آخر رُمّان الدنيا... شجرُ الكُردِ من عفرين إلى سنجار

السبت 6 يونيو 202005:37 م

على سفحِ سنجار شَوتِ الخنازير طيرَ طاووس. ظلَّتْ في الأثر ريشاتٌ تبكي. كُنتِ المؤنِسة لذلك الريش، يا حلوتي يا حبّة الرُمّان. تقول الأغنيةُ.

يحكي الراوي حكايته مبحراً على متن سفينة في طريق الهجرة، ويدرك أنه لا يملك جواباً، إنْ كان يرحل كي يهرب في الاتجاه المعاكس للذاكرة، كي ينسى هويته ويختفي، أم يرحل كي يحتفي بالذاكرة، ذاكرة الألم، فيحميها ويحافظ عليها.

في "آخر رمّان الدنيا"، رواية بختيار علي التي ترجمها غسان حمدان إلى العربية مؤخراً، يستغرق مظفر الصباحي، مظفر سوبحدم في الأصل الكردي، في استنطاق الماضي، مستحضراً ما حصل معه بعد خروجه من سجنه الانفرادي في الصحراء، بعد واحد وعشرين عاماً من الحبس.

يجد مظفر أن هناك دائماً مَن يرغب في أن يبقيه حيث هو، في السجن والبيت والوطن. تجادله الأصوات أن يظل في مكانه، فلا جدوى من محاولة إنقاذ أي شيء. بعد السجن مباشرةً، يحتجزه صديقه الوحيد في قصر يقع في أعماق غابة خفية قائلاً إن ثمة وباءً قاتلاً قد انتشر في الخارج، لكنه يهرب بعد حين ليبحث عن ابنه الوحيد، عن سرياس الصبّاحي.

لا يوثّق بختيار علي تاريخاً. يحكي في خلفية الرواية عن حرب جرت هناك وعن أسرى وقلاع وحرّاس. ثم نسأل إنْ كانت هي الحرب التي نعرف أو أخرى تشبهها، فالأطفال الحفاة الذين ساروا في البراري وانفجرت في بعض الأحيان ألغام تحت أقدامهم يعودون في كل حرب وكذلك العجائز الجالسون على الصخور منتظرين أن يحين أجلهم. بدل وصف الحرب يتمهل بختيار علي في نحت تفاصيل أشخاص روايته، مستطرداً في تعقيدها ومستعملاً أسماءً لها وقع هش ساحر مثل محمد زجاجي القلب، لاولاو البيضاء ونديم الأمير الذي كان، خلافاً لاسمه، الأعمى الأكثر فقراً في العالم.

بين نداءات باعة العربات وقصص الموت والعنف المتواصل، ثمة تفصيلان يتكرران طوال السرد، ثلاث رمّانات من زجاج يحملها الأبناء وشجرة رمّان على قمة تصل فيها الأرض إلى نهايتها.

كان يشار كمال قد كتب قبل ثلاثين عاماً رواية ساحرةً أخرى فيها شجرة رمّان في طرف قرية، رواية نرى انعكاسات منها في رواية بختيار علي. الجنود في الحروب فلاحو سنوات الفقر، و"الأبلة" القاسية، عاشقة الجرارات، قرينها سائق قاسٍ ينقل الجثث بجراره ويكره المطر، فما من أحد في هذا العالم أكثر عداءً للمطر من سائقي الجرارات.

على سفحِ سنجار شَوتِ الخنازير طيرَ طاووس. ظلَّتْ في الأثر ريشاتٌ تبكي. كُنتِ المؤنِسة لذلك الريش، يا حلوتي يا حبّة الرُمّان. تقول الأغنيةُ

الرمّان من ثمر الجنة، وكل رمّانة في الأرض فيها حبّة من رمّان الجنة. الرمزية عند الكُرد تتجاوز المعاني الواردة في التوراة والقرآن. الرمّان فاكهة المعجزات والخصب التي تعطي دون أن تأخذ، تكون في الأغنية السابقة مغزلاً للريح وحلابةً للمطر.

وفي حكاية الأطفال، التي انتقلت من فم لفم، تذكّرنا حبّة الرمّان، مدللة أبيها الجميلة بعد سبعة إخوة ذكور، بيوسف النبي. يتآمر الإخوة وزوجاتهم عليها فتشرب من قربة ماء فيها أفعى تدخل إلى بطنها وتكبر هناك. يتركها أخوها في البرّية دون أن يقتلها فيمر بها أمير وهي تغني فوق شجرة ويأخذها زوجةً له، ثم تعود إلى أهلها ليعود معها الخير بعد سنوات عجاف.

وأذكر، في مآثر الرمان، صيفاً كهذا مرّ منذ سنوات، كانت درجة الحرارة حوالي الأربعين حين توقفنا على طرف الطريق بين حلب والحسكة عند بائعٍ مستلقٍ بين فاكهته مستظلاً بستارة من خيش، تذوقنا حبات طرية من الفستق الحلبي واشترينا سحارة رمان. وهو يهش الذباب، حكى البائع عن زراعة الرمان في باسوطة، قرب عفرين، عن أن مزارعي الرمان وقاطفيه هم الأكثر كسلاً، شجر لا يحتاج إلى عناية ومواسم خير وفير. حكى عن شبّان عاطلين طوال العام في القرى، يعملون لشهر واحد في القطاف بأجر يبدو زهيداً لكنه يكفيهم، يحوشون ست شجرات ثم يأخذون محصول الشجرة السابعة ويعيشون ببركته خيراً وكفاية، بركة ينتظرونها بكسل وبهجة من عام لعام. ثم يخبؤون الرمّان، إذ يكون رخيصاً أيام القطاف، فيخزنه المزارعون حتى ترتفع أسعاره ما لم يبيعوه أو يصنعوا منه دبساً.

الرمّان من ثمر الجنة، وكل رمّانة في الأرض فيها حبّة من رمّان الجنة. الرمزية عند الكُرد تتجاوز المعاني الواردة في التوراة والقرآن. الرمّان فاكهة المعجزات والخصب التي تعطي دون أن تأخذ، تكون في الأغنية السابقة مغزلاً للريح وحلابةً للمطر

يجمعون تلالاً، آلاف الرمّانات، في ساحة ظليلة باردة، يفرشون القش تحته، ثم يغطون تل الرمان بورق الشجر، ويبقى طرياً منعشاً لأسابيع. أتذكر ثم أسمع عما يجري للحجارة والزيتون هناك فأفزع كمن سقط في الحلم. أسأل صديقةً عن حقل رمان كان لجدها، تقول: بقي لي منه مبسم لتدخين السجائر.

كتب يشار كمال بالتركية عن أحوال الفلاحين الكرد، ورأيناه مستمتعاً بأغاني القوالين في قرى آمد. ويكتب بختيار علي من ألمانيا بالكردية منتظراً فيها أكثر من عقد حتى تترجم روايته للغات أخرى. ثم يقرأ الكردي مثلي رواية بختيار بالعربية مترجمةً عن الفارسية التي ترجمت بدورها عن الأصل الكردي.

لغة الكردي أيضاً رواية تعددت لهجاتها وضاعت تفاصيل منها. المعاندون لم يستسلموا، نقلوا الحكايات شفاهاً، وبجَلَد خبّأوا ما استطاعوا. قصائد مهربة في أشرطة تسجيل في تركيا وكتب على رفوف أول مكتبة كردية فتحت قبل سنوات، من بين كل مدن الكرد، في ستوكهولم.

في "آخر رمّان الدنيا" يحفظ المتعاهدون الكلام، تختم الأقسام بالدم، وتوضع في زجاجات سوداء تخفى في مكان لا يعرفه أحد، تحت شجرة الرمّان. كانوا يسمّونها آخر شجرة رمان في الدنيا، أو رمان اللقاء أو شجرة ملعوني الأرض أو شجرة الوحي أو شجرة التقرب إلى السماء. وتحيل إلى شجرة أخرى نعرفها في الجوار، شجرة الأماني، يعلق الدراويش شرائط من قماش ملون على أغصانها فتلبّي ما يطلبون.

في سياق الرواية يعيدنا الراوي في لحظات إلى واقع الحال، فكل حلم خيبة مؤجلة وما من شجرة تصل إلى ربها. لن يرى الهارب وجهه في المرآة ولن يعرف الكردي لغةً يكتب بها ولا رماناً ينقذنا. أثناء النزوح الكبير باتجاه الحدود، يصرخ الأعمى طالباً المساعدة كي يصل إلى قمة الجبل حتى ينام تحت شجرة الرمّان التي تشفي العين، ثم حين يصل ينام. يستيقظ بعد نوم هانئ طويل، أعمى كالسابق، أعمى كباقي أيام حياته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard