رحل التمثال... هل رحل كابوس الديكتاتور؟

الثلاثاء 9 يونيو 202004:10 م

"هل نسينا ما فعلت النازية بعد تحطيم تماثيلها؟" تأتي تغريدة دكتور الأدب العربي في جامعة جورجتاون، في واشنطن، إليوت كولا رداً على منتقدي موجة تحطيم النصب التذكارية للرموز القمعية والعنصرية في العالم، كالذي حدث أول أمس حين استخدم مجموعة من المتظاهرين في بريستول، جنوب غرب إنجلترا، الحبال لهدم نصب إدوارد كولستون، وهو تاجر محلي من أواخر القرن السابع عشر، كون الجزء الأكبر من ثروته من تجارة العبيد. ويبدو أن التمثال الذي بقي في بريستول منذ عام 1895، أصبح وجوده مزعجاً في المدينة المتعددة الثقافات. حدث هذا وسط هتاف الحشود التي دفعت التمثال إلى ميناء بريستول ورمته في الماء.

ولعل هذا المشهد يحملنا إلى الماضي القريب حين ضرب كاظم الجبوري تمثال صدام حسين، رمز لعبودية من نوع آخر، في وسط مدينة بغداد بمطرقته في أبريل 2003، ليصبح وجهه آنذاك رمزاً لأمل وانتصار عظيمين للعراقيين الذين هللوا حوله. فما الذي يولد هذه الكراهية نحو مجرد تمثال؟ وهل حين يُقتل التمثال تموت فكرة صاحبه وتاريخه؟ ماذا عن النصب والصور تلك التي أزيلت منها وتلك التي لا تزال تقبع في شوارع العواصم العربية؟

رحل التمثال، هل رحلت الأنظمة؟

حكمت الأنظمة الديكتاتورية والعسكرية المنطقة العربية لعدة عقود، وقد عمد زعماؤها إلى نشر نصب تذكارية وصور شخصية لهم في كل أنحاء البلاد. ويبدو أن دور هذه النصب هو تكريس مفهوم "بطولة الزعيم" وتفوقه في أذهان العامة. ولهذا ربما بدأت المنطقة العربية تشهد تزايداً في تحطيم النصب وتمزيق الصور في الشوارع والساحات العامة بعد سنوات في الربيع العربي لإبطال هذه المفاهيم، والتي لم تبشر بتغيير سلمي في معظم حالاتها. ففي يناير من عام 2011، مزق المتظاهرون صورة للرئيس المصري، آنذاك، حسني مبارك في شمال مدينة الإسكندرية حيث هزت الثورات البلاد. وبعد أسابيع، استقال مبارك ليسلم الراية لديكتاتور آخر.

لتشهد ليبيا بعدها بأشهر في أغسطس 2011، حادثة مماثلة حين اجتاح متظاهرون ليبيون مجمع معمر القذافي في طرابلس، وقاموا بتفكيك رأس تمثال يشبهه، وإسقاط تمثال بارز لقبضة ذهبية تحطم طائرة مقاتلة. وقتل القذافي بعد شهرين، لتغرق ليبيا بعدها في مستنقع من الصراعات والفوضى السياسية. وفي عام 2013 قام المتظاهرون السوريون في مدينة الرقة بهدم تمثال الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، والد الرئيس السوري الحالي بشار الأسد، في مدينة الرقة في عام 2013. لكن مقاتلي الدولة الإسلامية سرعان ما سيطروا على تلك المدينة، وبقي الرئيس الأسد في منصبه. فهل قاد تحطيم أصنام الزعماء إلى تحطيم الأنظمة نفسها؟

تعمد الأنظمة العسكرية إلى تكريس مفهوم "الزعيم البطل" في أذهان شعوبها من خلال النصب التذكارية للزعماء.

هل ننسى؟

بقيت لسنوات تماثيل الجنرال الإسباني السابق فرانسيسكو فرانكو تشهد على الأزمة الإسبانية التي لم تندمل، و على الرغم من الإطاحة بآخر تماثيله حين قام العمال بإزالة آخر نصب تذكاري عام له في البر الرئيسي من ساحة في مدينة سانتاندر الساحلية الشمالية بعد أن أشرف هذا التمثال البرونزي الضخم الجالس على حصان على الازدحامات المرورية حول بلازا ديل أيونتامينتو في المدينة لمدة 44 عامًا،  لا تزال ذكرى الانقسامات حية في ذاكرة الشعب الإسباني وحاضره. واليوم، يدور جدل عالمي حول  إذا ما كانت إزالة النصب التذكارية لشخصيات من التاريخ يطمس معالم هذا التاريخ ويلغي آثاره الأليمة. ومن هذا المنطلق صرح الرئيس ترامب في تغريدة له أنه "من المحزن رؤية تاريخ وثقافة بلادنا العظيمة ممزقة مع إزالة تماثيلنا وآثارنا الجميلة" وأضاف أنه يعتبر ذلك إزالة للتاريخ.

لم تشيد الآثار الكونفدرالية كنصب تذكارية ولكن كوسيلة لتخويف الأمريكيين من أصل أفريقي وإعادة تأكيد تفوق العرق الأبيض.

وقد أصدرت العديد من الولايات في أمريكا قوانين لمنع أو حظر عمليات إزالة النصب التذكارية الكونفدرالية التي شهدتها خلال عدة حوادث على اعتبار أنها "تمحو تاريخ الأمة". ففي أعقاب إطلاق النار على كنيسة تشارلستون في يونيو 2015، أزالت العديد من البلديات في الولايات المتحدة الآثار والنصب التذكارية الموجودة ضمن الممتلكات العامة المخصصة للولايات الكونفدرالية الأمريكية. وتسارع الزخم في أغسطس 2017 بعد تجمع في شارلوتسفيل، فيرجينيا.

وكانت عمليات الإزالة مدفوعة بالاعتقاد بأن الآثار تمجد السيادة البيضاء وتمثل حكومة خيانة كان مبدؤها الأساسي هو استمرار الرق وتوسعه. ولعل السبب في هذا الاعتقاد يعود إلى أن الغالبية العظمى من هذه الآثار الكونفدرالية تم بناؤها خلال عصر قوانين جيم كرو (1877-1964) ليس كنصب تذكارية ولكن كوسيلة لتخويف الأمريكيين من أصل أفريقي وإعادة تأكيد تفوق العرق الأبيض. وفي المقابل، على عكس موجة الانتقادات لعمليات إزال التماثيل، تعتقد الجمعية الأمريكية التاريخية، كما صرحت في بيان صدر في أغسطس 2017 بشأن الجدل حول عدم إزالة هذه النصب لكونها آثار: إن إزالة أحد المعالم الأثرية "ليس محو التاريخ، بل تغيير أو لفت الانتباه إلى تغيير لمجرى هذا التاريخ".

ماذا حدث بعد الإطاحة بتمثال الديكتاتور؟

اشترى تاجر تحف ألماني قطعة عمرها 14 ليعتبرها القطعة الأهم في مجموعته التي تعود إلى العصر الحجري الحديث، ذلك أنها "الساق اليسرى لتمثال الديكتاتور العراقي المخلوع صدام حسين". ففي يوم سقوط التمثال البرونزي هرع الكثيرون إلى تفكيكه للاستفادة من قيمته المادية. حيث شوهد رجل يربط رأس صدام بعربة ويدفعها بعيدًا. وفي عام 2011، بعد أن عاد جندي بريطاني إلى منزله مصطحباً ما قال إنه جزء من أرداف صدام، حاول، دون جدوى، بيعه بمائتي وخمسين ألف جنيه إسترليني. وأثناء البحث في كتاب عن تماثيل صدام، تلقى الكاتب فلوريان جوتك بريدًا إلكترونيًا من أحد أفراد مشاة البحرية الأمريكية قال إنه وصديقان قد فروا بأحد يدي صدام عام 2010 ولكنهم فقدوها لاحقاً في البريد.

الساق اليسرى لتمثال صدام حسين، رأسه، جزء من أردافه وإحدى يديه ربما تكون في عهدة جامعي التحف اليوم.

في ليبيا، تم نقل القبضة الذهبية التي كانت ذات يوم في مجمع السيد القذافي في طرابلس إلى متحف في مصراتة.

في فنزويلا، تم استبدال تمثال كريستوفر كولومبوس المخلوع في كاراكاس بتمثال زعيم السكان الأصليين لأمريكا الشمالية الذي قاوم الفاتحين الإسبان. وفي أوكرانيا، نالت الآلاف من تماثيل لينين التي تمت إزالتها في السنوات الأخيرة كل أنواع المصائر. تم إعادة طلاء بعضها، وتم تحطيم البعض الآخر إلى قطع، وبعضها الآخر تم تخزينه في الطوابق السفلية من المتاحف.

هل يتم صنع أو إنهاء الإرث التاريخي والفكري من خلال تدمير رموزه؟

حتى وسط حالات الإزالة العالمية لرموز ديكتاتورية وعنصرية وبعد انهيار "مفهوم الزعيم البطل" في العديد من بلدان المنطقة العربية بعد حراك الربيع العربي، لا تزال اليوم كثير من المدن العربية تحتفي بزعمائها بالنصب التذكارية والصور، فليس صعباً على زائر في زيارته الأولى لمدينة بيروت أن يعرف اسم الشارع من صورة الزعيم الشعبي التي تتصدره. وقد يسهل على زائر مدينة سورية أن يعرف من "الحذاء العسكري" الذي يتوسط دوار مدخلها أن اليوم لم يختلف كثيراً عن الأمس. وربما يقبع إدوارد كولستون آخر خلف مكتب ما ومن خلف شاشة حاسوبه يتابع جمع ثروته من تجارة العبيد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard