"جرّد قلبك لحبّي فإنّي جعلتُ قلبك ميدان حبّي"... أبو الحسين النوري والتصوف

الاثنين 4 مايو 202001:31 م

 "أنا أعشق الله والله يعشقني"، قالها صديق الجنيد أبو الحسين النوري، الذي كان يملك حساسية الشاعر وجرأة المصطلح، بحسب تعبير بول نويا، فلمّا أخذ على كلامه شرحه قائلاً: "سمعتُ الله يقول: يحبّهم ويحبّونه، وليس العشق بأكثر من المحبّة، غير أن العاشق ممنوع والمحب يتمتع بحبّه".

"كنتُ البارحة في بيتي مع الله"، أأنت قلتَ ذلك؟ يجيب النوري: "وأنا الساعة مع الله. وإذا كنتُ في البيت فأنا مع الله، وإذا كنتُ في برية فأنا مع الله. ومن كان في الدنيا مع الله، فهو في الآخرة مع الله، أليس يقول الله: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد".

يستند النوري في حديثه وبوحه وتصريحه إلى القرآن والحديث النبوي كما يفهمه ويتذوقه، بيسر وبساطة دونما تكلّف. إنّ لله عباداً يسمعون بالله، ويصدرون بالله، ويردّون بالله، ويأكلون بالله، ويلبسون بالله، وقد رأى النوري نفسه واحداً من هؤلاء العباد، واختار أن يكون طريقه إلى الله عبر المحبّة والوداد، فمن وصل بالوداد فقد اصطفاه ربّه من بين العباد، لكنّ المحبة عند النوري لها صورة أخرى، لم تكن لتتقبلها بأريحية طائفة من العلماء في عصره، فضلاً عن المطالبة بمحاكمته على ما ينطق به ويذيعه بين الناس.

جرّد قلبك لحبّي فإنّي جعلتُ قلبك ميدان حبّي... أبو الحسين النوري والتصوف

المحبّة هتكُ الأسرار وكشف الأستار

أعلن أحد الصوفية أن ما يقوله النوري وأصحابه خروج عن الدين وزندقة وكفر! لذا لا بدّ من محاكمة هؤلاء الزنادقة. كان هذا الإعلان ولا يزال أمراً طبيعياً في مجتمعنا العربي، فالكلمة ترفع وتخفض، تحيي وتميت. سيق النوري للمحاكمة هو وأصحابه، فأُمر بضرب أعناقهم! تقدّم النوري مبتدراً إلى السيّاف ليُضرب عنقه أولاً، فقال له السيّاف: ما دعاك إلى الابتدار إلى القتل من بين أصحابك؟ فقال: آثرت حياتهم على حياتي هذه اللحظة. فتوقّف السيّاف والحاضرون عن قتله، ورُفع أمرهم إلى الخليفة، فردّ أمرهم إلى قاضي القضاة، وبعد الاستجواب بكى القاضي طويلاً، ثم دخل على الخليفة فقال: إن كان هؤلاء زنادقة، فليس على الأرض موحّد، فأمر بتخليتهم.

ما الحرف فتفكر فيه؟ إنه الشّوكُ في جدار البستان! إنّي أمحق القول والحرف والصوت لأناجيك بغير هذه الثلاث! نطق بهذه العبارة جلال الدين الرومي بعد ثلاثة قرون من وفاة النوري، رغم إملائه لمئات الصفحات شعراً ونثراً على مريديه تعبيراً عن عشقه الصوفي. ربما لم تسعه العبارة والحرف للتعبير عن شوقه الجارف ومواجده. لكن النوري لم يمحق القول والصوت بل ظلّ يتحدث حتى بعد محاكمته على أقواله، مطبّقاً المحبّة الخالصة في حياة الصحبة، بحسب تعبير ماسنيون، معلناً أن حياة الصحبة تسمو على حياة العزلة، معلناً ما وصله وعرفه من مقامات القلوب، حتى لُقّب بـ"جاسوس القلوب"، ما جعل مصيره النفي إلى الشام لمدة ربع قرن.

فلمّا عاد إلى بغداد، لم ير من الصوفية ما كان يراه من قبل، فقد اتسم البوح الصوفي بالاعتدال، وصار صديقه الجنيد شيخاً ورئيساً للطائفة الصوفية، وما عاد الصوفي "ينطق عن حقيقته"، ومن هنا عزفت نفسه عن لقاء القوم وأجاب أحد الراغبين في الحديث معه: "لاَ أُرِيدُ مَوْضِعاً فِيْهِ الصُّوْفِيَّةُ، قَدْ ضَجِرْتُ مِنْهُم"! وكما يقول ابن الأعرابي: "إن السوداء قد غلبت عليه، وحديث النفس، ثم ضعف بصره، وانكسر قلبه، وفقد إخوانه، فاستوحش من كلّ أحدٍ". ولعلّ في قول النُّورِيُّ لِلْجُنَيْدِ: "غَشَشْتَهُمْ فَصَدَّرُوكَ، وَنَصَحْتُ لَهُمْ فَرَمَونِي بِالحِجَارَةِ"، يوضّح ما آل إليه الأمر في موطنه.

أحسّ الجنيد وكثير من أصحابه أن طبيعة معارفهم الصوفية لا تسمح بإعلانها على جمهور الناس، لأنّهم سيُتهمون بالهرطقة والكفر، لذا آثر الحفاظ على سرّية ما تذوّقه من معارف، وبحسب قوله: إنّ بساط المعرفة التي تتحدّث عنها الآن قد طُوي منذ عشرين سنة، أمّا اليوم فإنّنا نتحدّث عن أهدابها ليس غير. ومن هنا قيل عن أبي الحسن النوري: منذ مات النوري لم يخبر عن حقيقة الصدق أحدٌ.

"كنتُ البارحة في بيتي مع الله"... يقول النوري: "وأنا الساعة مع الله. وإذا كنتُ في البيت فأنا مع الله، وإذا كنتُ في برية فأنا مع الله. ومن كان في الدنيا مع الله، فهو في الآخرة مع الله، أليس يقول الله: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد"

نقد صادق وشخصية مثيرة للجدل

تركّز كتب التراجم عند حديثها عن النوري على ما أثارته كلماته من جدل واسع في عصره، سواء ما نطق به معبّراً عن حاله الصوفي، أو ما اعترض به على طقوس دينية، أو ما وجهه من كلمات منتقداً السلطة الرسمية في عصره، وتلاحقه تهمة الزندقة كلما باح بما رآه أمراً طبيعياً، لكن رواية تتعلّق في ظاهر منطوقها بنقده لآذان المؤذن، وفي الآن نفسه يطرب لصوت الكلب ويعتبره مسبّحاً بحمد ربّه ويلبّي خلفه، لقيت هذه الرواية شيوعاً كثيراً في كتب خصوم التصوف، وظلت تروى كمثال لهرطقات الصوفية. وأصل الرواية بحسب القشيري: سمع النوري رجلاً يؤذّن، فقال: طعنة وسمّ الموت! وسمع كلباً ينبح، فقال: لبّيك وسعديك. فقيل له: إنّ هذا ترك للدين! ففسّر النوري قوله: أمّا ذلك فكان ذكره لله على رأس الغفلة، وأمّا الكلب فقال تعالى: وإن من شيءٍ إلّا يسبّح بحمده.

تناقل المعارضون للتصوف نصّ الرواية عازفين عن توضيحها كما أورده القشيري، وغُضّ الطرف عن مواقفه الأخرى التي أدان فيها أفعال السلطة في عصره، في جرأة لفتت أنظار الدارسين حديثاً، فاهتم بها كارل أرنست، كتأكيد على ريادة النوري في تجربة مواجهة السلطة الدينية والسياسية، التي ستبلغ الذروة فيما بعد عند محاكمة الحلّاج وقتله، كما تبلور دور النوري المؤثر في دينامية الحركة الصوفية على مستوى التجربة المعيشية في الفعل والقول. كذلك لم يتمّ الالتفات إلى حديثه عن مقامات القلوب ومنازل العباد وشجرة المعرفة الروحية، وهو أمر لفت أنظار الباحثين عن جماليات الإسلام، كأنّا ماري شيمل، والمهتمين بوحدة التجربة الصوفية في الأديان، من أمثال لوبيز بارالت في إسبانيا.

أبو الحسين النوري موضوعاً للدرس الصوفي

عرف الأب بول نويا عبر دراساته للنصوص الصوفية وتحقيقاته لتفاسيرهم أنّ بداية التجربة الصوفية انبعثت من القرآن، فالذاكرة الروحية الإسلامية تغذّت بالنصّ القرآني، ففي بدء التجربة يعتمد الصوفي على القرآن، ولكن لغته تتغيّر وتتلوّن بلون تجربته لتؤول معنى النص وتستنبط معنى قد يخالف المفهوم السابق للنص قبل التجربة. ويعني ذلك أن الصوفي يرجع في نهاية التجربة إلى بدايتها أي إلى القرآن.

في البدء يرى الصوفي صورته كما يعكسها القرآن، ثم يصبح مرآة تنعكس فيها معاني القرآن العميقة. من هنا راح الأب نويا يتتبع تفاسير الصوفية للقرآن، بداية من جعفر الصادق وابن عطاء الأدمي والنوري ويبحث في لغة النّفري وتجربة روزبهان البقلي ويردّد حكم ابن عطاء الله السكندري، حتى استطاع في وقت قصير من حياته أن يسبر غور هذه التجارب ويؤلف عنها الكتب بالعربية والفرنسية، ويعرّف بأعلام الصوفية في دوائر المعارف الإسلامية، ليصبح إنتاجه مصححاً ومطوّراً للدرس الاستشراقي للتصوف، الذي اعتمد أحكاماً مسبقة ظل محافظاً عليها، سواء أكان ذلك بدافع التعصب أم لقلّة المصادر المخطوطة التي لم تكن قد اكتشفت بعد.

وفي هذا السياق نشر نويا دراسته عن أبي الحسين النوري في جامعة القديس يوسف، بيروت 1968، بعد أن جمع أقوال النوري في تفسير القرآن، ونشر رسالته النادرة "مقامات القلوب". بعد عشرة أعوام 1978 أعاد Salih Tuğ نشر رسالة النوري في إسطنبول، بالاعتماد على ست نسخ خطّية للرسالة، أقدمهم مخطوطة شهيد علي باشا، مقدّماً لنشرته بدراسة قصيرة عن النوري باللغة التركية. وسرعان ما أعيد طبع هذه الرسالة في إيران، لكن بالاعتماد على نشرة الأب نويا، في إطار إعادة طبع تحقيقاته عن التفسير الصوفي للقرآن.

في فترة لاحقة لعملية نشر أعمال النوري، تجدد الحديث عنه في الكتابات الأدبية التي تناولت الشعر الصوفي بالدراسة، فصدرت عدّة أعمال في بغداد، لكنها اكتفت بما نُقل عن النوري في كتب التراجم، ولم تعد دراسة منها إلى ما أنجز عن النوري من كتابات أو ما نُشر من أعماله، ولم يكن الأمر مختلفاً مع دراسة محمد جلال شرف، التي طُبعت في بيروت عن متصوفة بغداد، فكانت في أغلبها قراءة لبعض الفقرات المنقولة عنه في كتب التراجم، مع إلقاء الضوء على موقف ابن تيمية وتلميذه من كلمات النوري.

في عام 1999 يصدر كامل مصطفى الشيبي دراسته "أبو الحسين النوري الصوفي سيرته وشعره"، في بغداد محققاً فيما نُسب من أشعار إلى النوري، وصحيح أنه لم يشر إلى أية دراسة سابقة للنوري، ولم يعتمد على ما كتبه النوري في رسالته، وكان اعتماده على ما رُوي عنه في كتب التراجم، إلا أن هذه الدراسة تحظى بكبير أهمية نظراً لالتفاتها لأشعار النوري، وصدورها ضمن مشروع الشيبي الذي بدأ مبكراً وانتهى بوفاته في عام 2006.

يصعب العثور إذن على دراسة عربية مطوّلة وجامعة لمعظم ما نُسب إلى النوري من أقوال وتفاسير وأشعار، وهو ما حفّز الباحثة خاتون سلمى كرشت، لتسجيل أطروحة عن النوري في الجامعة الأميركية ببيروت، ناقشتها في عام 2010 تحت عنوان "أبو الحسين النوري الصورة والآثار"، مكتشفة فيها مدى القرب الذي تُبين عنه تجربة التصوف الروحية في التعبير عن أحوال النفس البشرية في مختلف قطاعات الإبداع الإنساني.

ومما يميّز عمل خاتون عودتها إلى المصادر الصوفية القديمة التي رسمت شخصية للنوري، لتقرأ هذه الصورة، وتعيد النظر فيها، محاولة لملمة شتات الأقوال المتفرقة، حتى نحظى بصورة للنوري أقرب إلى ما كان عليه متصوف القرن الثالث الهجري. وفي محاولته للتعرّف على فكره وتصوّفه، جمعت خاتون أقوال النوري مرتبة إياها بحسب موضوعات التصوف من اصطلاحات أو أفكار، أو تفاسير لنصوص الكتاب العزيز، معلّقة عليها، وهي في كلّ ذلك تستفيد من كافة الدارسين شرقاً وغرباً، ممن أفردوا النوري بدراسة أو تناولوا بعض أفكاره بالدرس والتحليل، ومن هؤلاء ماسنيون، أنّا ماري شيمل، ريتشارد غرامليش، كارل أرنست، لوبيز بارالت، ألكسندر كنيش، بول نويا وكامل مصطفى الشيبي، لتصبح دراستها عن النوري أوّل دراسة عربية جامعة لميراثه الروحي، لمن أحب أن يتعرّف على معراجه الصوفي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard