"من الله والناس والرئيس ونفسي والمستقبل"... عن ثقافة الخوف المستمرة

الاثنين 23 مارس 202001:02 م

هلع عام أصاب كل العالم، وحوّلنا جميعاً لرهائن الحجر أو الطوق الصحي. الوقت بات أطول، فبدأت ذاكرتي بتمرير شريط يعرض جميع مخاوفي، وها أنا في حضرة الخوف... الوسيلة الأولى والأكثر استخداماً للتربية ولترويض أي إنسان ولد "حراً"، ولكي تكون إنساناً "سورياً" لا بد أن تتشبع بالخوف وتشربه مع حليب أمك، خمسة "على الأقل" عليك أن تخافهم، وإلا لن تستطيع الاندماج في مدجنة المجتمع السوري بشكل خاص، والعربي بشكل عام، ولكن سأخص بالذكر سوريا، بلدي الحبيب والمرعب.

الخوف من الله

من أسئلتنا الأولى كأطفال: من أنا؟ ولماذا وُجدت؟ ومن أوجدني؟ وكيف؟ ولماذا؟

أسئلة تبدو فلسفية عندما نطرحها كباراً، حيث مازال الكثيرون حتى اليوم يبحثون عن أجوبتها، وهي تبدأ في الطفولة، عندما نبدأ بتشكيل صورة عن أنفسنا، أنا مثلاً أعطتني أمي كل هذه الأجوبة بسيطة وجاهزة وكأنها معرفة بديهية: ببساطة أنا ابنتها، وُجدت لأنها لم تستطع إجهاضي في الأشهر الأولى من الحمل رغم محاولاتها المتعددة، فكم مرة حملت عبوة الغاز ومشت وركضت، ولكني، حسب قولها، صممت على الحياة، خلقني الله بمعجزة خلقه لكي أعبده، ولهذا مهمتي أن أتبع منظومة الحرام والحلال وأن أكون فتاة صالحة حتى أنال النعيم، هناك ملائكة تراقب كل أفعالي اليومية وتسجل حسناتي وسيئاتي، وإذا اتبعت كل ما هو حلال فسأدخل الجنة، حيث أستطيع أن أفعل هناك ما أريد، وإن ارتكبت الحرام سأدخل النار، وأُحرق وأعذب إلى الأبد. وبعد هذا الشرح المفصّل، بدأت سماع كلمتي حرام وحلال كثيراً، وكان التهديد الدائم: إن لم أنفذ ما طُلب مني، غضب الله وعاقبني في الدنيا وبعد الموت سيرسلني إلى جهنم. أول من خفتهم في حياتي هو الله، وهو أول من أحببت.

ها أنا في حضرة الخوف... الوسيلة الأولى والأكثر استخداماً للتربية ولترويض أي إنسان ولد "حراً"، ولكي تكون إنساناً "سورياً" لا بد أن تتشبع بالخوف وتشربه مع حليب أمك... خمسة "على الأقل" عليك أن تخافهم، وإلا لن تستطيع الاندماج في مدجنة المجتمع السوري بشكل خاص، والعربي عامّة

الخوف من الناس

العائلة الكبيرة والصغيرة، الكادر التعليمي في المدرسة والجامعة، الجيران، الأصدقاء... باختصار القريب والغريب.

الأم والأب أول من نثق بهما، نحبهما، ونخافهما… كلامهما وتعليماتهما لا تتحمل النقاش أو المخالفة، وباعتباري أصغر فرد في عائلة تتكون من أب وأم وأخوين وأخت، وطبعاً كوني أنثى، فعلي "احترام" أخوتي الكبار والاستماع إليهم وتنفيذ طلباتهم، مهما كانت.

هذا خوف عاش معي وقتاً طويلاً: أبي يستطيع ضربي في أي وقت وأمي أيضاً، ولديهما سلطة حبسي في المنزل ومنعي من التحدث على الهاتف، وتحديداً مع أي "ذكر"، وحرماني من المدرسة أو حتى العمل فيما بعد، وفي الوقت الذي تبرر أمي كل هذا بأنه "حرام" وعليها تربيتي على كل ما هو "حلال"، لم يكن لأبي، المتشكك دائماً بوجود الله وغير الممارس لأي طقوس دينية، سوى تبرير أفعاله بخوفه هو أيضاً، لكن خوفه الأكبر من "كلام الناس"، نحن سوريون، علينا أن نعيش حسب قوانين المجتمع السوري وعاداته وتقاليده، وليس بإمكاننا الخروج عنها أو مناقشتها، أو حتى أن نكون مختلفين، "فالاختلاف جريمة مجتمعية"، يحاسب عليها المجتمع أولاً بالنميمة وثانياً بالرفض، والخوف بالطبع من أساتذتنا ومعلماتنا في المدرسة والجامعة، فهم يتمتعون بنفس السلطة الأبوية. وليس ذلك فقط، فالخوف من الناس أيضاً، وهذا له أشكال عديدة من صعب حصرها، ولكن سأحاول تغطية بعضها بالأمثلة: الخوف في الصغر من الخطف، مثلاً علينا أن لا نقبل أي هدية من شخص غريب وإن كانت حبة شوكولا، فهناك مجرمون يستمتعون بخطف الأطفال، والخوف في المراهقة من الاغتصاب للفتيات أكثر من الفتيان، ولكن الكل يختبئ تحت الخوف من "فقدان العذرية "، والخوف بسن الشباب من أمرين، أولهم الاختلاف الديني أو الطائفي، فكل مجموعة دينية في سوريا تعتقد أنها مهددة من قبل المجموعة الأخرى، وأنها بالطبع مكروهة، وهناك الكثير من الإشاعات والأساطير عن كيف أجرمت مجموعة دينية كاملة بأخرى، وزاد عليها انتشار شائعة قوة الطائفة العلوية والتي باتت تملك سلطة ما، بعد أن سيطر حافظ الأسد، ابن هذه الطائفة على الحكم، الأمر الثاني هو التقارير الأمنية، ففي سوريا يمكن أن يكون جارك "خطه حلو"، ويعمل بالسر مع الأمن، وبإمكانه بتقرير واحد إلى المخابرات أن يرسلك إلى "الثقب الأسود"، لذلك علينا أن نتحدث عن أي نقد للسياسة العامة بهمس، فـ"الحيطان إلها آذان"، وما بالك إذا أردت أن تنتقد الرئيس؟!

الخوف من الرئيس

الأب والابن، فجمهورية سوريا العربية "الملكية " تُحكم من قبل العائلة المالكة، عائلة الأسد وجميع أقربائهم ومعارفهم، وحتى البعض من أبناء طائفتهم، وعلينا جميعاً أن نحترم قدسية هذا الحاكم القوي والذي يستطيع سحق كل أعدائه، بل مسحهم من الخارطة، كما حصل في حماة عام 1982.

والأكثر من ذلك، أنه عليك أن تحب القائد، فهو الأب الأكبر لنا جميعاً، وأذكر أن والدي سألني مرة ممازحاً: "من أبوك؟"، فأجبته ببراءة طفلة غسل دماغها بكل البرامج التلفزيونية الأسدية: "بابا حافظ الأسد"، الإجابة التي أغضبت والدي والذي كان معارضاً "بالسرّ" كالكثير من الناس.

الخوف من الرئيس ومحبته، هي من أخطر أنواع التلاعب بالمشاعر، فهي ترفع الرئيس من كونه إنساناً إلى مرتبة "الله"، فهو الرحيم والمنتقم والوهاب والجبار، وعلينا جميعاً أن نحبه وأن نؤمن به دون أي شك، وبالرغم من أنك تستطيع في سوريا أن تجادل عن الله والخليقة (ما قبل انتشار داعش)، ولكن من المؤكد أنك لن تجرؤ على مناقشة أي فعل من أفعال الرئيس، كم بالحري حقه هو وأولاده بالحكم؟ هو حر التصرف المطلق ويستطيع أن يفعل ما يريد.

مع بداية الثورة السورية، كانت أول الشعارات: "ما في خوف بعد اليوم"، وهي أحد الأدلة على أن كسر الخوف كان أحد الأسباب التي ساعدت على انطلاق الثورة، ورغم أنها قُتلت في مهدها، إلا أنها كانت وما تزال حلم الكثيرين للوصول إلى الحرية من هذه العبودية ومن سيطرة هذا الحكم على كل مناحي حياته، بل حتى على أفكاره، لذلك نخاف حتى من أنفسنا.

الخوف في الصغر كالنقش على الحجر، وكم حاولت عبر أعوام تكسير جدران الخوف التي بُنيت عبر التربية، وساعد ببنائها كل ما ومن حولي، لكن، كلما حطمت جداراً ظهر آخر… والآن، كلي أمل أن أستيقظ يوماً ما بلا أي خوف

الخوف من نفسك

كانت تنتهي أغلب النقاشات التي أجريتها مع أهلي أو أصدقائي بأنني أنا الملامة، فمثلاً أنا الملامة إذا تعرضت إلى تحرش لفظي أو جسدي، لأني لم ألتزم بارتداء الملابس المحتشمة، وإن لبست ما هو "محتشم" أكون الملامة لأنني، ودون انتباه، ابتسمت صدفة في وجه المتحرّش، أو أنا الملامة لأني ربما أذنبت بحق الله، وهو الآن يعاقبني، أو أنا الملامة لأني تجرأت على انتقاد الحكومة وكسر الخوف والصراخ بالحقيقة، فمن الطبيعي أنهم سيقومون باعتقالي... أمثلة كثيرة تحمّلك الإحساس بالذنب الدائم، وأنك الملامة الأولى على كل فعل أو كلمة، دون الالتزام بالخطوط الحمراء والصفراء وكل الألوان عدا الرمادية، وتمد عقدة الذنب جذورها عميقاً بعمق الخوف.

الخوف من المستقبل

هناك شبح غريب يترصد بنا نحن السوريين، فإن ضحكنا نقول: "الله يعطينا خير هالضحك"... وكأننا قمنا بفعل مخالف للطبيعة وستكون عاقبته وخيمة. الخوف من الغد في كل التفاصيل اليومية؛ في اختيار ما تأكلين وما تشربين وأين تصرفين النقود واختيار العريس المناسب، وفي الكلمة التي تقال وتكتب، الخوف من الغد في كل فكرة، علينا دائماً التفكير في المستقبل، ووضع خطة ألف وباء وحتى كل أحرف الأبجدية.

ولكن من يعرف المستقبل؟ من كان يتوقع مثلاً أن تشتعل ثورة في سوريا وتنطفئ؟ من كان يتوقع حدوث حرب عالمية ثالثة على الأراضي العربية وبأياد خارجية وداخلية، نظيفة وملطخة بالدماء؟

من كان يعلم مسبقاً أن فيروساً واحداً سيهدد العالم بأكمله، ويحوّل الناس إلى مساجين في بيوتهم محكومين بالهلع؟

ومن تنبأ مسبقاً بانهيار الاقتصاد العالمي، والذي من الواضح أننا نخطو نحوه حالياً... أكان يعلم أنه سيبدأ بفيروس؟

الخوف في الصغر كالنقش على الحجر، وكم حاولت عبر أعوام تكسير جدران الخوف التي بُنيت عبر التربية، وساعد ببنائها كل ما ومن حولي، لكن، كلما حطمت جداراً ظهر آخر… والآن، كلي أمل أن أستيقظ يوماً ما بلا أي خوف.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard