لماذا نُفضّل "الدحيح" عن مدارسنا؟

الأربعاء 17 يونيو 202012:57 م

منذ ثلاثة عشر عاماً تقريباً، اخترت أن أدرس مادة التاريخ في الصف الثاني الثانوي، على عكس جميع أقراني الذين رغبوا بتأجيلها إلى العام التالي، كيلا يضطروا لدراستها بجانب مواد علمية ثقيلة أخرى، فالنظام حينها كان يُحتم على هؤلاء الذين تخصصوا بالقسم الأدبي دراسة مادة علمية واحدة في الصف الثاني الثانوي، وهكذا أصبحت برفقة زميل واحد فقط نشكّل فصل التاريخ في كل المدرسة، حتى أننا كنا نقضي حصتنا في طرقات الفصول على مقعدين متهالكين وجدناهما بصعوبة بالغة.

بعد ذلك التاريخ بأعوام ورغم عشقي لقراءة التاريخ، وجدت أنني قد نسيت كل الأحداث التي ملأت سهراتي الدراسية لعام كامل، ربما أتذكر بعض التواريخ ولكن ليست القصة نفسها، أحفظ حتى الآن أن أسباب سقوط الدولة -أي دولة- تكمن في زيادة الضرائب وجشع التجار، ولكن من هم التجار ولم زادت الضرائب؟ لا أتذكر، ومن المُرجح أن ذلك لم يُذكر أصلاً... فالمهم هو التواريخ فقط، حفظتها فحققت نتيجة مُرضية، ثم نسيتها لأنني لم أستخدمها قط مجدداً.


والآن بعد كل تلك السنوات وجدتني أستعيد هذا الشغف بسماع القصص والروايات، والحكواتي هنا ليس معلماً يمتلك رخصة التدريس، وإنما شاب أصغر مني سناً، لا يمتلك مدرسته الخاصة، ولكن فقط غرفة، حفظ متابعوه أركانها عن طيب خاطر، لم يلوح في وجهي بعصا بل استبدلها بقطعة خيار أو تفاح، وتنتابه العصبية فقط عندما يحثني على مراجعة المصادر التي قام بتجميعها من أجلي... إنه الدحيح.

أحمد الغندور (الدحيح) فاجأني مجدداً عندما بدأ بشرح بعض الأفكار في الفيزياء والكيمياء والأحياء، ولمن لا يعرف فتلك الكلمات الثلاث كافية لإثارة الرعب في قلوب طلاب القسم الأدبي، لقد اخترنا الأدبي غالباً ليس حباً في فصوله ولكن هرباً من فصول القسم العلمي، ومع ذلك جلست أشاهد الدروس السريعة أو ما يسمى بـ"البوب ساينس"، دون أي رغبة في الهرب أو التملص، ومرة أخرى، بدون عصا.

الحكواتي هنا ليس معلماً يمتلك رخصة التدريس، ولا يمتلك مدرسته الخاصة، ولكن فقط غرفة، حفظ متابعوه أركانها عن طيب خاطر، لم يلوح في وجهي بعصا بل استبدلها بقطعة خيار أو تفاح، وتنتابه العصبية فقط عندما يحثني على مراجعة المصادر التي قام بتجميعها من أجلي... إنه الدحيح

نهرب من معلم/ة الفيزياء

يُمكنك تخيل طالب ما يهرب من فوق أسوار مدرسته مخلفاً وراءه حصة الفيزياء، ثم يذهب لقضاء بعض الوقت في مقهى يتوفر فيه الواي فاي ليُشاهد حلقة الدحيح الجديدة، والتي تحكي عن أحد ألوان الفيزياء... لم الهرب إذن؟ الإجابة: لأنه لم يكن يهرب من الفيزياء بل من معلم/ة الفيزياء.

في الواقع يسعني القول بأن الدحيح أثبت كذب مقولة "الجمهور عايز كدة"، والتي يستعين بها من يقدمون محتوى فارغ من أي قيمة، فها هو الجمهور يتابع العلوم بشغف واستمرار، يتناقش فيها ويبحث عنها دون ترهيب من أحد، نفس الطالب الذي يحتفل لغياب المعلم/ة يحزن إن طال غياب الدحيح، أو توقف برنامجه، مثلما حدث منذ أيام وسبب موجة من المشاعر السلبية في انتظار العودة الحميدة... كيف فعلها الغندور؟

بداية، يجب ألا نتحامل على المعلم ذاته، فالإمكانيات ليست واحدة والمقابل ليس ذاته، وهناك أيضاً الالتزام بخط سير المناهج، خشية المفتش الذي لن يهتم كثيراً باستمتاع واستيعاب الطلاب بقدر اهتمامه بتنفيذ خطة الوزارة، أما الوزارة، وزارة التربية والتعليم، فهي التي لا بد أن توضع في مقارنة مع الدحيح، نعم وزارة كاملة على كفة ميزان يقبع في كفته الأخرى أحمد الغندور.


طريقة العرض التي اتبعها الدحيح جعلت من مادته مثار طلب لا نفور، ناهيك عن اختياره لموضوعاته المطروحة، حتى وإن قرر الغندور إطالة مدة حلقاته لتُصبح 40 دقيقة إسوة بحصة المدرسة، فسيظل هو الاختيار الأفضل للطلبة، استخدام أدواتهم في المؤثرات المرئية كالصور والمشاهد التمثيلية التي يستهل بها حلقاته، تجعل الأمر كفيلم ممتع يتم عرضه ويسهل تذكره وفهمه، وكذلك استخدام لغتهم قرّب الأطراف من بعضها، ولا نقصد هنا بأن يخاطب المعلم تلميذه قائلًا: "إيه يا شبح"، فالدحيح لا يفعل ذلك، لكن المقصود هو الحديث كصديق يعي تماماً مراحل العمر المختلفة، يضع نفسه في منزلة متابعيه ويطرح أسئلة تجول في خاطرهم ويُجيب عنها بعزيزي المشاهد، وربما هذا هو الفارق الكبير الآخر الذي يجعل من الدحيح مدرسة مرغوباً فيها، ففي مدارسنا تعلمنا أن السؤال يعني اختباراً قد يؤول بك إلى العقاب لا الفهم.

مجاراة الأحداث هي الأخرى نقطة تُحسب لكفة الدحيح، بل أن متابعيه ينتظرون تعليقه على ما يجري في العالم من أمور هامة، حرب أو وباء أو قضية رأي عام، يُمكنك الاعتماد على الغندور في تتبع مصدرها والبحث عن أصولها، ومن ثم الوصول لطريقة عرض مناسبة تجعلها مفهومة ومُلخَصة في 15 دقيقة أو أقل، وفي نفس الوقت ستجد فصولنا المدرسية تشغل بالها بزمن آخر دون الوضع في الاعتبار أن الطالب إنسان يشغله ما يشغل باقي الناس، فكيف لمصدر معلوماته الأساسي أن يتجاهل الأحداث الجارية الهامة، في سبيل السير على خارطة طريق وزارة التربية والتعليم دون انعطافات أو توقفات؟

 إن الدحيح أثبت كذب مقولة "الجمهور عايز كدة"، والتي يستعين بها من يقدمون محتوى فارغ من أي قيمة، فها هو الجمهور يتابع العلوم بشغف واستمرار، يتناقش فيها ويبحث عنها دون ترهيب من أحد، نفس الطالب الذي يحتفل لغياب المعلم/ة يحزن إن طال غياب الدحيح، أو توقف برنامجه

هل استوعبت مدارسنا الدرس؟

تحدثت أعلاه عن الإمكانيات المتوفرة للمعلمين، والتي ستخسر بفارق كبير إذا ما تمت مقارنتها بإمكانيات الدحيح، لذا فالخطوات الأولى لجعل التعليم أكثر متعة هي توفير بعض تلك الإمكانيات، من تأثيرات مرئية وتحديث في المناهج وتوفير احتياجات المُعلم ذاته حتى يستطيع القيام بدوره، وهذا يكون برفع مستوى معيشته، وفي نفس الوقت ضمّ المعلم إلى دورات تهدف لتغيير طرق طرح المواد غير المرنة، والتي تضع بين المعلم والطالب حائط سد رسمت عليه عقارب ساعة، يتابعها الطلاب حتى تمضي ويذهبون في طريقهم أخيراً.

ومن المنطقي القول بأنه لكي يستمتع الطالب باستذكار مواده الدراسية، فعلى المعلم أن يستمتع هو الآخر بتدريسها، ولا شك أن الدحيح قد حمل المتعة بجانب المعلومة لنفسه ولمتابعيه، وإذا قررت الوزارات المختصة مراجعة حلقات الدحيح للخروج منها بعبرة ما، فربما تعلم أن "التعليم أون لاين" مؤخراً والذي اعتُبر محنة، ما هو إلا أسلوب ناجح آخر ينتظر استخدامه بالطريقة الصحيحة، طريقة وزارة الدحيح للمتعة والتعليم.


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard