"هل كنا بتلك السذاجة والبراءة فعلاً؟"... نوستالجيا جيل الثمانينيات في تونس

الاثنين 3 فبراير 202003:56 م

"YA GDIM!! 90s-80s" مجموعة فيسبوكية تم إنشاؤها في تونس منذ 2011، ولسنوات لم ينخرط فيها أكثر من ألف مشترك، لكنها تحولت في الأسبوعين الأخيرين إلى حديث التونسيين، وملتقى أبناء الثمانينيات والتسعينيات، حتى أنها استقطبت في زمن قياسي أكثر من 400 ألف مشترك.

تحولت المجموعة سريعاً إلى ملتقى لتشكيلة اجتماعية من فنانين وصحفيين ومحامين، وحتى سياسيين وعاطلين عن العمل، يتقاسمون ذكريات طفولتهم ومراهقتهم عبر منشورات تستعيد مواقف طريفة، يتشاركها أبناء الجيل الواحد.

ما طرح تساؤلات تخص حالة الحنين التي انتابت فجأة أبناء هذا الجيل بهذا الزخم؟

"الفشل والصدمة هي السبب"

يتذكَّر عادل، مدرس لغة إنجليزية من جيل الثمانينيات، بداية إنشاء الغروب، يقول لرصيف22: "في الحقيقة جروب 'يا قديم' هو بدوره قديم نوعاً ما، لأن تاريخه يعود إلى سنة 2011، لكنه كان مقتصراً على عدد قليل من الأصدقاء لأكثر من تسع سنوات".

وأرجع عادل الانتشار السريع إلى إعلان وزارة الصحة أنه سيتم إعادة تلقيح الفئة المولودة بين 1985 و1995، "حيث بدأ الجيل يلتفت ويشتاق الى تفاصيل شبه منسية، ومقدمة على التلاشي من تلك الحقبة".

"أظنّ أنّ من أسباب نجاح هذا الجروب"، يضيف عادل، "هو فشل البعض في تقبل الواقع اليومي، وصدمة البعض الآخر من المسؤوليات التي أثقلت كاهله، وهو ما يجعل خياله مدمناً على النظر إلى الوراء، ومفرطاً في تحويل الحاضر الى ماضي".

ويطلق عادل على هذا الاهتمام المفرط بالماضي الذي اجتاح جيل الثمانينيات صفة "الوباء الاجتماعي".

ومازالت المجموعة على فيس بوك تشهد إقبالاً لافتاً، بعد أن أثارت حفيظة الإعلاميين في تونس، وروجوا لها إذاعياً وعلى المواقع الإلكترونية.

واشترط مؤسِّسو غروب "يا قديم" أن يكون طالبو الانضمام إليه من مواليد الفترة المتراوحة بين 1980 و1990، ليتمكَّنوا من نشر صور أو فيديوهات تتعلَّق بذكرياتهم في الطفولة والمراهقة، ومقتطفات من برامج تلفزيونية كانت ناجحة في تلك الفترة، وكان لها تأثيرها عليهم.

"تعيد الأمل لي ولأبناء جيلي"

ريم، تعمل في تربية الأطفال، أعربت عن إعجابها بفكرة "ya gdim" التي جعلتها تسترجع الكثير من الذكريات البعيدة، راجية أن تستمرَّ المجموعة وألَّا تخرج عن السِّياق الذي أُنشِئت من أجله.

تقول ريم لرصيف22: "إن الجروب أعاد لي الكثير من تفاصيل طفولتي، فكلّ كلمة تقال داخل هذا الفضاء تعيدني مباشرة إلى زاوية من زوايا بيت عائلتي، والحي الذي نشأت فيه بمدينتي، واضطررت لتركه بسبب الدراسة والعمل".

وشعرَت ريم بسعادة بالغة في مشاركتها أعضاء الغروب، أشياء متعلقة بالذكريات، تقول: "مع كلّ إطلالة على المجموعة تتسارع وتيرة أحداث الماضي في ذهني، أحداث كان أبطالها أبي، وأمّي، وإخوتي، أصدقائي، ورفاقي، لهذا كانت سعادتي كبيرة جداً بهذا التجمع الكبير".

وإن لم تساعد المجموعة ريم على استعادة أصدقائها القدامى الذين مضوا في دروب مختلفة، لكنَّها أعادتهم إلى مخيلتها، شريط الذكريات الطويل معهم في زقاق الحي في المدرسة والمعهد الثانوي، والمغامرات الطريفة، الأمر الذي جعل المجموعة في نظرها تبدو بمثابة الملجأ الذي تهرب إليه، كما البقية، من ضغوط، ومخاوف الواقع الراهن، ودفعها أكثر إلى الاندماج مع ما ينشر من طرائف، ومواقف تبعث في مجملها على البهجة، وتُعيد الأمل لدى أبناء هذا الجيل بأنَّ هناك أشياء جميلة بعد.

"فشل بعض شباب جيل الثمانينيات في تقبُّل الواقع اليومي، وصدمة البعض الآخر من المسؤوليات التي أثقلت كاهله، جعل خياله مدمناً على النظر إلى الوراء، ومفرطاً في تحويل الحاضر إلى ماضي"

فردوس الزرقاتي، صحفية تنتمي لجيل الثمانينيات، لم تتردَّد في الاندماج مع غروب "يا قديم" بحثاً عن ذكريات، ربما لم يجل ببالها يوماً أنها ستسترجعها بهذه الطريقة، ومع هذا العدد من أبناء جيلها.

تقول فردوس لرصيف22: "في الحقيقة أضافتني صديقتي إلى الجروب، ومباشرة سارعت بقراءة المنشورات المحملة جميعها بذكريات جميلة، جعلتني أسافر عبر الزمن بكل شوق، وحب، وحنين إلى لحظات لا تُحصى من حياتي، لا سيما طفولتي".

"وربما لأنني من النوع الذي لم يتسنَّ له نسيان تفاصيل هذه المرحلة من عمري، وجدتني أعيش مع كل منشور الذكرى من جديد بفرح، وأحياناً بحزن على بعض الأشياء القاسية التي مررت بها، وطُبعت في ذاكرتي".

وأعادت الأغاني القديمة فردوس إلى الماضي، الذي بدا مضحكا، ودفعها للتساؤل: "هل كنا بتلك السذاجة أو البراءة فعلاً؟ ما الذي تغير فينا لنكون ما نحن عليه الآن؟ أين تركنا راحتنا وطمأنينتنا التي بتنا نفتش عنها في هذا العمر بين سجل ذكرياتنا؟"

"أطفالي ألهموني"

حسان بالخيرية، شاب تونسي مقيم في كندا، ومؤسس "ya gdim" منذ سنة 2011، استوحى الفكرة من عيون أطفاله الذين أعادوه إلى صباه، الحنين بدأ يكبر، فرأى أن يشارك فيه الآباء في جيله ولو عبر موقع افتراضي.

يقول بالخيرية لرصيف22: "خامرتني فكرة إنشاء الجروب سنة 2011، كنت آنذاك في تونس ولم أهاجر بعد، بمجرد أن أصبح لدي عائلة صغيرة شعرت فجأة بثقل المسؤولية التي تحملتها في صغري، وشيئاً فشيئاً بت أرى في عيون أطفالي طفولتي، مع كل مرحلة من مراحل نموهم، هذا المشهد أعادني مراراً لطفولتي، وأثار حنيني إليها، ربما بشكل أكبر مما تعودت عليه، لأننا جميعاً نعود لهذه الفترة من حياتنا".

قرَّر بالخيرية أن يحوِّل هذا الحنين الفردي إلى ما يشبه "الذاكرة الجماعية"، وبما أنه أقرب إلى جيل الثمانينيات والتسعينيات (مولود سنة 1975)، أو "الجيل الذهبي" كما يطلق عليه، اختمرت في ذهنه فكرة إنشاء غروب صغير على الفيسبوك، مُوجَّه تحديداً لأبناء هذا الجيل.

بدأت المجموعة بأربعة وسبعين عضواً تقريباً، ولم نشهد إقبالاً كبيراً حتى الخامس من يناير 2020، يقول بالخيرية: "بلغنا فجأة الألف عضو، ومنذ ذلك التاريخ بدأت ألاحظ إقبالاً لافتاً على الجروب".

يرى بالخيرية أنه "توجه إلى هذا الجيل الذي تزامنت طفولته ومراهقته مع حقبة ثرية جداً بالأحداث الكبرى على جميع المستويات، وطنياً، وعالمياً، حتى أنه يخيَّل للمرء أنه قد بلغ مرحلة الكهولة، وأصبح قديماً رغم أنه ما يزال في أوج عطائه".

ويبرر بالخيرية ذلك بكمية الذكريات واختلافها التي ينشرها الأعضاء في الغروب يومياً حتى أنَّه يتلقى مع رفاقه المشرفين على المجموعة أكثر من عشرة آلاف منشور يومياً.

أثار الغروب في نفس فردوس تساؤلات حول الماضي والمستقبل، وباتت تتساءل: لماذا تغيرت الكثير من الأشياء الآن؟ لماذا فقدت عبيرها وبريقها السابق؟ لماذا لم نعد نشعر بمتعة الأحداث والمناسبات والأعياد في حياتنا كما كنا نفعل ونحن أطفال؟

"لم يتسنَّ لنا تفسير هذه الظاهرة في البداية"، يضيف إحسان، "وبرَّرنا الأمر باعتبارات من قبيل أن شهر يناير ممل، وطويل، وثقيل، بالإضافة إلى تزامنه مع حملة التلقيح التي دعت إليها وزارة الصحة والتي أعادت الكثيرين إلى طفولتهم".

ولكن بمرور الوقت جاء ببال إحسان تفسير آخر، يقدم تبريراً إيجابياً للذين يحنّون إلى أيام الماضي، ويستغرقون في ذكرياته، يقول بالخيرية: "رأينا أن هذه الجماهير التي تدفقت على الجروب قد سئمت حديث السياسة الطاغي في البلاد، ووجدت في هذا الجروب ملجأ يسترجعون فيه ذكرياتهم الجميلة التي قضوها في حقبة لم تنفتح بعد على عالم الأنترنت، ولم تغزها الموبايلات، فترة كانت فيها العائلة أكثر لحمة، وكان فيها الإنسان أقرب إلى واقعه ومحيطه وحياته التي يعيشها بكل حواسه، قبل أن يسرقها العالم الافتراضي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard