هذه بعض من عيون تراقبنا مزروعة في كل مكان

الخميس 4 يونيو 202010:42 ص

لطالما انشغلت بالتحديق في عدسة الكاميرا في عيادة طبيب الأسنان، ومددت لساني لتلك المختبئة في زاوية المصعد، والتي تشعرني بتواجد شخص ثقيل الظل في المكان، يتلصص عليّ، بينما ألقي النظرة الأخيرة على مظهري في المرآة، لست وحدي من اختبر هذا الشعور، فهنالك دوماً عين تراقبنا، مزروعة في مكان ما.

غوغل

لا يمكننا إخفاء أماكن تواجدنا عن "غوغل" فحتى عند عدم تشغيل خدمة تحديد الموقع، ترسل الهواتف الذكية عناوين الأبراج القريبة فور الاتصال بواي فاي، وعند تسجيل الدخول إلى شبكة عامة، ترسل هذه الأجهزة معلومات عن نفسها للعثور على الشبكات المتاحة، فيسهل تتبع هواتفنا حتى لو لم نكن متصلين بأي شبكة.

"جيميل" يعرف جميع جهات الاتصال الخاصة بنا، وبإمكانه تحديد أصدقائنا المفضلين، من نراسلهم كل يوم ومن انقطعت علاقتنا بهم أو أزلناهم من القائمة، أما يوتيوب فلديه ذاكرة كل الفيديوهات التي شاهدناها والموسيقى التي طبعت يومياتنا.

لا يقتصر تجسس "غوغل" على موقعنا الجغرافي، فهو يعرف إن كنا سعداء أو تعساء أكثر من أصدقائنا المقربين، ويشاركنا كل المعلومات التي نحتاجها، سواء كنّا ننتظر طفلاً أو نستعد للسفر، يستطيع "غوغل" أيضاً تحليل من نكره ومن نحب، ما يثير اهتمامنا وما توقفنا عن الاكتراث به، متاعبنا، اهتماماتنا، عقدنا النفسية، أحلامنا وحتى كوابيسنا التي نستيقظ صباحاً لنسأله عن معناها، وحتى في وعكاتنا الصحية، نلجأ إليه قبل الطبيب غالباً، فلدى غوغل سجل بحثي يحوي حقيقتنا بدون أقنعة، مخاوفنا، هواجسنا وكل ما لا نريد إظهاره.

مراقبو المقاهي

دائماً هناك أولئك الغرباء الذين يتابعوننا بعيونهم، يتفحصوننا ويلاحظون تحركاتنا، وقد يكونون أكثر فضولاً، فيحاولون استراق السمع لمعرفة من نكون، أو ربما حديثنا وحده كان مثيراً لاهتمامهم، أو أن دافعهم هو الملل فقط.

في المقاهي التي يرتادها ذات الأشخاص يومياً، يزداد شعور روادها بأحقيتهم في مراقبتنا، بل حتى في انتقادنا وتقييم أشياء من المضحك تقييمها عن بعد، في هذه المقاهي تتكرر ظاهرة الزبائن اليوميين، والذين يراقبون الجميع ويعرفون تاريخهم في هذا المكان، يتماهون مع الحالة لدرجة تذمّرهم من بعض الرواد، وكأنهم زوارهم الشخصيون، كما يتنبؤون بفشل ونجاح العلاقات الناشئة في المكان، ويقيّمون الأشخاص بثقة لا يملكها من يعرفهم عن قرب، لم لا؟ فكثيراً ما يرى المراقب الخارجي ما لا يراه من في الداخل.

يعرف "غوغل" إن كنا سعداء أو تعساء أكثر من أصدقائنا المقربين،  يستطيع "غوغل" أيضاً تحليل من نكره ومن نحب، ما يثير اهتمامنا وما توقفنا عن الاكتراث به، متاعبنا، اهتماماتنا، عقدنا النفسية، أحلامنا وحتى كوابيسنا التي نستيقظ صباحاً لنسأله عن معناها

إدمان الاهتمام

على عكسنا، نحن الخائفين على خصوصيتنا، "فاشينيستات" انستغرام وسناب شات، ومؤخراً نجوم "تيك توك" يعتاشون من بيع خصوصيتهم وفعل أي شيء لنراقبهم، ولا حاجة للبحث عن أماكن تواجدهم، فكاميرات هواتفهم حاضرة لحظة بلحظة.

تعرض لنا "الفاشينيستا" يومياً حياتها بكل تفاصيلها والأماكن التي ترتادها، وتدعونا لنرافقها أثناء جولات الاعتناء بجمالها، من كريم النهار الذي تنصح به إلى إبر البوتوكس التي تحقنها، مع بعض النصائح أحياناً، والتي تستعيرها من زملائها من مدربي التنمية البشرية، بهدف إظهار الجانب العميق الذي يصعب علينا إدراكه من شخصيتها، بالإضافة إلى القليل من الدراما عند انفصالها عن حبيبها أو خيانته لها، مع الكثير من الأكشن في وصلات "الردح" شبه اليومية، لمنتقديها ومنافساتها من الفاشينيستات الأخريات.

الرقابة العاطفية

يقول غراهام غرين في "نهاية علاقة": "وحيث انتهى الحب بدأت الكراهية، الكراهية لسارة وللمنافس الذي تعقبه منهجياً، منتظراً فرصته".

وإذا كان "بندركس" قد قرأ مذكرات سارة، ودفعه شكه في خيانتها إلى إرسال موظف خاص ليتعقبها ويعرف أسباب هجرانها له، فالأمر الآن أسهل بكثير مما كان عليه أيام الحرب العالمية الثانية الذي تدور فيه أحداث الرواية، فعاشق اليوم المريض بالشك ليس بحاجة لذلك، مراقبة صفحة الحبيب على فيسبوك أو الاستعانة بهاكر شاطر يقوم بالمهمة.

فيسبوك بحد ذاته مراقب خانق في العلاقات العاطفية، فقائمة ماسنجر وحدها تشعرنا بأننا مراقبون على الدوام، وأنّ الجميع على علم بمواعيد استيقاظنا ونومنا، تواجدنا واختفائنا.

نحن دائماً مسيرون وفقاً لنوع من أنواع الرقابة، فشعورنا المستمر بأن أحداً ما يراقبنا يجعلنا خائفين من سلطة ما، من عقوبة قد تكلفنا حياتنا، من مجتمع قد ينبذنا، من رفض قد يهدد نرجسيتنا الهشة، كل هؤلاء الرقباء يعيدون تشكيل ذواتنا لنجد أنفسنا محاصرين بعدد لا نهائي من الرقباء

مراقبة حياة الآخرين كنوع من عدم القناعة بما نملك

في الفيلم القصير "نافذة الجيران"، نرى زوجين يعيشان حياة روتينية منهكة، بين العمل وتربية الأطفال، لدرجة تتقلص فيها مساحة حياتهما الخاصة حتى تختفي مع الأيام، لتوقظ حياة الجيران المتزوجين حديثاً، والذين سكنوا الشقة المقابلة، كل رغباتهما الدفينة، ولتطفو مشاعر النقص التي يحسان بها تجاه حياتهما المشتركة الرتيبة، وهما يراقبان حياة جيرانهما، بكل ما فيها من شغف ومثالية تتراءى لهما عن بعد، قبل أن يكتشفا مع الوقت، الحياة الحزينة الحقيقية التي يعيشها الجيران، والذين بدورهم يراقبونهم ويشتهون حياتهم.

يمثل الفيلم نموذجاً مصغراً لحياتنا اليومية غير المقنعة دوماً، والباحثة عن نواقصها في حياة الآخرين المكتملة من وجهة نظرنا كمراقبين خارجيين لا نرى إلا الأشياء الطافية على السطح.

الرقابة الذاتية كجزء من صناعة الخوف

نحن دائماً مسيرون وفقاً لنوع من أنواع الرقابة، فشعورنا المستمر بأن أحداً ما يراقبنا يجعلنا خائفين من سلطة ما، من عقوبة قد تكلفنا حياتنا، من مجتمع قد ينبذنا، من رفض قد يهدد نرجسيتنا الهشة، كل هؤلاء الرقباء يعيدون تشكيل ذواتنا لنجد أنفسنا محاصرين بعدد لا نهائي من الرقباء، قبل طرح أي فكرة، التعبير عن أي رأي أو تقديم أي منتج إبداعي أو فني، لتتشكل مع الزمن منظومة رقابية سرية قابعة في داخلنا، مرآة لذاتنا المشوهة، تعكس، بصورة أو بأخرى، الوجه الحقيقي للخوف.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard