لم أكن كطفل كردي أدرك ما يجري حولي

الثلاثاء 12 نوفمبر 201903:53 م

تعتبر التنشئة الاجتماعية منذ الطفولة وحتى الرشد، هي المدماك في التشييد الهوياتي القومي أو الوطني، أو الهوية المُدمجة بينهما، وإن على مراحل عمرية.

والتنشئة النفسية تشكل البنية المهمة والأساسية التي تتراكم لدى الطفل-الفرد في سنين عمره السابقة لاختيار انتماءاته وتصوراته حول الوطن والوطنية والمواطنة والقومية، وهذه الأخيرة تحديداً تخضع لمخيال الأبوين، من خلال ربط مولودهم بمفاهيم تتعلق بتوجهاتهم السياسية من عدمها، إضافة إلى الاسم المنتقى، الذي يلعب معناه دوراً مهماً في خيالات البالغ حول جملة القضايا السياسية والقومية.

فما يملكه الأبوين من إرث من الضيم والخذلان الرسمي لهم ولحقوقهم في سوريا، يدفعهم لإبعاد الأبناء عن أي مؤثرات من شأنها التقليل من تطلعاتهم القومية، وبل دمجهم بكل ما يقوي شعورهم القومي، عبر الأغاني والمنشورات والأعياد القومية ومتابعة المحطات والإذاعات الكردية.

بعد عقد ونصف من عمري، وكسائر المتشاركين في جيلاً واحد -وينسحب على باقي الأجيال اللاحقة أيضاً، حتى قبل 2011- أدركت لماذا كان والداي، أسوة بجميع الآباء الكرد، يخبئون الجرائد الكردية في أماكن سرية بعد قراءتها، بغية منحها لغيرهم، ويغلفون الكتب الكردية بجرائد عائدة للسلطة السورية، حين كانوا يعيرونها لبعضهم البعض، خشية الاعتقالات وما يلحقها من تأثيرات مادية ومعيشية، لمجرد اقتناء كتب باللغة الكردية أو تتحدث عن تاريخ الكرد وكردستان.

فيكتسب الفرد/ الطفل خصوصية بحسب المكان والعائلة والاسم والأفعال الممارسة والتصرفات والحديث بصوت منخفض في المواضيع السياسية، فينشأ الطفل ضمن جملة من الانطباعات التي يساهم في رسمها بشكل أساسي وأولي، الأبوان.

كانت أسماء المواليد الجدد لدى الأبوين الكرديين تتعلق بحالة انتماء قومي ومحاولة مواجهة سلمية لعمليات الصهر والتعريب، لكنها كانت تصطدم بقرار أغلب الحكومات لمنع الأسماء الكردية عن المواليد.

في صغرنا، وما أن نسأل أحد كبار السن عن اسمائنا حتى يتحسر دون أن نعي السبب، وبقيت "جملة" أن أبناءهم البكور تقلدوا أسماء يكرهونها تجول في دماغنا الغض دون أن نعلم ماذا يحصل. لم يكن الطفل الكردي يدرك ما يجري حوله، وهي القصص التي يشترك بها مواليد الثمانينيات نقلاً عن مآسي من ولدوا في العقدين السابقين، والقصص كثيرة.

في بدايات الثمانينيات "فُكَّ الحظر الشوفيني" عن إطلاق التسميات الكردية على المواليد الجدد، لكن التراكم النفسي لمن سبقوهم بقي على حاله دون معالجة، بل أن ذاكرتنا كأطفال بقيت تحمل هموم وحسرات الآخرين الذين كانوا يبتسمون لمجرد سماع اسم كردي للمواليد الجدد. فكان منطقياً أن تكون أكثر العبارات التي تتردد في مخيال الأطفال الكرد نقلاً عن أبويهم هي ما تتعلق بالقضية والحقوق الكردية.

وفق ذلك فإن الواعز النفسي للأبوين سيكون، وبنسبة عميقة، قائم على ترسيخ مبدأ الصراع الهوياتي في أبنائهم وإن منذ الصغر. وهي محاولة ترمي لإعادة البحث في التشييد التاريخي للهوية الكردية، والحيرة بين الفقدان أو الاستفادة للانطلاق من جديد. لكن المواجهة لم تنته، وبشكل أعمق مع معرفة أن القصة لم تتوقف عند مجرد إطلاق التسمية الكردية على المواليد، بل إن نوعاً جديداً من التنمر والتمييز على الصعيد الرسمي صاحب تلك الأسماء، والتي بات من السهل جداً معرفة الشخص الكردي عن غيره بسب اسمه.

لذلك فإن الصراع كان في أوجه بين جهة –حكومة ودولة- تمتلك كل مقومات الصهر والإذابة في بوتقة عربية، وللمفارقة لم تكن تهتم بمصائر ومشاعر العرب أنفسهم ولا بمتطلباتهم، وبين جهة أخرى-الكرد- لم تكن تمتلك سوى التشبث بالحديث باللغة الأم ضمن البيوت، بعد أن كانت اللغة الكردية حتى وقت قريب ممنوعة من التداول في المؤسسات الرسمية والمدارس والجامعات، والإصرار على إطلاق تسميات كردية على المواليد الجدد، أو مناداتهم في المنزل باسم كردي مغاير للاسم العربي في الهوية، كتحد للأنظمة وقراراتها، كل ذلك كان بناء على محددين متداخلين.

أولهما، أن الأبوين لم يسمحا لأطفالهما أن يعيشوا ما عاشاه في صغرهما من منع للغة أو الأسماء الكردية. وثانيها، أن هؤلاء الأطفال أصبحوا عماد قضيتهم حين تنشئتهم وعبر مراحلهم العمرية، خاصة وأن حلم الأجداد والآباء في وطن يؤويهم ظل يكبر مع تقدم الأطفال في العمر، سواء للمشاهدات وتكرار مرادفات قومية كردية في منازلهم وجلسات الكبار، أو تشبثهم حين يفاعتهم بتلك القناعات التي ترسخت فيهم باكراً.

فما يملكه الأبوين من إرث خذلان رسمي لهم ولحقوقهم في سوريا، يدفعهم لإبعاد الأبناء عن أي مؤثرات من شأنها التقليل من تطلعاتهم القومية، وبل دمجهم بكل ما يقوي شعورهم القومي، عبر الأغاني والأعياد القومية ومتابعة الإذاعات الكردية

بدايات الثمانينيات "فُكَّ الحظر الشوفيني" عن إطلاق التسميات الكردية على المواليد الجدد، لكن التراكم النفسي لمن سبقوهم بقي على حاله، بل أن ذاكرتنا كأطفال بقيت تحمل حسرات الآخرين الذين كانوا يبتسمون لمجرد سماع اسم كردي للمواليد الجدد

مقاومة واستحضار للتاريخ

وباعتبار أن للسيكولوجيا دوراً أساسياً في بناء الهوية الفردية، فإن المكوّن الوجداني للهوية الشخصية يسعى دوماً لتثمين الذات، وهو ما يفسر تصرفات الكرد، نخباً وسياسيين وأحزاباً، وحتى على صعيد الطبقات العامة، في استهلاك أعمارهم ومع جميع مجالسيهم، والانكباب على تأويل متكرر لتاريخهم الوطني حول الدور الكردي في بناء سوريا وإخراج الانتداب الفرنسي منها، في محاولة لتقديم صورة زاهية لهم.

صحيح أنها كانت إحدى الآليات الدفاعية عند الكرد لمواجهة تهم الانفصال والتبعية للخارج، لكن الحالة النفسية المتراكمة للكرد أججت مشاعر الأجيال التي ألهمت بما سمعته وقرأته، وأصبحت المظلومية الكردية بمثابة السلاح الفتاك في التشييد الهوياتي الكردي لمستقبلهم في سوريا، مع ضعف صورة التبرير والإتيان التاريخي للدور الكردي لدى الأجيال اللاحقة التي راحت تكبر على مشهد محاولات من سبقها لتأكيد وطنيتهم، في وطن لم يمنحهم لا أماناً داخلياً بالانتماء ولا أماناً للعيش دون خوف.

الصورة النمطية التي كبر عليها الأطفال الكرد، وعبر مشاهداتهم اليومية، سواء في جلسات منازلهم أو عبر شاشات التلفزة، وخاصة خلال الأعوام الثمانية الأخيرة، كفيلة بخلق جيل بعيد جداً عن مفاهيم الارتباط الوطني العام، مع ما يُروج حول تقليص الحقوق الكردية، وتشذيبها لتكون جوفاء ضمن مشروع مواطنة فشل في كل الدول العربية المُركبة والتي تحتوي على أكثر من قومية وأكثر من شعب.

وبات من المتوقع قيام جيل جديد أكثر بعداً عن الانتماءات الوطنية، لعاملين مُركبين، أولهما، ما نشأوا عليه طيلة طفولتهم ويفاعتهم، وما شاهدوه من مآسٍ وحرمان لذويهم، والتمييز بينهم وبين باقي المكونات، سواء على الأسماء أو الهوية أو المزايا التي كان يتمتع بها كل من ليس كردياً. وثانيها، عيشهم في كنف استمرارية الإلغاء والإقصاء، حتى بعد الادعاء بمطالب التغيير والتجديد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard