"من أنت. من أين جئت. وإلى أين تذهب؟" نأتي من مجهول ونذهب إلى مجهول

الخميس 7 مايو 202012:11 م

في أسطورة بروميثيوس تظهر فصول السنة، من ربيع، صيف، خريف وشتاء، إسقاطاً لعقوبة أوقعها زيوس بالبشر، بعد أن سرق بروميثيوس النار وأعطاها لهم.

عبر هذه العقوبة انتهى الربيع الذي كان يعيش فيه البشر شباباً دائماً وأرزاقاً دانية طوع اليد من غير عمل إلى الأبد، وبدأوا بتذوّق المعاناة الشديدة، عبر عمل وشقاء لا ينتهيان لتوفير مقتضيات العيش، وطفقت الأمراض والأوبئة تصيبهم وتميتهم وتخطف الشيخوخة صباهم.

إنّ تطور الجانب الحوفي من الدماغ، كما يقول كارل ساغان في كتابه "تنانين عدن"، قد يكون السبّب في تفتح الجانب الديني في فكر الإنسان. ويمكن اعتبار النار هي أعظم اكتشاف للإنسان، فلولاها لظلّ الإنسان يتخبّط في مجاهل الطبيعة، فطهو اللحوم على النار دفع بدماغ الإنسان إلى أن يصبح ما هو عليه الآن.

وفي قراءة تأويلية لأسطورة بروميثيوس، نستطيع أن نرى كيف أن النار ستجعل الإنسان قادراً على التأقلم مع التغيّر البيئي والطقسي الذي أوقعه عليه زيوس، لكن التمثيل بين صيرورة حياة الإنسان والفصول الأربعة للسنة، تفتح عينه على أساطير نشوء الكون، من الفوضى إلى النظام الذي يتبعه فوضى تقود إلى نظام جديد.

هكذا كانت شعوب ما بين النهرين، ترى في رأس السنة موت نظام قديم انتهى إلى الفساد، ومنه سيولد نظام جديد،هذا السياق هو صورة عن كيفية نشوء الكون من الفوضى.

في أسطورة بروميثيوس تظهر فصول السنة، من ربيع، صيف، خريف وشتاء، إسقاطاً لعقوبة أوقعها زيوس بالبشر، بعد أن سرق بروميثيوس النار وأعطاها لهم

الموت دافع للتفكير بالخلود

تطرح علينا ثيمة أساطير النشوء الكوني، أنّ الإنسان كائن تاريخي، وبالتالي له بداية ونهاية. الإنسان كائن مؤقّت الوجود، يأتي من مجهول ويذهب إلى مجهول، لذلك كان لا بدّ من السؤال التالي: متى تنتهي هذه المجاهيل في معادلة وجوده؟

هذه المجهولية التي دفعت بجلجامش للبحث عن نبتة الخلود، نتيجة لموت صديقه أنكيدو، ومن ثمّ لقاء أوتونفشتيم، المعادل السابق لنوح، تكشف لنا عن المعطى الأول الذي دفع الإنسان للتفكير بنهاية العالم.

الموت المشكلة الأكبر التي واجهها الكائن البشري، التي لم يستطع إيجاد حلول لها إلا بتصوّر حياة أخرى، يكون الموت معبراً إليها، لكنّ الحياة الأخرى كما نعرفها من الأديان السماوية، سواء أكانت جنة أو ناراً، لم تكن كذلك، وفق تصوّر تلك الأزمنة التي عاش بها جلجامش، فعندما استدعى طيف أنكيدو ليخبره عن العالم الآخر، هاله ما سمع من أنكيدو، فأصبح وأمسى هائماً على وجهه.

هذه التجربة المأساوية التي خاضها جلجامش، دفعته للبحث عن نبتة الخلود لدى جدّه أوتونفشتيم، الذي منحته الآلهة الخلود بعد أن أنجته من الطوفان الذي غمر الأرض ومسح البشر عن وجه الخريطة. ثم سرقت الأفعى نبتة الخلود وأصبحت تبدّل جلدها كل سنة.

في المدة الزمنية التي تخلع خلالها الأفعى جلدها، تكون غير قادرة على الصيد، وشبه عمياء وضعيفة جداً، كأنها في لحظة ولادتها الأولى! ألا تشبه حالة الأفعى الفوضى التي يخرج منها النظام فيما بعد؟

إن الموت هو نهاية تاريخ الإنسان، لذلك سعى عبر مخياله الأسطوري الديني لإيجاد حياة أخرى أبدية بعد الموت.

الفساد الأخلاقي جرس النهاية

يعرض لنا الشاعر الإغريقي هزيود Hesiod، في نشيده "أنساب الآلهة" الذي حلّله جان بيار فرنان، في كتابه "الأسطورة والفكر عند اليونان-دراسات في علم النفس التاريخي"، كيف أن الوجود قد تدنّى من الزمن الذهبي إلى الفضي، ومن ثم البرونزي/ الأبطال وأخيراً الحديدي. هذا الأخير هو الزمن الذي عاش فيه هزيود وقاسى ويلاته، حتى قال: "لو متّ أبكر من ذلك أو ولدت متأخراً عن ذلك"، وما قصده من هذه الجملة إلا أنه تمنى أن يكون قد ولد في تلك الأزمنة السابقة، التي انقضت، من ذهبي وفضي وبرونزي أو تم تأجيل ولادته حتى تبدأ دورة جديدة، يكون حسن حظّه فيها أنه تجاوز العصر الحديدي البائس، الذي سيولد في نهايته البشر بأصداغ بيضاء من شدّة الحياة التي سيعيشونها.

في "نشيد أنساب الآلهة"، كتب الشاعر الإغريقي هزيود ""لو متّ أبكر من ذلك أو ولدت متأخراً عن ذلك"، وما قصده من هذه الجملة إلا أنه تمنى أن يكون قد ولد في تلك الأزمنة السابقة، التي انقضت، من ذهبي وفضي وبرونزي أو تم تأجيل ولادته حتى تبدأ دورة جديدة، يكون حسن حظّه فيها أنه تجاوز العصر الحديدي البائس

يستخدم هزيود ثيمة أنساب الآلهة، حتى يبيّن لأخيه السيئ الأخلاق والمعاملة، أنّ البشرية خسرت المنح الإلهية نتيجة فساد أخلاقها. ففي العصر الذهبي كانت تسود أخلاق الصداقة، وفي العصر الفضي كان يسود الحسد والتنافس اللاأخلاقي. وكان من نتيجة ذلك أن كائنات العصر الذهبي نالت الخلود قرب الآلهة، وأما كائنات العصر الفضي فقد نالت الخلود لكن في الجحيم.

وجاء نعت العصر البرونزي/ الأبطال بأنّه عصر الحروب والقتال، فانشقت كائناته إلى قسمين، الأول هم المقاتلون الذين لا يتمتعون بأية أخلاق، فذهبوا إلى النسيان والفناء في هيدز، أما القسم الثاني أي الأبطال، فقد نقلهم زيوس إلى جزيرة السعادة ليعيشوا إلى الأبد.

ومن هذه الأمثولة الأخلاقية الرؤيوية لهزيود، نرى أن ثيمة انتهاء العالم بسبب فساد كائناته آتية لا ريب فيها.

نهاية التاريخ فلسفياً

يعتبر فيثاغورث بمذهبه التقمّصي أول منظّر لإخراج الإنسان من متاهة الفوضى والنظام المتتابعة، وذلك عبر تذكّر الحيوات السابقة، كي يتاح له الخلوص من سوءاتها عبر التطهر والتقشف والصيام. إن التذكر يقود الإنسان للخروج من ناعورة الولادات المتكرّرة عبر التطهر، في حين يقوده النسيان إلى الولادة الجديدة وعيش المعاناة من جديد، والتي تتعاظم مشقتها جيلاً بعد جيل.

يرى فيثاغورث أن نهاية الوجود الأرضي أقرب إلى خيار فردي على الإنسان اتخاذه والسير فيه، حتّى ينجو من الموت وينال الخلود.

ولا يبتعد سقراط صاحب مقولة "اعرف نفسك" عن ذلك وكأنه يقول: اعرف نفوسَك حتّى تنجو وتلتحق بالخالدين، فيما يتابع أفلاطون، وفق قصة الكهف التي أوردها في محاوراته، بأن خاتمة التاريخ ستكون بانتصار المثال على الشبح، الحقيقة على المحاكاة والفكرة على المادة.

يتميّز عنهم أرسطو بأنه دفع بفكرة نهاية التاريخ كي تطبق سياسياً عبر الإسكندر المقدوني الذي كاد يحتل العالم القديم ويجعله إغريقياً. ففي نظر أرسطو كانت الحضارة والإنسانية معطى إغريقياً والبشر الآخرون مجرد همج، لذلك ستكون فكرة نهاية التاريخ بأن يصبح إغريقياً بالمطلق، فعبر ذلك سيتحقق طموح الإنسان بحياة كريمة وأخلاق لا تلوّث.

هل استعارت الأديان الثلاثة نهاية العالم ممّا سبق؟

ربطت الأديان السماوية نهاية العالم بالفساد الديني والأخلاقي أكثر منه بقضية الموت، على الرغم من أن فكرة البعث من الموت لم تظهر في الديانة اليهودية إلّا نتيجة التأثيرات الهلنستية، كما تورد جنفر هيكت في كتابها "تاريخ الشك"، ومع ذلك فمقتضى النهاية وفق الديانة اليهودية تكون بمجيء المسيح وقيام أورشليم.

إنّ الموت هو خاتمة الإنسان في الديانة اليهودية، ونجد في سفر أيوب والجامعة هذه المأساوية لنهاية الإنسان الذي لا بعث له بعد الموت. حلّت الديانة المسيحية قضية الموت عبر قيامة المسيح، فنجد في إنجيل يوحنا: "قال لها يسوع: أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا".

أورد يوحنا اللاهوتي في رؤياه تفاصيل القيامة، وموجز هذه النهاية ستكون بعودة المسيح ديّان هذا العالم، يفصل عبر مذراته المؤمنين عن الخاطئين: المؤمنون إلى الجنة والخاطئون إلى النار، وتلك هي نهاية السردية التاريخية لوجود الإنسان على الأرض.

لا يختلف الإسلام كثيراً عما أوردناه سابقاً، فيوم القيامة أي الساعة آتية لا ريب فيها وهي قريبة جداً: "بُعثت أنا والساعة كهاتين"، وقَرَن بين الوسطى والسبابة، حيث تنتهي القيامة بأن يرد المؤمنون الجنة والكفار جهنم.

في تفصيل نهاية العالم يتمايز أصحاب المذهب السنّي عن الشيعي، فالأول يرى أن نهاية العالم بأن يورث الله الأرض عباده الصالحين ولا يتم ذلك إلا بفتحها عبر الجهاد، في حين يقول الشيعة بقدوم المهدي المنتظر ليقيم العدل في الكرة الأرضية، وفي الحالتين يختتم تاريخ الإنسان بيوم القيامة، ومن ثم الحساب الذي يقود إلى الجنة والنار.

العولمة وكورونا

سادت في أواخر القرن العشرين، وإلى زمن قريب جداً، فكرة أن الكون أصبح قرية صغيرة، وأن الشركات العابرة للحدود ستتصدّر المشهد الاقتصادي، ولا شيء بعد ذلك، ثم جاء كورونا وخلط الأوراق الاقتصادية والسياسية والفكرية للإنسان من جديد، ليجعلنا على أهبة الولوج في عالم جديد ستتغيّر أقطابه ومراكز قواه الاقتصادية والسياسية.

إن هاجس الإنسان في السيطرة على وجوده، سواء أكان في عالم آخر مفارق أو استمرار لواقعه الحالي، لا يخرج عن محاولة الإنسان لتحويل مجهولية ولادته في هذه الحياة ومجهولية موته، إلى معرفة.

في أسطورة أوديب، سألته الهولة: "من أنت، من أين جئت وإلى أين تذهب؟" كما يذكر فرنان في كتابه، لم يكن جواب أوديب إلا على جزء من السؤال: "من أنت"؟ وكان الجواب كافياً للقضاء على الهولة، لكن بقية الأسئلة: "من أين جئت، وإلى تذهب؟" كانت الإجابة عنها فيما حدث له في طيبة من مآسٍ.

لقد ظنّ أوديب أنّه قد سيطر على التاريخ وأنهاه، وليس من هولة جديدة ستُقلق أهل طيبة، وكأنه أعادهم إلى الربيع الخالد قبل غضب زيوس، لكن الذي حدث أن أوديب قد فتح رمزياً بوابة التاريخ، وإلى الآن مازالت النهاية أبعد من خيال الإنسان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard