"دامبي" و"بطيحان" و"الهمشري"... ألقاب أطلقها العراقيون على قادتهم للسخرية منهم

الأربعاء 24 يونيو 202001:36 م

"الله يساعدك عماد. أخبارك؟ مو مِن حقك تتصل بأي أحد بالدولة العراقية تقول أنا أخو فلان... دير بالك... اسمعني أخي، إنت أخي الكبير على عيني وراسي أحبك وأحترمك بس اليوم آني مالة الناس مو مالتك. دير بالك".

هذا الكلام هو من مكالمة هاتفية، نُشرت على شكل مقطع فيديو تداوله العراقيون على منصات التواصل الاجتماعي، وفيها يتحدث رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي مع أخيه عماد.

سياق المحادثة هو أن مصطفى الكاظمي يخبر أخيه برفضه استخدام قرابته منه في تحقيق أي منفعة خاصة، وذلك خلال زيارة له إلى مديرية التقاعد العامة في بغداد، في أول أيام توليه منصبه.

هكذا، راجت عبارة "آلو عماد" بين العراقيين، كلقب لرئيس الحكومة الجديد، بجانب لقب آخر أقلّ تداولاً هو "أخو عماد". والسبب: معظم العراقيين اعتبروا أن هذا الاتصال وتصويره وتسريبه هو للاستعراض.

وأخذت عبارة "آلو عماد" صدى أكبر، بعدما أقدمت الحكومة على اقتطاع جزء من رواتب المتقاعدين، معتبرةً ذلك في البداية جزءاً من سياسة إصلاحية للإنفاق تتضمّن فرض ضريبة دخل على رواتب المتقاعدين، قبل أن تتراجع عن الأمر وتعيد المبالغ المقتطعة بعد يومين، ويخرج الكاظمي معتبراً أن ما جرى هو بسبب السيولة المتناقصة بسبب انخفاض أسعار النفط وأنه على عهده في حماية الشرائح المعدومة.

يقول الكاتب والصحافي أحمد عبد السادة لرصيف22 إن الكاظمي تعرّض للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي "بسبب تنفيذه مقترحات مستشاريه الناشطين في مجال الاستعراض الإعلامي والطشة الفيسبوكية".

نادراً ما نجد شخصية تتولى رئاسة الحكومة أو رئاسة الجمهورية منذ تأسيس الدولة العراقية، وتبقى بعيدة عن ألقاب السخرية. ذهبت حكومات وجاءت أخرى وبقيت عبارات السخرية من رؤسائها أمراً مشتركاً، ولا فرق بين ملكي وجمهوري أو حاكم قبل عام 2003 أو بعده.

رؤساء وألقاب بعد عام 2003

أطلق العراقيون على سلف الكاظمي عادل عبد المهدي لقب "عادل زوية"، نسبة إلى حادث اقتحام جماعة تتبع للفوج المكلف بحمايته، عندما كان نائباً لرئيس الجمهورية، لفرع مصرف الرافدين في منطقة الزوية في بغداد، في تموز/ يوليو 2009، وسرقته وقتل حراسه.

واستمر استخدام هذا اللقب مع أن التحقيقات برّأت عبد المهدي من تدبير الحادثة أو العلم بها وأثبتت بالعكس أنه أول مَن كشف الأمر وأبلغ السلطات عنه وساهم في إلقاء القبض على الجناة.

يقول الناشط العراقي أحمد داود لرصيف22: "الكل يعلم أن عبد المهدي لا يمكن أن يكون طرفاً في هذا الملف لأسباب عدة، لكن الثابت أن القضية خضعت للابتزاز السياسي وقتها، كون عبد المهدي كان الأوفر حظاً في منافسة نوري المالكي على رئاسة الحكومة".

تراجع عبد المهدي عن الأضواء حتى عام 2018، وتراجع مع ذلك لقب "زوية"، لكن إذا سألت أي عراقي عن اللقب الأكثر التصاقاً بعبد المهدي سيقول لك: "عادل زوية".

وانقسم الجمهور حول نوري المالكي. محبّوه أطلقوا عليه لقب "مختار العصر"، تشبيهاً له بالمختار الثقفي، الشخصية التاريخية التي يُنسب لها أنها قادت ثورة بعد حادثة كربلاء، للثأر من قتلة الحسين بن علي. وساهمت الأجواء التي سبقت سقوط نينوى بيد تنظيم داعش عام 2014 في شيوع هذا اللقب. ولكن في المقابل، وفي نفس الوقت، ظهر لقب ذمّ هو "أبو فقاعة" أو "أبو الفقاعات"، نسبة إلى وصفه التظاهرات التي انطلقت في الأنبار وصلاح الدين ونينوى قبل سقوط الموصل بأنها "فقاعة" لا تؤثر.

أما حيدر العبادي فقد لُقّب بـ"دامبي"، نسبة إلى الشخصية الكرتونية "دامبي" في أفلام كارتون "غريندايزر"، والسبب: الشبه بينهما المتمثل بقصر القامة.

وأطلق على رئيس الحكومة الأسبق إبراهيم الجعفري لقب "أبو الشفافية" كما أطلق على إياد علاوي لقب "والله مدري".

ويشرح أستاذ اللغة العربية حسن مهدي (60 عاماً) لرصيف22 أن الجعفري يُكثر من استخدام مفردة "شفافية" حتى صار كل مَن ينطق بها يُقال له: "ها صرت الجعفري؟" أما علاوي فلا تخلو مقابلة تلفزيونية يجريها من قوله "والله ما أدري"، في إجابته عن سؤال أو أكثر.

لماذا الألقاب؟

يعتقد رائد جاهد فهمي، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، أن ذم القادة يتأتى من علاقة الحكومة والدولة ومؤسساتها بالشعب ومدى سعة أو ضيق قاعدة النظام الاجتماعية.

ويربط حسن مهدي الأمر بإخفاق الزعيم العراقي كثيراً في الخطابة، وعدم عنايته بالكلمات التي يقولها، عازياً ذلك إلى أنه "لطالما اعتقد الزعيم العراقي أنه أكبر مما يُكتب له أو ينصح به، فجنون العظمة داء وعلامة عراقية بامتياز".

"الشتيمة وتأليف النكات الساخرة كانت تتم بطريقة سرّية في أيّام صدام حسين، بينما يتم ذلك الآن علناً مع الزعماء الضعفاء الشخصية، وعلى رؤوس الأشهاد"

أما الباحث والإعلامي محمد غازي الأخرس فيُرجع لجوء الشعب إلى إطلاق عبارات الذم على القادة منذ تأسيس الدولة إلى ثقافة اجتماعية سادت في العراق منذ أقدم العصور.

يروي أن أول أسطورة سومرية كان بطلها "آدابا" الذي سبّ الآلهة لأنها تسببت بقلب قاربه في الأهوار، بعد هبوب ريح عظيمة، وحوكم على ذلك في مجمع الآلهة وحُرم من الخلود.

ويشير إلى أن العراقيين عُرفوا بأنهم "أكثر شعب عربي يسب الذات الإلهية، ولديه قاموس لألفاظ الكفر لطالما كتب عنه الفولكلوريون".

ويضيف أن هذه الخاصية انتقلت إلى الحكام طوال التاريخ القديم والحديث، ويقول لرصيف22: "أعزو هذه الخاصية إلى مزاج العراقي الحاد وبحثه عن المثالية دائماً وهو ما لاحظه الدكتور علي الوردي عندما قال إن مثالية العراقيين جعلتهم ينظرون إلى أي حاكم باحتقار لأنه لا يصل مطلقاً إلى ما ينتظرونه منه".

ويتابع: "نعم، الكاريزما لها تأثير مباشر على نظرة الناس للزعيم لكن مهما كانت الكاريزما قوية لن تمنع الناس من شتمه طالما هو ظالم وعنيف وغير نزيه في ممارسة السلطة".

الفارق، برأيه، "أن الشتيمة وتأليف النكات الساخرة كانت تتم بطريقة سرّية في أيّام صدام حسين، بينما يتم ذلك الآن علناً مع الزعماء الضعفاء الشخصية، وعلى رؤوس الأشهاد".

رؤساء وألقاب قبل عام 2003

في عهد الملكية، برزت شخصية نوري السعيد. ويرى رائد جاهد فهمي أنه كان يتمتع بكاريزما، ولكن النظام الملكي لم يستطع اجتذاب شرائح اجتماعية واسعة، منها الفلاحين والفئات الوسطى، كما كانت له مواقف معادية للتيارات اليسارية والقومية فأصبح نوري السعيد رمز السلطة الملكية، عضوة حلف بغداد الاستعماري.

ويشير محمد غازي الأخرس إلى أن العراقيين كرهوا السعيد واعتبروه طاغية وعميلاً للإنكليز وشاعت عنه هوسة "نوري السعيد القندرة وصالح جبر قيطانها"، أي نوري السعيد حذاء ووزير الدفاع في حكومته صالح جبر هو رباط الحذاء.

مع نهاية الملكية، بثورة 1958، برز نجم الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم. ويروي رائد جاهد فهمي أن أغلبية الشعب كانت تطلق عليه توصيفات إيجابية مثل "الزعيم الديمقراطي" وزعيم الفقراء".

ولكن الأخرس يذكر أن أعداءه القوميين أطلقوا عليه لقب "الهمشري"، وهذا اللقب شاع بسبب أغنية يغنّيها الممثل والمونولوغيست المصري محمود شكوكو ويقول فيها: "أهلا وسهلاً بالزعيم الهمشري، الأصمعي اللوذعي العبقري"، وهي أغنية راح القوميون يبثونها بعد سقوط قاسم عام 1963.

في الثمانينيات من القرن الماضي أطلق العراقيون على صدام حسين لقب "بطيحان"، نسبة إلى مسلسل بدوي عنوانه "الغريبة" وفيه يؤدي الممثل الأردني زهير النوباني دور "بطيحان"، شخصية اتسمت بالغدر والانتهازية

وعن قادة أنظمة البعث والقوميين التي جاءت بعد انقلاب الثامن من شباط/ فبراير 1963، يقول رائد جاهد فهمي لرصيف22 إنهم كانوا مكروهين شعبياً لأنهم مسؤولون عن الجرائم التي ارتُكبت بحق القوى الديمقراطية والشيوعيين ولمعاداتهم للديمقراطية والحريات، وانعكس ذلك في التوصيفات التي أطلقت عليهم.

ويروي الأخرس لرصيف22 أنه "عندما سقط عبد السلام عارف (1963-1966) مع طائرته محترقاً في الطريق إلى البصرة شمت به العراقيون بالأهزوجة المعروفة ‘صعد لحم نزل فحم’، وأعتقد أن الزعيم الوحيد الذي أحبوه ولم يشتموه هو أخوه عبد الرحمن عارف (1966-1968) الذي لم يؤذ أحداً".

أما أحمد حسن البكر الذي حكم بين عامي 1968 و1979، فيقول الأخرس إن هناك لقباً له كان متداولاً لكنه لم يكن شائعاً وهو "أبو ياخة وسخة"، والياخة بالعراقي تعني الياقة.

مع صدام حسين اختلف الأمر، وامتزج الكره بالخوف. بحسب الأخرس، كان "أكثر حكام العراق تعرضاً للشتيمة والنبذ".

يروي أن العراقيين أطلقوا عليه لقب "ابن صبحة"، وصبحة هو اسم والدته، وذلك بغرض اتهامه بنسبه. وقد تكون حساسية صدام من اتهامه بنسبه هي السبب الذي دفعه إلى الذهاب بعيداً في نفي التهمة بعدة وسائل منها ربط نسبه بآل البيت.

وهناك قصة ذات صلة ترتبط بأغنية "يا صبحة هاتي الصينية" للمطرب السوري موفق بهجت، يرويها المدرس المتقاعد كريم الركابي (75 سنة) لرصيف22. بعدما ظهرت هذه الأغنية، منع صدام حسين إذاعتها بسبب اللقب السابق ذكره، أما الرئيس السوري حافظ الأسد الذي كان على خلاف مع صدام فأمر الإذاعة السورية بالإكثار من إذاعتها وبتقوية بث إذاعة دمشق ليصل إلى الأراضي العراقية، و"فعلاً، مناطق غرب العراق كانت تستمع إلى الأغنية عبر إذاعة دمشق".

وأطلقت على صدام حسين ألقاب أخرى. يروي الركابي أنه في الثمانينيات من القرن الماضي كان يلقب بـ"بطيحان"، نسبة إلى مسلسل بدوي عنوانه "الغريبة" وفيه يؤدي الممثل الأردني زهير النوباني دور "بطيحان"، شخصية اتسمت بالغدر والانتهازية.

يروي الركابي أن معادي صدام كانوا يكتبون على الجدران "إلك يوم يا بطيحان، والبعثيون يمسحونها".

وفي التسعينيات، والكلام للركابي، اختلف الأمر، فصار صدام يلقب بـ"بوش أبو شوارب". يقول: "كنّا في التجمعات نسب جورج بوش علناً لكننا نقصد بوش أبو شوارب"، ويضحك.

النجاة بالنكتة

بعد إسقاط صدام حسين عام 2003، "تدهورت صورة القيادات بصورة متسارعة"، خاصة بعد عام 2010. والسبب وراء ذلك، بحسب رائد جاهد فهمي، هو "ارتباطها بازدياد مظاهر وآثار الفشل في الأداء الحكومي واستشراء الفساد وتردي الخدمات العامة وتفاقم الأزمات وتعميق الفوارق الاجتماعية وغياب العدالة الاجتماعية واشتداد معاناة الشباب خصوصاً".

ويضيف أن "المواصفات القيادية، ومنها الكاريزما، تتوفر لدى البعض إلا أن تأثيرها ظل محصوراً في قواعدها إلى حد كبير ولم تتمدد على مساحات اجتماعية وسياسية إلا بقدر محدود"، مشيراً إلى "أن وجود الاستقطابات والعصبيات القومية والدينية والطائفية والعشائرية والمناطقية تحدّ من اكتساب أي قيادة سياسية بعداً وطنياً".

لعلّ أكثر شخصية تمكنت من الالتفاف على النكات التي تُطلق على الزعماء هو الرئيس العراقي السابق جلال طالباني، إلى حد أنه تحدّث بنفسه عن النكات التي تطاله في اللقاءات التلفزيونية.

يقول الصحافي مصطفى عبد الرحمن (30 سنة) لرصيف22: "مام جلال (مام كلمة تعني العم باللغة الكردية) حرص على إشاعة النكات على نفسه لسحب فتيل العلاقة المأزومة دوماً بين الحاكم والشعب سواء في إقليم كردستان أو في العراق عامة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard