إدوارد سعيد في مواجهة مركز الشرّ الثقافي

الأربعاء 1 يوليو 202010:02 ص

برنامج "محاضرات ريث" The Reith Lectures على هيئة الإذاعة البريطانية BBC، مدخل شيّق لِكِتاب المفكر الفلسطيني-الأمريكي إدوارد سعيد، "المثقف والسلطة".

لم يخفِ إدوارد سعيد بهجته بالدعوة إلى سلسلة المحاضرات السنوية، لما لها من ذكرى جميلة بالنسبة إليه، وللأهمية العالمية للبرنامج أيضاً. ومحاضرات ريث كانت فكرة الفيلسوف البريطاني بيرتراند راسل عام 1948، وتواصل بعد ذلك مستضيفاً كل عام مشتغلاً بالمعرفة أو الفكر أو العلوم.

غير أنّ ما أراد سعيد الحديث عنه في استهلاله لم يكن أهمية البرنامج، بل ما دار في الأوساط الصحافية البريطانية إثر دعوته للمشاركة، والانتقادات التي وُجّهت إلى الإذاعة كونها استضافت ناشطاً فلسطينياً في برنامج مثل ذلك. ووَصف المنتقدين بأنهم "جوقة دائبة الصراخ".

رؤيته الغرب مسؤولاً عن جميع شرور العالم بدا أهم الانتقادات، بحسب ما نقل هو عن صحيفة "ديلي تلغراف". وأياً تكن الأسباب الحقيقية لرافضي مشاركته، فإنه لم يستطرد كثيراً في نقد موضوع ما إذا كان مشغولاً بالفعل في الحديث عن الغرب كمسؤول عن كل الشرور!

محنة المثقف النقدي

فهل كان إدوارد سعيد فعلاً يرى الغرب المسؤول الأول عن الشرور، تحديداً في العالم الثالث، كما قال إنّ "الجوقة" تتهمه؟

في كتاب "المثقف والسلطة" نفسه، يقول "إنّ حرباً ثقافية تدور بين المتحدثين باسم الغرب والمتحدثين باسم العالم الإسلامي والعربي. وفي هذا الوضع الملتهب يصبح من أشق الأمور على المثقف أن يتخذ موقف الناقد، فيرفض استعمال الأسلوب البلاغي الذي يمثل المعادل اللفظي لقصف منطقة ما تمهيداً لتقدم القوات الأرضية".

هذا الاقتباس يكشف عن الصورة النظرية لإدوارد سعيد عن المثقف الناقد الرافض للتنميط والولاء المسبق لهذا أو ذاك. هي صورة مهمة لمشتغل بالمعرفة النقدية. غير أنه كلام نظري، يحتاج تطبيقات، خصوصاً أنّ سعيد لم يتحدث فقط عن دور المثقف بل يمرّ بنماذجه المتعددة.

هو لم يعطِ محاضرة تجريدية بشأن ما يجب أنْ يكون عليه المثقف، بل قدّم نفسه كأنموذج. فهل بدا كما قال أو أنه ناقد أحادي الجانب اتخذ لنفسه صفاً ناقماً على طرف ما؟

المثقف العربي المنسي

في فصل "قول الحقيقة للسلطة" من الكتاب نفسه، لم يمرّ سعيد بشكل جاد على المشتغلين العرب في الثقافة ممَّن عجزوا عن قول "الحقيقة" للسلطات في البلدان الناطقة بالعربية أو تمكنوا مِن قولها.

فالقارئ لهذا الكتاب يجد أنْ لا مكان للمثقف في العالم العربي أو المثقف في العالم الإسلامي، وكأنه العالم الضحية فقط، أو كأنه غير موجود إلا بوصفه موضوعاً للظلم الغربي، خصوصا الأمريكي. البلد الشرق أوسطي الوحيد الموجود في أمثلة سعيد المستفيضة هو إيران قبيل ثورتها الدينية وبعيد ذلك.

مثاله كان مفكراً إيرانياً والى الثورة، ثم بعد الصراع بين الخميني والعلمانيين هَجَر بلده وأصبح معارضاً. لم يتوقف كثيراً عند التحولات بين موالٍ ومعادٍ، تلك الأخطاء الجوهرية التي وقع فيها المثقفون المعادون لأمريكا من العلمانيين في إيران قبل الثورة، وأصبحوا بسبب خياراتهم غير المدروسة ضحايا الثيوقراطية.

في المقابل وصف سعيد نفسه بالعلماني لذا لم ينجرف في الإيمان بالخميني. إلا أنه توقف كثيراً عند خيار صديقه "المفكر" عندما أخبره، خلال حرب الخليج الثانية عام 1991، أنه سيكون مع الإمبريالية ضد الفاشية، سيكون مع أمريكا ضد نظام صدام حسين. يغضب إدوارد سعيد. هذا ما أهمّه. هذا ما شغله في كل مشروعه الفكري، ما جعل الثراء المعرفي الذي امتلكه مفكر عظيم مثله مجرد أداة في الحديث عن كوارث الغرب في الشرق، رغم أنه أكد مراراً على عدم وجود غرب وشرق بالمعنى الثقافي للكلمة، لأن الثقافات متداخلة.

بعض العرب أعداء!

هل احتقر سعيد المثقفين العرب، أو لم يرَ لهم مكاناً في المنجز الثقافي، وفي النهاية اعتقد أنهم غير جديرين بالنقاش، أم أنه، بحكم كونه غربي النشأة ثقافياً غير مطلع على الواقع الثقافي العربي؟

"إدوارد سعيد الذي كان غزيراً وملماً وعارفاً بالكثير من زوايا الثقافة الغربية، أتى إليها مسكوناً بنشأته التي أراد أن يدافع عنها ويكرسها بألا يكون تابعاً لأمريكا، ولأجل ذاك وظف كل شيء في ذلك الاتجاه، بأنْ يقول إنها الشر"

لا أظن أنه من النوع الذي لا يُقرّ بأهمية الآخرين. بل ذهب إلى مناقشة أشخاص عرب لم يكونوا أساسيين في خلق المعرفة، بل جعلتهم المرحلة السياسية مهمّين، وتحديداً الكاتب العراقي البريطاني الأمريكي كنعان مكية وزميله الكاتب والأكاديمي اللبناني الأمريكي فؤاد عجمي. اندفع سعيد في حواره وجدله وهجومه في مواجهة هذين قبيل احتلال العراق وإسقاط نظام صدام حسين عام 2003.

لكنه في هذه الحالة لم يكن ضد عربيين، بل ضد أمريكا كالعادة. هما نموذجان مثّلا امتداد برنارد لويس، هما خصماه باعتبارهما كذلك، لا أكثر من ذلك. لم يناقش بتاتاً موقفهم من صدام، بل جادل في موقفهم الداعم بل المشارك في الحرب على العراق.

وإذا ذهب كنعان مكية إلى التطرّف في وصفه القصفَ الأمريكي على العراق بالقول: "هذه القنابل لها وقع الموسيقى في أذني"، وذهب إلى أبعد نقطة في كراهية عمياء دفعته ليرى القبيح جميلاً والقنابل سنابل سلام، فإن سعيد احتفظ بأبعد نقطة في كراهية أمريكا بحيث لم يستطع أن يفهم أين وصلت الأمور باليائسين من العراقيين الرازحين تحت جور الدكتاتور، ممن جرّب مكيّة أنْ يتحدث عنهم.

كان فلسطينياً خالصاً في هذا الموقف، لم يكن عربياً بالمعنى العابر لظروف نشأته ومسقط رأسه، ولا عالمياً بالطبع. بدا محدداً في مواقفه الفكرية، فئوياً منتمياً إلى معاناته. هو الفلسطيني المهموم بقضية واحدة، وهي بلده المستلب بلعبة غربية. ورغم أنه لا شك في أن تلك اللعبة لا تزال أكبر الكبائر غربياً، إلا أنها ليست كل العالم العربي، ولا مشكلته الوحيدة.

لم يكن عراقياً، ليبياً، سورياً، سودانياً أو جزائرياً... وغيرها من البلدان المحكومة دكتاتورياً والمعادية في الوقت نفسه للولايات المتحدة، علناً على أقل تقدير. لم يشعر بشيء من الألم تجاه ما ألحقه المستبدون بتلك البلدان، لا أظنه استطاع الشعور بمعاناتهم، رغم إشاراته العابرة إلى رفض الاستبداد. والسبب على ما أظن، أن العدو بالنسبة إليه، كشخص ينتمي إلى بلد محتل، هو الاحتلال، هو الغرب الذي دعم الاحتلال ولا يزال.

سعيد وتودوروف

عمل سعيد على تأسيس وعي أحادي الرؤية بالنسبة إلى القارئ العربي والقارئ الغربي. بالنسبة إلى الأول كرّس كراهيته للغرب، ودفعه ليواصل عقيدته في أنّ الولايات المتحدة و"الغرب الاستعماري" هم الشر. لم يخبره سوى القليل عمّا يجري عليه كمواطن تحت حكم فاسد في مصر مثلاً، أو تحت حكم إجرامي في العراق وسوريا، أو تحت حكم أسري كالسعودية. بدا فاقداً للشعور بألم العرب.

"عمل سعيد على تأسيس وعي أحادي الرؤية بالنسبة إلى القارئ العربي. كرّس كراهيته للغرب، ودفعه ليواصل عقيدته في أنّ الولايات المتحدة و"الغرب الاستعماري" هم الشر. لم يخبره سوى القليل عمّا يجري عليه كمواطن تحت حكم فاسد أو إجرامي"

وبالنسبة للقارئ الغربي، صَدَق حين سعى إلى القول له إن بعض مثقفيه يخونونه، يستلبون إرادته، يجعلونه واهماً، غير أنه لم يعطه توضيحاً أكبر من كونه ابن حضارة استلاب، طغيان، استهتار، أراده أنْ يشعر بالشر المطلق، أنْ يرى محيطه السوسيوثقافي مجرد مجرم، والآخرين مجرد ضحايا نخبه وسلطاته.

وأظن أن أهم مقاربة بين سعيد وبين أي مفكر غربي آخر، هي بينه وبين زميله ومعاصره ومشابهه، تزفيتان تودوروف. المفكر البلغاري الفرنسي لم يأتِ إلى العالم الغربي مسكوناً بنشأته الأولى كقادم من ظلم الشيوعية ولم يتأثر بنموذج أمريكا، بل نقدها، وفي الوقت نفسه لم يرها الشر الوحيد. حتى في كتابه "فتح أمريكا" كان حراً طليقاً يمارس نقد اللحظة الكولومبية وما وراءها ثقافياً، بعين الناقد، وليس بعين نشأته هو.

غير أنّ سعيد، الذي كان غزيراً وملماً وعارفاً بالكثير من زوايا الثقافة الغربية، أتى إليها مسكوناً بنشأته التي أراد أن يدافع عنها ويكرسها بألا يكون تابعاً لأمريكا، ولأجل ذاك وظف كل شيء في ذلك الاتجاه، بأنْ يقول إنها الشر. وإنْ عارض كل الشرور، لم يوضح أي عنوان آخر للشرور غير الغرب أو غير واشنطن.

مركزية الغرب والشرق الهامشي

ما نفاه سعيد في كتابه "المثقف والسلطة" هو الشيء الرئيسي الذي عانى منه. عزز اتهام الغرب بكونه مركزاً للشرور. جعله مركزاً، لم يقرّ بأي منافس له، سُكن بفكرة الغرب المتميز، ثم شيطنه.

وإذا كان ذلك مبرراً في كتابه "الاستشراق"، وربما قليلاً في كتاب "تغطية الإسلام" فإنه لا يبدو مبرراً بتاتاً في "المثقف والسلطة" و"صور المثقف". في هذا الأخير تأتي المغامرة المركزية الغربية المتشيطنة مرة أخرى. ويعيد إنتاج الحكم بطريقة معمقة، لكن أكثر مهارة، في كتاب "السلطة والسياسة والثقافة".

غياب الآخر الذي يقابل الغرب، إلا بموجب كونه ضحية، يخلّ بشكل كبير في قدرة سعيد على فهم الأزمة التي بدأ فيها المثقف العربي منذ قيام الجمهوريات، بل منذ ولادة الدولة الوطنية الحديثة في بلدان العالم العربي.

وإذا كان منجز سعيد النقدي لم يأتِ في مرحلة واحدة من حياته، بل اختلفت أزمنة كتاباته، إلا أنه ظل مخلصاً لقراءته للعالم بموجب خضوعه للمركزية الغربية، والأمريكية على وجه الخصوص، ولرؤيته أن هذه المركزية فقط ما يجب أنْ تكون موضوعاً للنقد، كل النقد وبكل اتجاهاته، وكأن لا أحد سواها، ولا شر غيرها ولا يجب أن يطلب الخير من عداها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard