنسيس فتح الله مرّاش، الكاتب والطبيب الحلبي، لكن قبل الخوض في ملامح هذه اليوتوبيا، يشير هيل إلى معاني هذه الكلمة ومدى صحة توظيفها في سياق النهضة العربية وخصوصاً كتاب "غابة الحق"، إذ يتطرق إلى الجذر اليوناني للكلمة التي تعني "اللا مكان" ثم التقليد الأوربي المتبع في الكتابة عن الموضوع، سواء في عالم الفلسفة كجمهورية أفلاطون، أو لاحقاً في كتاب القديس أوغطسين "مملكة الرب"، بوصفها لا أماكن، أو تصورات عن شكل جديد من الحياة والثقافة والسياسة.

ويشير إلى وجود هذا النوع الأدبي أو التصور التاريخي في الثقافة العربية، كما في "آراء أهل المدينة الفاضلة" للفارابي أو "حي بن يقظان" لابن طفيل، ويعرّج على دلالات الكلمة الأيدولوجية، وتوظيفها في السياق السياسي.

فلسفة اللامكان

يتبنّى هيل في السياق العربي المعنى الأوسع للكلمة، أي "صورة متخيلة وأمل بمستقبل أفضل للمجتمع أو المدينة"، ويحاول قراءة هذا المعنى بوصفه حاضراً في خطاب التمدن العربي في بداية النهضة، ذاك المرتبط بالتطور العلمي، والاكتشاف الجغرافي وقراءة التاريخ، وهنا يظهر كتاب فرنسيس بوصفه شكلاً ليوتوبيا ذات خصائص أدبية عربية، تتداخل فيه الرحلة مع الغرائب، وتقاليد السرد بالرغبة بالتطوير والتحديث.

صدرت "غابة الحق" في حلب عام 1865، حين كان "الخواجا فرنسيس" بعمر التاسعة والعشرين، أثناء نهاية تدريبه كطبيب، الغابة هي كتابه الرابع، ونشرت قبل رحيله إلى باريس لدراسة الطب، وتبدأ بإهداءين، الأول إلى ممول النشر "إليان نقولا إليان" وباشا حلب "أحمد جودت".

يشير هيل إلى أن فرادة هذا النص ترتبط بجمعه لعدد من أنواع الكتابة العربية، فإلى جانب "الرؤية اليوتيوبية"، يحوي غابة الحق: الرسالة، السيرة والمقامة، بل ويشير إلى أن العنوان نفسه اقتبس لاحقاً بصورة خاطئة بوصفها "غايات الحق"، ليكون أشبه بالرسائل الدينية، بل أن طبعة القاهرة العائدة إلى عام 1881، أضافت له "في تفصيل الأخلاق الفاضلة وأضدادها على أسلوب جلي الوضع وجميل الطبع"، في محاولة لشرح فحوى الكتاب وما فيه، ربما ليقارب كتب الأئمة في شكله.

التأملات والحلم في السرد

يتبع الكتاب تقليد التقاليد التراثية، براو مجهول الهويّة ورحالة ينتقل بين "العوالم"، فالغابة تشابه مقامات عيسى بن هشام ومقامات بديع الزمان الهمذاني، لكن في الفصل الأول، وعوضاً عن الخوض في الأمصار، نقرأ عن حلم يلجه الراوي المتنقل في "أودية التأملات العقلية"، وهنا يمكن أن نفهم العلاقة بين العنوان "الغابة" وبين الحلم، إذ لابد من دلائل في هذه الغابة/الحلم التي يمكن أن يتوه فيها الفرد.

كتب "الخواجا فرنسيس" بعمر التاسعة والعشرين "غابة الحق" في حلب عام 1865... وترتبط فرادة هذا النص بجمعه لعدد من أنواع الكتابة العربية، فإلى جانب "الرؤية اليوتيوبية"، يحوي الرسالة والسيرة والمقامة

هناك يلتقي الراوي ملك الحرية، ملكة الحكمة، وزير حب السلام، قائد جيش التمدن الذي هزم مملكة العبيد والفيلسوف القادم من مدينة النور، الفيلسوف هو أكثر من "يتحدث" في النص، بالرغم من الحوارات معه، لنرى حديثه أقرب إلى مونولوغ طويل، يصف فيه خصائص الحضارة ورؤيته لها، وطبيعة قوانينها والتنظيم ضمنها، إلى جانب علاقتها مع الدين أو "مملكة الروح".

هذه الرؤية تبدأ بعد الانتصار في حرب ضد البرابرة وتحرير العبيد، وهذا ما نراه في المحاكمة التي يخبرنا فيها واحد من العبيد قصة حياته، وكيف تحرر من العبودية في السلطنة العثمانية ثم تعلم فيها، ما يجعل الراوي يستبشر بالخير يأتي أرض حلب وسوريا، وينتهي الأمر باستيقاظه من حلمه، الذي يمكن أن يتحقق على أرض الواقع عبر تحقيق دعائم الحضارة الخمس، السياسية وثقافة العقل وتحسين العوائد والأخلاق وصحة المدينة والحب، لكن، هذه الدعائم لا تقوم من وجهة نظر الفيلسوف من أعلى، بل من الأسفل، عبر ثورة تشمل الجميع المتساويين فيما بينهم.

يقدم هيل شرحاً وقراءة مثيرة للاهتمام لتصور اليوتوبيا في الكتاب، التي لابدّ مثلاً أن تظهر بعد حرب ضرورية لقيام حضارة تحتفي بقيم العلم والأخلاق، لكن هذا التقديم لمستقبل جديد يتم في "حلم"، الذي يسافر عبره الراوي إلى زمن الحضارات الأولى، ويتم الحديث هناك، نحن أمام متخيّل في الزمان، في الأرض العربية التي اختزنت حضارات سابقة، كمصر وبلاد الشام، ولابدّ لها أن تعود إلى مجدها من جديد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard