عن علاقة الجزائري بالتماثيل العارية

الأربعاء 20 مايو 202012:45 م

وقعت منذ أيام عملية تكسير طالت تمثال العذراء الذي يتوسط كاتدرائية سانتا كروز بوهران، وهي الحادثة التي أعادت إلى الأذهان حادثة أخرى وقعت العام الماضي، حين أقدم ما قيل إنه مجنون على محاولة تخريب تمثال المرأة العارية التي تتوسط عين الفوارة بسطيف، قلت أعاد هذا الحادث سؤال القبول والرفض، السخط والاستهجان، الرسم والنحت، العري والحياء، الخفاء والتجلي، المحرم والمحلل، المقدس والمدنس، نظرة الصمت والحيرة والثورة والرفض لكل فن، تشكيل، رسم، كتابة أو فيلم يتخطى الحدود المرسومة، في وعي ونظرة الجزائري التقليدية لمثل هذه الأمور، حدود مقفلة بالحلال البين والحرام البين.

لم تخل عمارة المدن الجزائرية من تماثيل عارية لنساء ورجال وحتى أطفال على شكل ملائكة، تحرس البوابات وعيونها على المارة، كيف نفهم إذا حادثة تكسير تمثال العذراء في وهران؟

يذكر، والعهدة على الرواة، أن فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية خلال تسعينيات القرن الماضي، لم يكن فقط مفاجأة وحدثاً غير مسبوق في دولة أحكم العسكر قبضته عليها، وغلف نظامها ببذلة الاشتراكية الواحدة والفكر الواحد والرؤية الواحدة واللون الواحد، بل جر الفوز معه رؤساء للبلديات لا يعرفون من القرآن وأحكام الشريعة والفقه إلا ما يرونه يخدم مصالح حزبهم، بل هناك من لا يفقهون في أمور الدين شيئاً ذا بال، والأدهى أنهم كانوا يتصرفون وهم مقتنعون أنهم يحكمون بما أنزل الله وبما قال به النبي في مسائل الحلال والحرام، وكان يرددون أنه: لا اجتهاد خارج القرآن والسنة النبوية وما قال به العديد من الفقهاء، وكأنه مقدس لا يجب أن يناقش، وكل من خالف ذلك فهو كافر وخارج الملة، يجب أن يحارب ويقام عليه الحد أو الحكم.


من هنا عمد أحد رؤساء بلديات الشرق الجزائري من هذا الصنف، إلى اتخاذ أول قرار سياسي "ديني" اعتبره مهماً لإقامة الأخلاق في المجتمع وتقويمها، وذلك بإزالة تماثيل عارية كانت تزين إحدى الحدائق، وكانت حجته "الدينية" في ذلك أن كشف العورات لأي سبب يعتبر حراماً بنص القرآن والسنة، لكن هذا القرار خلّف موجة استنكار ورفض قوي من طرف المجتمع المدني والمثقفين والمنظمات والجمعيات، بل وصل الأمر إلى مسامع أعلى الهيئات الرسمية التي أصدرت أمراً عاجلاً بمنع هذا الفعل الذي يسيء إلى التاريخ والذاكرة، ويعطي مبررات أخرى لهؤلاء لكي يتمادوا ويطالبوا بمعاقبة كل فعل ثقافي وفني لا يروق لمزاج الدين والعقيدة.

لم يتوقف رئيس البلدية ذاك وبحث عن حلول أخرى لتنفيذ مخططه، ولما لم يجد من آذن صاغية ودعم قوي لقراره، اهتدى لفكرة شيطانية مع شلة من مسؤوليه من نفس تياره، فأشترى ملابس رجالية ونسائية، وقام في جنح الليل بتغطية هذه التماثيل، وعندما طلع النهار كانت المفاجأة الكبيرة التي جعلت المارة يقفون مندهشين ومدهشين ومتعجبين وضاحكين من المنظر الشنيع للتماثيل العارية، وهي ترتدي الألبسة من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين، بعدما كانت جزءاً عفوياً وعادياً من مشهد حياتهم اليومي، حتى أنها لم تكن تلفت الانتباه عندما كانت العائلة تقضي أوقات استجمام وراحة في هذه الحديقة.


علاقة الجزائري بالتماثيل العارية

هذه الحادثة عندما تقرأ من زاوية نظر مختلفة ستكشف حدة الالتباس الحاصل في علاقة الجزائري بالتماثيل العارية. صحيح لا يمكن القياس عليها والقول إن كل الجزائريين يفكرون كما فكر رئيس البلدية ذاك، بل إن الحفر عميقاً في وجدان المجتمع الجزائري سيظهر مدى ما يحمله من كبت رافض لكل ما يرمز ويشير إلى المستعمر، الذي يوضع دوماً في خانة المهلك والمفسد للقيم والأخلاق والعادات التي كانت متغلغلة في نسيج المجتمع الجزائري، غير أن هذا الرفض لم يكن يتوفر على عناصر التمرد إلا في مناسبات وظروف وعوامل تسهم في تصعيد هذا النفور من الأعماق، ليتجلى في العلن حاملاً معه مواقف ساخطة على هذه القيم التي توصف بالغريبة والغربية والمخربة والخطيرة.

لم تأخذ قصص التماثيل العارية في الجزائر مساحة واسعة من الجدل والنقاش والاهتمام، حسب ما دونته كراريس الإعلام والكتب والمراجع والأفلام، ففي فترات سابقة من تاريخ الجزائر، خاصة خلال حقبة الاستعمار، شهدت المدن الجزائرية ثورة في العمران والهندسة الكولونيالية المتنوعة، في رسم الإبداع وابتكار المدهش والاستثنائي وفي تزيين العمارات والحدائق والفضاءات العامة وحتى المستشفيات، ولم تخل عمارة من تماثيل عارية لنساء ورجال وحتى أطفال على شكل ملائكة، تحرس البوابات وعيونها على المارة. هذا كان يدخل في صميم الثقافة الغربية، حيث كل شيء أو فكرة أو حالة أو ملك أو إله، يتم تجسيده في وضعيات مختلفة: رؤوس، أجساد كاملة، أجزاء منه أو نصفه، حسب معنى ما يريده المهندس أو الفنان والبنـاء، بالطين والجبس، وبخليط من مواد أخرى، بألوان متنوعة، عادة ما تكون بيضاء دلالة على السكينة والطمأنينة والسلام والشفاء، مثلما تظهره عديد التماثيل التي ما زالت موجودة على ندرتها في بعض المستشفيات الجزائرية.


استأثرت أمور أخرى بعقل الجزائري خلال هذه الفترة: النضال، المعيشة، الاستقلال، الحرية، إيقونات صنعت يومياته ولم يكن بينها شيء اسمه التماثيل العارية، وعندما استقلت الجزائر أنشغل أيضاً بأمور أخرى: البناء، التنمية، التطور، وأيضاً لم يكن بينها شيء اسمه التماثيل العارية، بل حافظ عليها كملك خاص مثل بيته وسوقه ومصنعه، فالذين ورثوا  أو سكنوا العمارات أو الفلل أو حتى القصور التي كانت تزخر بالتماثيل، لم ترعبهم أو تخلخل هذه الأخيرة وتيرة حياتهم، وتمتعت العائلات الجزائرية المحافظة التقليدية بجو مريح وطبيعي في الحدائق وهم يلتقطون الصور أمام تمثال عار لامرأة أو رجل أو طفل، دون أن ينشغلوا بفكرة العيب والحشمة، لأن هذا كله أمر عادي جداً، ولم ينتج أي رد فعل مشين أو حانق ضدها.

الشيء اللافت للنظر أيضاً، هو أن العديد من التماثيل النادرة التي تعود إلى حقب تاريخية بعيدة، تم الاستيلاء عليها ووضعت في بيوت المسؤولين الكبار، وسرق بعضها وبيع في الخارج، وتم ذلك في غفلة من السلطات أو حتى بتواطؤ البعض ممن كان يمتلك مفاتيح القرار، يعرفون حقيقتها التي لا تقدر بثمن، وباءت بالفشل، كل محاولات استرجاعها كإرث خاص مخصوص بأرض عرفت مرور حضارات كثيرة بكل محمولاتها الثقافية والفنية والإبداعية.

الواضح حتى هذا الوقت السالف الذكر أن حالة التجاذب بين الجزائري وتماثيله عرفت موجات من مد خفيف وجزر شفيف، تنتهي عادة بالقبول والتماثل معها بدون عقدة أو انغلاق أو رفض، ومثلما عاش تحت هيمنة المستعمر وتسربت إليه مكونات الثقافة الغربية، والفرنسية تحديداً، ولو بالفرض والضرورة والوضع والقوة والله غالب، إلا أنه سرعان ما غدت هذه العلاقة قاب قوسين من الشرخ والكسر والنفور، فقد أهملت التماثيل وفقدت رونقها وجمالها ونخرتها عوامل الطبيعة، وبدأت تتآكل من فرط الغبار والمياه والصديد والحشرات والفئران وغيرها، بل نزع بعضهم أجزاء منها خاصة تلك المُشكلة من الحديد والصلب والنحاس فصهرت واستعملت إما لإكمال بناء أو صنع آلات أو جبر حائط، وطمست أخرى بفعل تحويل الكنائس إلى مساجد، حيث شوهت بشكل كامل كي لا تظهر الوجوه والأذرع والسيقان وبقايا العورات، وليتهم فعلوا ذلك باحتراف وجمال وفن، لكان ربما الأمر مقبولاً، بل مسخت بحقد دفين وعنف واضح.

مرت العلاقة بين التماثيل والجزائري بسرعة من زمن القبول والتعايش إلى زمن متذبذب يصوغ مجاله حسب الظرف والواقع، لم يخرج من توظيفات دينية تتمتع بنفوذ صارم في الوجدان العام للمجتمع، تبرر له كل شيء باسم الحلال البين والحرام البين، وليس بينهما سوى خيط رفيع ودقيق، وهم وحدهم الأحق بقطعه أو وصله أنى شاءوا، حتى ولو كان على حساب الذاكرة والروح الإنسانية، وبقيت مقاومة هذا الأمر أيضاً مستمرة من لدن الدولة والمهتمين، والكثير من الفعاليات والجمعيات والمنظمات، التي نجحت في الحفاظ على التماثيل كمكون جوهري يشهد على الجمال وحضارة الدنيا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard