ميتات خالد بن سنان الثلاث... "نبيّ" قتله اسمه

الخميس 4 يونيو 202007:14 م

المقدمّة الأولى

نقرأ في كتاب د. محمد سعيد "أنبياء البدو: الحراك الثقافي والسياسي في المجتمع قبل الإسلام"، عن ثلاثة أنبياء عرفهم العرب قبل الإسلام، و هم خالد بن سنان، قسّ بن ساعدة الإياديّ ورئاب بن البراء الشنّي، ويشير سعيد في نهاية تقديمه لمنهجه التاريخي، أنه ليُبقي باب الاجتهاد مفتوحاً، جمع في نهاية بحثه عن كلّ "نبي" النصوصَ التي ورد ذكره فيها، مرتباً إياها من الأقدم إلى الأحدث، موفراً عناء "ملاحقة " هذه النصوص من مصادرها، هذا الجهد لا يمكن إلا الامتنان له، خصوصاً أن النصوص تفتح الباب على أسئلة مختلفة عن تلك التاريخيّة التي طرحها سعيد، أسئلة تتعلق بالحكاية والأسطورة ومفهوم النبي.

هذه ليست مراجعة للكتاب السابق، بل استفادة منه لطرح أسئلة لا تاريخية عن شخص خالد بن سنان، الذي ينتمي إلى "أهل الفترة"، وهي مرحلة زمنية غامضة، يمكن القول إنها مبتدعة، تصف الزمن بين بعثة النبي عيسى وبين بعثة النبي محمد، وفيها عاش أشخاص أقاموا التوحيد وأقرّوا بالبعث، ظهور هذه الفترة يمثل جهداً من قبل مؤرخي الإسلام لتبرير وجود شخصيات من الجاهلية نالت اعترافاً في الإسلام.

المقدمة الثانية

ترتبط النبوة في الديانات الإبراهيمية بنص ضائع محكوم عليه بالنسيان، أو لوح مخفي لا يمكن الاطلاع عليه، وكل كتاب إشكالي، كونه نسخة شبه معدلة عن أصل محفوظ، ضياع هذا النص/ الأصل سببه الحكمة التي فيه، تلك لا تقدر بثمن ولا يمكن نشرها أمام الناس، وكأن هناك كتب دُوِّنت كي لا تقرأ، نسخها المعدّلة فقط هي التي تنجو.

ترتبط النبوة في الديانات الإبراهيمية بنص ضائع محكوم عليه بالنسيان، أو لوح مخفي لا يمكن الاطلاع عليه، وكل كتاب إشكالي، كونه نسخة شبه معدلة عن أصل محفوظ، ضياع هذا النص/ الأصل سببه الحكمة التي فيه، تلك لا تقدر بثمن ولا يمكن نشرها أمام الناس، وكأن هناك كتب دُوِّنت كي لا تقرأ، نسخها المعدّلة فقط هي التي تنجو

نسخة كليلة ودمنة الأصلية التي كتبها الحكيم بيدبا لدبشليم بالهنديّة، حُكم عليها بالحبس بعيداً ثم الضياع، لأن فيها حكمة لا يجوز لكل الناس إدراكها، وبقيت لنا ترجمتها. صحف إبراهيم ضاعت، القرآن نفسه يمر بذات الإشكالية، هناك نسخ "ضائعة" أو غير موجودة، أما النسخة التي نتيقن أنها "القرآن" موجودة في اللوح المحفوظ الذي تختلف الروايات حوله، لكن المشترك بين أخبار اللوح المحفوظ هو وجوده حول العرش الإلهي، ألف ليلة وليلة أيضاً، لا نسخة واحدة له، كتاب بلا أصل ولا مؤلف واحد ينسب له.

المقدمة الثالثة

يشير سعيد أن أخبار أنبياء البدو قليلة في الكتب الأقرب إلى حياة محمد، وتتسع أخبارهم كلما ابتعدنا عن زمنهم، هي مفارقة تاريخيّة أو محاولة من المؤرخين والمدونين إيجاد أقران لمحمد قبله، واحتواء التاريخ الجاهليّ عبر قراءة "إسلامية"، أي كلما ازداد الزمن ابتعاداً عن حياة "النبي البدوي"، ازدادت الأخبار عنه، خصوصاً أن أنبياء البدو رحّالة، لا استقرار لهم، بل هذه واحدة من حجج نفي نبوتهم، إذ يشير سعيد أن من نفوا عن خالد النبوة قالوا: "إنه من أهل الوبر، وأن الله لا يختار رسله إلا من بين أهل النخيل"، أي لا نبي رحّالة، ولا بد للنبوة من استقرار.

خالد بن سنان العبسي (أخو) محمد بن عبد الله

اعترف محمّد بن عبد الله بنبوّة خالد بن سنان العبسي، وقال أبو القاسم لابنة خالد حين التقاها: "مرحباً ببنت أخي، أبوك نبيّ ضيّعه قومه"، خالد العبسيّ، سليل عنترة بن شداد، صاحب المعلقة، الفارس الذي تمنّى محمد بن عبد الله رؤيته. المثير في هذا اللقاء أن ابنة خالد سمعت الرسول يتلو: "قل هو الله أحد، الله الصمد"، فقالت: " كان أبي يقرأ هذا"، بلاغة عبس أثارت إعجاب النبي، آخى نفسه مع واحد من "أنبيائها"، وتمنى لقاء واحد من أشعر فرسانها.

تتبع أخبار خالد يحيلنا إلى نصوص ضائعة، إذ يقال إن "الآية" سابقة الذكر، وجدها خالد منقوشة على صخرة مدفونة، فأمر أصحابه بنبش الصخرة، وجعلها لهم، وكانت تُدفن ليستدلوا بها في الصحراء، وحين الاستسقاء ونصرة لهم في الحرب، ويُقال أيضاً إن هناك لوحاً محفوظاً عند زوجته فيه من الحكمة النافعة.

المعجزات والخرافات المحيطة بخالد متعددة، إذ يقال إنه قتل العنقاء، إذ دعا على الطائر الأسطوري فقُطع نسله، لا ندري ما الذي تلفظ به، ولا طبيعة الدعاء الذي وجهه إلى الله، لكن نعلم أنه أنقذ عبس من بطش هذا الطائر

المعجزات والخرافات المحيطة بخالد متعددة، إذ يقال إنه قتل العنقاء، إذ دعا على الطائر الأسطوري فقُطع نسله، لا ندري ما الذي تلفظ به، ولا طبيعة الدعاء الذي وجهه إلى الله، لكن نعلم أنه أنقذ عبس من بطش هذا الطائر، وتقول روايات أخرى إن صاعقة من السماء ضربت العنقاء وأحرقتها بعد دعائه، هذه الصورة تتكرر لاحقاً، صاعقة أصابت عاد وثمود، وأخرى استهدفت أربد بن قيس وأفنته، بعد أن حاول اغتيال محمد بن عبد الله الذي دعا على أربد.

الميتة الأولى:

الحدث الأشهر المرتبط بخالد هو إطفاؤه نار الحدثين العظيمة، إذ دخل فيها ثم خرج دون أن يمسّه ضرر، وأصحابه يشاهدون، ويقال إنه ردد وهو يدخلها "هداً هداً كلّ خرْج مؤدّى، زعم ابن راعية المعزى، ألا أخرج منها وجبيني يندى"، وكان الشرط إن أبطأ بالخروج ألا ينطق أصحابه باسمه لمناداته.

الحدث الأشهر المرتبط بخالد بن سنان هو إطفاؤه نار الحدثين العظيمة، إذ دخل فيها ثم خرج دون أن يمسّه ضرر، وأصحابه يشاهدون، ويقال إنه ردد وهو يدخلها "هداً هداً كلّ خرْج مؤدّى، زعم ابن راعية المعزى، ألا أخرج منها وجبيني يندى"، وكان الشرط إن أبطأ بالخروج ألا ينطق أصحابه باسمه لمناداته

لا ندري طبيعة الأهزوجة التي رددها خالد، كلام مسجوع ومقفى، يتحدّى فيه وينتصر لنفسه، لكنه أبطأ بالخروج من نار الحدثين، تلك التي لظاها أشبه بجياد شقراء، وما حصل أن أصحابه نطقوا اسمه، فخرج صارخاً من النار بأنهم قد أفنوه، هو حيّ وظنّوا أنه ميت، وقال لهم: "ادفنوني، فإذا مرت بكم الحمر فيها حمار أبتر، فانتبشوني فإنكم ستجدوني حياً"، وحينها سيخبرهم بأحوال العالم حتى يوم القيامة.

هلاك خالد الأول لا يبدو منطقياً، من هذا الذي يموت إن ناداه أحد باسمه، وكأن النار نفسها واعية، تسمح بأن يدخل فيها من لا اسم له، أحد التفسيرات اللغويّة تقول إن "الحدثين" معناها الدهر، وكأن الدهر يُفني فقط الذي يُعرف اسمه. كل من لا اسم له، ناج من الدهر.

لكن لنفترض أنها نار، هل تناهت حركات خالد معها حتى أصبح جزءاً منها وتكمن نجاته بأن لا يُسمع اسمه، كأن خالداً دخل جهنم بلا اسم، و شرط الدخول إلى "النار" هو أن ينسى الشخص اسمه، وهذا يعيدنا إلى نهر النسيان Lethe، واحد من معابر جهنم الذي تنسى فيه الأرواح حيواتها وأسماءها لتقاد إلى الجحيم، ربما كان خالد يخادع النار بادعائه أنه روح نسيت اسمها، وحين نادى أصحابه باسمه، عرفته النار، تركته يخرج سالماً، لكنها أنسته حكمته، تلك التي لا بد أن تعود إليه بعد أن يبعث وينبش من قبره، أليست حكمة العنقاء التي دعا عليها تكمن بأنها تبعث من رمادها، هي ضد الدهر كونها لا تموت، بل تنسى ثم تتذكر.

الميتة الثانية:

رفض أبناء خالد نبش قبر أبيهم، بالرغم من أن الحمار ذا الذنب المقطوع مر ونهق فوق قبره، وقالوا إنهم لا يرضون بأن يسمّوا بأبناء المنبوش، فتركوا خالداً في قبره، ناسياً حكمته وحارماً قومه من أخبار الزمان، لا بعث لخالد بعكس العنقاء، لكنهما يتشابهان، كلمة قتلت العنقاء، وكلمة قتلت خالد، اسمه الذي نودي به، وكلمة ثالثة منعت بعثه حياً، "ابن المنبوش"، هنا تتكرر المفارقة، هو حيّ وظنّوا أنه ميت.

الميتة الثالثة:

كأن خالداً كان يعلم أن أحداً لن ينبش قبره، وأن الحكمة لابد من ضياعها، بالتالي الحلّ بالتدوين، الخطر الأشد من ضياع الحكمة، كون الكتابة تولّد الاختلاف في القراءة، مع ذلك، هناك رهان على فئة قليلة تقرأ دون أن يفسد عقلها، إذ أخبر أصحابه: "أن في عكن امرأته لوحين، فإذا أشكل عليهم أمر فلينظروا فيهما، فإنهم سيرون ما يسألون عنه. وقال: لا يمسهما حائض".

ما سر التنبيه من الحيض؟ يتضح هذا لاحقاً، إذ ذهبوا إلى زوجته من أجل اللوحين، وحين وصلوا إليها كانت حائضاً وأعطتهم اللوحين، فـ"ذهب بما كان فيهما من علم". ما هذا العلم الذي لا يمسّه إلا المطهّرون، كتابة تتلاشى فيزيائياً حين يمسّها ما هو دنس، لا نحاول هنا التساهل مع ذكورية الموقف، بل فهم منطقه الداخلي، وكأن زوجة خالد حارس لكنز من نوع ما، لا تدري أن هذا الكنز/ النص يتلاشى بمجرد إيجاده، وكأنها عنقاء تحمي غافلة هذه الكتابة، لكن ألم تكن تعلم بأنها إن حاضت ولمست اللوحين طار ما فيهما من حكمة؟ تتوقف القصة هنا دون أي تبرير.

المرأة التي يختفي بسببها الكتاب تتكرر في التراث العربي، جارية سيبويه أحرقت النسخة الأولى من "الكتاب"، ابنة عم الخليل الفراهيدي أحرقت واحد من أجزاء معجم العين، أيضاً ألم يختف مصحف فاطمة؟

كأن الكتب "القيّمة" يُحيط بها المُتسببون بفنائها، لكن في قصة خالد تبدو زوجته غافلة عن كل الحكاية، ولا تدرك ما في هذه الألواح، حتى أن من زارها لم يسألها إن كانت حائضاً، ربما خجلاً، لكن هل الحكمة تقتضي الخجل، خصوصاً إن كانت مهددة بالزوال؟

ضياع "الكتب" تقليد نبويّ، يعرفه النبي ذاته، كل نبي كان مدركاً لأزمة المكتوب، وكأن التدوين يفتح الفتنة، وضياع المكتوب أسلم للناس من بقائه، فمحمّد بن عبد الله منع أصحابه من التدوين، وكأن الكتابة نفسها محكومة بالاختفاء والدفن، كحالة الصخرة التي تحوي "قل هو الله أحد"، وإن هي بقيت، أي الكتابة، اختلفت وضلّ قرّاؤها.

صورة المقال من كتاب عجائب المخلوقات (رابط). 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard