"ألما"...أنشودةُ المكان والناس أو ذاكرةُ عالمٍ اختفى

الخميس 18 يونيو 202011:25 ص

ثمة كتّابٌ حين تقرأ كتبهم تشعر بأنك تعرفهم منذ ألف عام، قبل ميلادك وميلادهم حتى. وثمة شخصيات روائية تشعر بقربها منك مباشرةً، كأنك عرفتها من قبل، وربما قد تبادلت معها حديثاً ذات يوم، وإذا ما فحصت ذاكرتك ملياً تدرك أنك لم تلتقها قطّ، لكن لشدة صدقها ولشدة براعة رسمها، فإنها تشبه أناساً تعرفهم، وسرعان ما تسمح لهذه الشخصيات بأن تبني لها مساكن دائمة في قلبك. وثمة روايات تأسرك، ولا تستطيع منها فكاكاً. روايات تقدّم لك معرفة جديدة، وتلخبط أفكارك القديمة عن الرواية وعن معنى الأدب.

وما هذه الكتابة هاهنا إلا محاولة فكاكٍ من أسر رواية "ألما" للكاتب الفرنسي "جان ماري غوستاف لوكليزيو" (Jean-Marie Gustave Le Clézio)، التي صدرت مؤخراً بترجمة متقنة لماري إلياس ومعن السهوي، عن داري سرد وممدوح عدوان للنشر والتوزيع.

لوكليزيو وجائزة نوبل في الآداب

حاز الكاتب الفرنسي جان ماري غوستاف لوكليزيو من أصل موريشيوسي جائزة نوبل في الآداب عام 2008، وقد جاء في أسباب منحه الجائزة أنه "كاتب الانطلاقات الجديدة والمغامرة الشعرية والنشوة الحسية، ومستكشفاً لإنسانية خارج الحضارة السائدة".

هذا بالضبط ما يميّز كتابة "لوكليزيو"، ويبدو شديد الوضوح في كتبه، إذ إنه يكتب بلغة شعرية فائقة العذوبة، عمّا يتعرّض للتهميش أو الإبادة في الحضارات الإنسانية، وتحديداً تلك الحضارات التي لا نعرف عنها كثيراً، إضافةً إلى أنه منفتحٌ على الثقافات المختلفة، وقادرٌ على التعبير عن الإنسان في كل زمان ومكان. ولا تبتعد رواية "ألما" عن هذه السمات.

ما يميّز رواية "ألما" للكاتب الفرنسي من أصل موريشيوسي لوكليزيو، التي صدرت مؤخراً مترجمة إلى العربية، هو أنه قادر على التعبير بلغة شعرية فائقة العذوبة، عن الإنسان في كل زمان ومكان، وعمّا يتعرّض للتهميش أو الإبادة في الحضارات الإنسانية

البحث عن آثار الأسلاف

تبدأ الرواية برغبة "جيريمي" بزيارة جزيرة "موريشيوس"، موطن أجداده. وعن هذا يقول: "لم أولد في هذا البلد ولم أترعرع فيه، لا أعرف عنه شيئاً تقريباً، لكنني مع ذلك أشعر بثقل تاريخه، بقوة حياته، نوعاً من العبء الذي أحمله على ظهري حيثما ذهبت. اسمي جيريمي فيلسن، وقد ابتدأت رحلتي حتى قبل أن أفكر فيها".

يتحدر "جيريمي" من عائلة "فيلسن" التي استوطنت الجزيرة في عام 1796، وقد وُلد أبوه فيها، لكنه في يفاعته قرر مغادرتها، ولم يعد إليها قط. وظلّ كل سنوات حياته وحتى موته محتفظاً بأسراره من دون أن يبوح بها لأحد. صمتُ الأب ورغبة الأم بمعرفة ما إن تبقّى أحد من عائلة "فيلسن" حثّا الابن على القيام بتلك الرحلة لمعرفة أصوله وهويته.

طائر الدودو

يعثر "جيريمي" ضمن أغراض والده على حصاة حوصلة طائر ضخم، هو طائر "الدودو" الذي كانت "موريشيوس" إحدى مواطنه الأصلية قبل أن ينقرض، فيكون اقتفاء آثار آخر طائر "دودو" عاش على الجزيرة واستكشاف حياة آخر فردٍ من هذه السلالة، هو الهدف المعلن لرحلته، غير أن البحث عن التاريخ الضائع لعائلته هو الهدف غير المعلن، الذي سيحقق له الاتزان في حياته. 

"لقد جئت إلى موريشيوس بحثاً عن شيء غير الطائر المنقرض. جئت كي أجمع القطع المبعثرة، ليس أملاً بفهم ما حصل، بل لأني إن لم أفعل فلن يكون هنالك لا سلام ولا صفاء، إنه أمرٌ يتعلق بالاتزان".

يتتبع "جيريمي" هناك الأماكن التي عاش فيها الطائر، يصف المكان الذي وُجد فيه عام 1865 الهيكل العظمي له، قبل أن ينتقل ليصبح معروضاً في أحد المتاحف، يعود بالزمن إلى ثلاثة قرون مضت ويصف كيف عاش هذا الطائر وكيف رآه المستكشفون، ويفصّل في الرحلة الكبيرة التي قام بها آخر طائر دودو عام 1629 على متن سفينة، ذاك الطائر الذي تحوّل جثةً في نهاية الرحلة، وكان موته هو نهاية وجودٍ ليس له فحسب، بل لفصيلته كلها.

"على الرغم من زيت التربنتين ومغاطس الخل، لن يستطيع محنِّط الحيوانات الحفاظ على الجثة بكل جمالها. لقد عبرت القرون كأجزاء حتى وصلت إلى المتحف. على الرغم من كل العناية، التحلّل ما زال مستمراً ويوماً ما ستأخذ إدارة المتحف القرار بحرق بقايا الطائر كي تستعجل اندثاره المحتوم".

دومينيك المشرّد الذي وُلد ليثير الضحك

ثمة شخصية أخرى تحمل اسم الطائر المنقرض في الرواية، إنه "دومينيك" الملقّب بـ"دودو"، وهو أيضاً يتحدر من عائلة "فيلسن". وللقبه هذا رمزية يكتشفها القارئ مع تقدّم السرد، وتتوازى في الرواية حكايته وحكاية "جيريمي"، لتصبحا حكايتين رئيستين تدور في فلكهما كل الحكايات الفرعية الأخرى.

يروي "دودو" وهو آخر أفراد عائلة "فيلسن" الذين يعيشون على الجزيرة قصة إصابته بمرض السيغما، وكيف انتقل إليه، فأصبح وجهه من دون أنف ولا جفون، وخدّاه مليئان بالأخاديد. يحكي عن أيامه التي تتكرر بشكل دائم. ويسرد جزءاً من تاريخ الجزيرة وتاريخ العائلة فيها.

يقوم "دودو" المشرد الذي وُلد ليثير الضحك كما يصف هو نفسه، برحلة معاكسة لرحلة "جيريمي"، فبينما يأتي الأول من مدينة "نيس" في فرنسا إلى الجزيرة، فإن الثاني يغادر إلى باريس بمساعدة من الكنيسة ليكون سفيراً للمشرّدين، غير أنه يفرّ إلى مدينة نيس، ويلتقي بأصدقاء آخرين: "بشير الجزائري"، و"الفتاة ذات الشعر الأزرق"، و"العجوز" الذي يؤمن من دون أن يسأله أنه واحدٌ من عائلة "فيلسن"، والملتحون الذي يعيشون في الكهوف.

يدرك "دومينيك" وهو المتحدر من الفرع الأدنى (الوضيع) من العائلة، أن كل الأمكنة تتشابه، وفي كل مكان ثمة من هم أدنى ومن هم أعلى.

"عندئذ، صار هنا وهناك الشيء نفسه. وهذا ما لم أكن أعرفه قبل أن أسافر وأصل إلى فرنسا. كان الناس يظنون أن المكان الآخر مختلف، ولكن المكان الآخر، أي هناك، هو ذاته هنا، هناك الكبار والصغار، هناك الناس المهمّون، وهنالك الآخرون الذين لا قيمة لهم، المنسيّون، المسحوقون".

في عام 1982، تنشر جريدة الموسيان آخر خبرٍ عن آخر سلالة الفيلسن. "دودو" ما زال مفقوداً، بعد أن اختفى في فرنسا. هذه القصاصة من الجريدة هي الشيء الوحيد الذي يتمكّن "جيريمي" من معرفته عن آخر أقاربه. ولكننا نحن –القرّاء- سنعرف أكثر إذا ما تابعنا مع ذلك المتشرّد الرائع إلى أن يعلن ختاماً: "اسمي هو لا أحد".

تاريخ العبودية

يستحضر الكاتب عن طريق بطل روايته تاريخ العبودية في الجزيرة، إذ يحاول "جيريمي" معرفة ذلك الماضي الأسود الذي هرب منه والده، فيسترجع عمليات الإنزال الأخيرة للعبيد بعد عام 1810، حين منع الإنكليز تجارة البشر وأغلقوا وكالات بيع العبيد، فلم يعد أمام التجّار من خيارات إلا تسليم العبيد بشكل سري في أماكن بعيدة، كانت الجزيرة أحدها. وفي أثناء بحثه فإنه يزور "برا دو" حيث كان سجن العبيد، ذلك الذي سيبقى وصمة عار في جبين الإنسانية، والمكان الأكثر ظلاماً في تاريخ البيض، السجن الذي كان يُسجن فيه السود لا لشيء سوى أنهم تكلّموا بصوتٍ عالٍ أو ناموا في الحقل أثناء الحصاد أو سرقوا حبة مانغا.

يستحضر لوكليزو عن طريق بطل روايته "جيريمي" تاريخ العبودية في جزيرة "موريشيوس"، ففي زيارته عرف المكان الأكثر ظلاماً في تاريخ البيض، السجن الذي كان يُسجن فيه السود لا لشيء سوى أنهم تكلّموا بصوتٍ عالٍ أو ناموا في الحقل أثناء الحصاد أو سرقوا حبة مانغا

"هي منافٍ حُفرت في الماضي حتى لا يفكّر أحدٌ بهم، قبل أن يُؤخذوا ويُشنقوا في سجن بور لويس، حفرٌ جعلت حتى لا يسمع عويل وصراخ النساء والأطفال، كي يجري دفنهم أحياء! (...) لقد دُمّرت كل سجون السود ولم يبقَ سوى برا دو، لقد نسوه في الغابة، إنه بابٌ يفتح على الجحيم".

يضفر "لوكليزيو" في ثنايا روايته قصصاً عدّة لشخصياتٍ عاشت في ذلك الماضي، هكذا نقرأ حكاية "توبسي" الطفل الذي كان يلعب على ضفة النهر في قريته البعيدة، لكن ثمة من خطفه وأودعه عبداً في الجزيرة، وحكاية "ماري مادلين ماهيه" التي ولدت من عبدةٍ، وهي ابنة غير شرعية لحاكم الجزيرة، وقد رفض الاعتراف بها، وحكاية "ساكلافو" العملاق الذي لا يكذب، الذي وُلد من رحم حرارة الشمس الحارقة في الحقول، والذي عاد حاملاً في داخله انتقام إخوته وأخواته، انتقام أرضه المنسية.

كل تلك الحكايات القاسية تجعل "جيريمي" يسأل نفسه إن كان حقاً يستطيع تجاوز هذا الإرث الثقيل، والماضي الأسود، ونسيانه.

"كيف يمكنني أن أشعر بنفسي غريباً، أنا الذي أنتمي إلى هذه العائلة، إلى هذا الإرث، إلى هذه الحكاية؟ هل يشكّل قرار والدي بالذهاب والابتعاد بكل بساطة عن كل هذا صكّ براءة؟ في هذه اللحظات تذكّرت ملاحظة زميل لي في الكليّة، كنت قد أسررت له في لحظة سذاجة بأصولي الإثنية، وعندئذ أشار لي بحركة رفض قائلاً: أنتم من قام باستعباد البشر!".

الأساطير والغرائبية

من أساطير الجزيرة وغرائبها، يروي "جيريمي" حضوره لطقس التواصل مع الأرواح في فصلٍ مثيرٍ للدهشة، ويروي في آخره قصة "المارون" سكان الجزيرة الأصليين، وكيف كانوا يعيشون قبل أن يأتي المستكشفون والطامعون

تتناسل حكايات "ألما" وتتداخل، غير أن "لوكليزيو" لا يكتب كل حكايات الرواية بأسلوبٍ واحد، ولا بصيغةٍ واحدة، ففي مقابل سرد "جيريمي" و"دومينيك" لحكايتيهما، يروي الكاتب قصة "توبسي" بلسان الطفل الذي كانه، فنقرأ ما حدث كما أدركه الطفل لا كما حصل فعلاً، وإن تشابه الاثنان إلا أن خيال الطفل هو الذي يرسم ما حدث، وأما "أشوك" فإنه يخبرنا منذ البداية "إليكم قصتي كما أرغب في أن أرويها"، وفي قصته كما يرويها ثمة غرائبية تتعلّق بموروثه الثقافي، فيحكي عن بحيرة للجنيّات، وعن أساطير ارتبطت بالجزيرة، وشكّلت جزءاً من تاريخها الشفاهي، كما تبدو الغرائبية والأسطرة واضحةً في قصة "ساكلافو" العملاق الذي يعود من خلال الريح والعواصف والحرائق لينتقم.

ومن أساطير الجزيرة وغرائبها أيضاً يروي "جيريمي" حضوره لطقس التواصل مع الأرواح في فصلٍ مثيرٍ للدهشة، ويروي في آخره قصة "المارون" سكان الجزيرة الأصليين، وكيف كانوا يعيشون قبل أن يأتي المستكشفون والطامعون.

"اسم مارون (بني اللون) يليق بهم، فلقد تماهوا مع الغابة. هم أناس كانوا في حالة هروب دائم من قطعان صيّادي الرجال. هم السكّان الأصليون الحقيقيون لهذه الجزيرة، مثلهم في ذلك مثل الدودو".

ألما التي صارت مايا

يحكي "جيريمي" مشاهداته في الجزيرة، وبين ما يراه الآن وما يسمعه عما كان من خلال الشخصيات التي يلتقيها وبالأخص "أميلين" التي يصفها بأنها "ذاكرة عالم اختفى"، ترتسم ملامح "ألما"، التي كانت أرضاً نقيةً تعيش طيورها وحيواناتها ونباتاتها في مأمن قبل مجيء المغامرين الجشعين إليها، أولئك الذين بدخولهم إليها دخل الشر إلى الجزيرة، وأيقن سكّانها أن مصيرهم الفناء، و"أن الجنّات ليست خالدة، وأن الشر يدخل إليها يوماً بهيئة مغامرين جشعين وجائعين، لن يبقوا أحداً منها".

"ألما"، كانت أرضاً نقيةً تعيش طيورها وحيواناتها ونباتاتها في مأمن قبل مجيء المغامرين الجشعين إليها، أولئك الذين بدخولهم إليها دخل الشر إلى الجزيرة، وأيقن سكّانها أن مصيرهم الفناء، و"أن الجنّات ليست خالدة، وأن الشر يدخل إليها يوماً بهيئة مغامرين جشعين وجائعين، لن يبقوا أحداً منها".

وهنا تبرز واحدة من خصائص كتابته التي ذكرناها بدايةً، في أنه يحكي عمّا يتعرّض للتهميش أو الإبادة في الحضارات الإنسانية.

يروي حكاية عملٍ مضنٍ، وظهورٍ محنية، ووجوهٍ أحرقتها الشمس، حكاية ناسٍ اقتُلعوا من أراضيهم وبيعوا ثم اقتيدوا إلى الجزيرة ليعملوا في حقول قصب السكر، في الأيام التي كان فيها معملٌ للسكر في الجزيرة، وبعد كل هذه التضحيات التي بُذلت، بيعت الأرض إلى تحالف مصارف، فطردَ آخر سكّانها، وجاء ببلدوزرات ضخمة اقتلعت القصب من جذوره ونصبت فوق الأرض أكبر مركز تجاري في الجزيرة، مغيّراً طبيعة "ألما" وحياتها لتصبح "مايا لاند" أرض الوهم.

"ترقص مايا الآن فوق الحقول كعملاقة ترتدي ثياب حفلة راقصة، كطائر أبو منجل فاتحاً جناحيه، كسرابٍ مغلّف بالبلاستيك، يتحوّل لونها في المساء إلى الأبيض والوردي، ليس لأنها تعكس ضوء الغسق، بل لوجود آلاف العلامات التجارية المضيئة التي تشتعل وتومض وتترنّح وتنفجر بأسماء مجنونة، مبهرة وعديمة الفائدة".

الطبيعة ومدّ الحداثة

علاقة "لوكليزيو" بالطبيعة علاقةٌ خاصة، لا تحتاج إلى البحث لتعرف ذلك، فكتبه كفيلةٌ بإخبارك. يكتب "لوكليزيو" في هذه الرواية وفي غيرها عن الطبيعة بصورتها البكر، ويبحث في التشوّهات التي تركها البشر عليها. غير أن هذا في حدّ ذاته ليس ما يميّزه، فكثيرٌ من الكتّاب يكتبون عن الطبيعة وعناصرها، لكن ما يجعل من "لوكليزيو" متفرّداً هو في قدرته الفذة على تحويل عناصر الطبيعة كلها إلى شيء حسيّ في كتابته، فتقرأ عن النهر والجبل والسهل والشجر كما لم تقرأ من قبل. ليس إحساسه بالطبيعة فحسب ما يمكن الحديث عنه، بل قدرته على التعبير عن هذا الإحساس من دون مباشرة، بل تشعر وكأن كل هذه العناصر هي جزءٌ أصيل من الحياة، ومن الرواية، مثلها كمثل شخصيات الرواية من البشر.  

ومن الشخصيات الجميلة في الرواية التي تعبّر عن الطبيعة وجمالها شخصية "أديتي"، التي يمكن وصفها بامرأة الغابة، فهي تعرف كل شجرة، وكل شجيرة، وكل نبتة متعرّشة. تعرف أوراقها وأزهارها وثمارها، وروائحها ومذاقاتها، وكل الحكايات التي تدور حولها، والأرواح التي تسكنها من طيور وحيوانات وزواحف. ولعلّ من أجمل مشاهد الرواية هو ذلك المشهد الذي تلد فيه "إديتي" في عمق الغابة، بينما ضياء الفجر يحوّل الليل نهاراً...

"لا شيء سوى هذا الضياء من عالم آخر وذاكرته، العالم الذي أتت منه وعنف الرجل الذي رماها أرضاً في حقول القصب وزرع فيها بذرته. لا شيء آخر: الواقع موجود هنا وهو رائحة المياه وصوت الشلال كما لو كانت بداية العالم، أو ربما نهايته، عندما يخمد الحريق. تخرج الكلمات من بين فكّيها المشدودين مع تنفّسها: فلتعُد هذه الحياة إلى الروح الخالدة وليستحِل هذا الجسد إلى رماد. أنجبت إديتي طفلتها قبل شروق الشمس. (...) هي جزء من الأرض وقطعة من الغابة. تراقص الناموس حولهما، إديتي وديتي، طارت اليعاسيب من بين الحجارة المغمورة جزئياً بالمياه، وحلّقت فوقهن. شكّلت أصوات العالم مظلّة مقدسة فوقهما".

في مقابل هذه الصور البديعة التي يرسمها "لوكليزيو" عن الطبيعة، يكتب عن الإنسان وفظاعاته التي يرتكبها باسم الحداثة، عن استغلاله للموارد، واجتثاثه للنبات، وتدميره للحياة البريّة، التي أدّت في النهاية إلى انقراض طير "الدودو". يرى الكاتب أن مدّ الحداثة التي نحياها يجعل من حياتنا حياة مزيّفة، ويحجب عنا ماضينا وحقيقتنا، فيقول في أحد الفصول وهو يصف الجبال: "تشكّل سلسلة الجبال العالية جيشاً صارماً يحرس الصمت، كحصن أخير أمام مدّ الحداثة التي تغسل الأدمغة وتحجب الماضي".

الآخر في كتابة "لوكليزيو"

يصوّر "جيريمي" واحدة من الجرائم التي ما زالت تجري في العصر الحديث، فمن ضمن الشخصيات التي يتعرّف إليها في رحلته إلى الجزيرة "كريستال" الفتاة الصغيرة التي تُستغل في ما يعرف باسم "السياحة الجنسية"، إذ يأتي رجالٌ إلى الجزيرة بغرض الاستمتاع بأجساد فتياتٍ صغيراتٍ في السن، من دون أن يخشوا تهمة التحرّش بالقاصرات. بل على العكس من ذلك، فإن "كريستال" ستُسجن بتهمة استغلال أحد السياح مادياً.

قصة هذه الفتاة هي واحدةٌ من قصص كثيرة تشبهها، وهي قصة عنفٍ يطول الإنسان، وهذا ما يقودنا إلى نقطة جديدة لا يجب إغفالها عند الحديث عن "لوكليزيو"؛ إنه كاتبٌ لا يمكنك عند قراءته إلا الشعور بانفتاحه التام على الثقافات جميعها، وبأنه قادرٌ على النفاذ والإحساس بالإنسان أياً كان، وهو كاتبٌ واسع المعرفة بما يخص معتقدات البشر، وانتماءاتهم وخلفياتهم، ففي روايته هذه مثلاً يحكي عن شخصيات تنتمي إلى ثقافات مختلفة منها الهندوسية مثل شخصية "أشوك"، ومنها ثقافات سكّان الجزيرة الأصليون، ومنها ثقافة البيض الذين استوطنوا "موريشيوس"، ومنها ثقافة العرب "شخصية بشير الجزائري"، ومنها ثقافة الشعوب التي لا تعيش في المدن مثل سكّان الكهوف "الملتحون" الذين يقابلهم "دودو" في أثناء فراره من باريس، وغيرها... وهو أيضاً يكتب عن شخصيات مختلفة، منها المومس، والمتديّن، والغنيّ، والفقير، والمتمدن، والذي يعيش في الطبيعة...

يعلي "لوكليزيو" من قيمة الاختلاف ويؤمن بالآخر، من دون أن يقول ذلك مباشرةً لمرة واحدة، وهو وينثر هنا وهناك لسعاتٍ متهكّمة عن رفض الآخر، ومن تلك اللسعات التي تبقى في الذاكرة ما يقوله "دودو" في أحد مشاهد الرواية وهو يتذكّر حديث الكاهن عن أننا "كلنا إخوة": "اتجه نحونا شابٌّ ملتحٍ وقال: أهلاً وسهلاً بكم في السفينة الضخمة، اسمي جوناس. قبّل بشير، وقبّل الفتاة ذات الشعر الأزرق ورأيت أنه ابتسم لها. لكنه لم يقبّلني أنا، بسبب وجهي. ربما كان يتهيأ له هو أيضاً أننا كلنا إخوة وأخوات".

وإذا ما تتبعنا سيرة حياة الكاتب لتبيّنا سبب كل هذه المعرفة بالآخر، فهو ولد في فرنسا لأب من جزيرة موريشيوس التي كانت في ذلك الوقت ملكية بريطانية، وقد عاش جزءاً من طفولته في نيجيريا وكتب عن ذلك في إحدى رواياته (أونيتشا)، كما أنه درس في إنجلترا لفترة، وعمل مدرّساً في الولايات المتحدة، وقد أُرسل في أثناء تأديته للخدمة الإلزامية ليدرّس في تايلاند لكنه طرد منها بعدما احتجّ على بغاء الأطفال هناك، فأُرسل إلى المكسيك وعاش فيها فترة وتأثّر كثيراً بالحضارات القديمة التي كانت في تلك المنطقة، وكتب عنها بعض كتبه مثل "الحلم المكسيكي أو الفكر المنقطع" و"ثلاث مدن مقدسة"، كما أنه متزوّج بامرأة مغربية، ودرّس في كثير من جامعات العالم، منها في كوريا الجنوبية وفي الصين وفي غيرها... هذا التنوّع جعل من "لوكليزيو" كاتباً مختلفاً، وقادراً على أن يقدّم لقارئه ثراءً معرفياً واسعاً.

ما يشبه جمع شتات وختام

ربما تبدو الفقرات أعلاه وكأنها مواضيع منفصلة لا رابط بينها غير أن جزءاً من إبداع "لوكليزيو" يتجلى في قدرته على ربطها كلها ببعضها البعض، حتى لتغدو نسيجاً واحداً متشابكاً لا يمكن سحب خيطٍ منه دون أن يتفلّت النسيج كله، والأهم من هذا في رأيي أنه حاول خلق عالمٍ متكاملٍ، فحكى عن جزيرة "موريشيوس" بكلّ ما فيها، عن أنهارها وجبالها وسهولها وأشجارها ونباتاتها، وسكّانها من بشرٍ وحيوانات وطيور، عن ذكرياتها وتحوّلاتها بين الماضي والحاضر، عن أسرارها وفضائحها، عن صدقها وكذبها... فنشعر ونحن نقرأ الرواية وكأننا نعيش فعلاً في هذا العالم الذي خلقه من كلماتٍ فحسب.

وقد استطاع في "ألما" بناء رواية كبيرة بشخصيات تبقى في الذاكرة، روايةً تشبه العالم، وتضجّ بكل ما فيه، كما أنها تقدّم لقارئها معارف وافرة، وتستطيع أن تفتح عينيه على طروحات جديدة ومختلفة، بلغةٍ شعرية فائقة العذوبة، وأجواء ساحرة تحتفي بالطبيعة بشكل حسيّ لا يشبه سواه، وتبيّن انسحاق الإنسان تحت وطأة الحداثة والأسمنت. والرواية –مثل كثيرٍ من كتبه الأخرى- تستكشف إنسانيةً (وتقدّم صورةً ثريةً عنها) موجودةً خارج الحضارات التي نعرفها ونسمع عنها كثيراً.

وختاماً، فإنني حين أنهيت الرواية تذكّرت ما قاله الشاعر الإسباني "فيديريكو غارثيا لوركا" في أحد كتبه: "أريد أن أترك في هذا الكتاب قلبي كلّه"، وأعتقد أن هذا ما أراده كاتب "ألما" أيضاً: أن يكتبَ روايةً عن موطنه الأصلي، روايةً تكون أنشودةً في محبة المكان وناسه، وأراد أن يترك فيها قلبه كله... وقد فعل!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard