ما هو دور النساء في تشكيل الهويّة الإسلاميّة العبّاسيّة؟

الجمعة 24 أبريل 202002:20 م

ما هو دور النساء في تشكيل الهويّة الإسلاميّة العبّاسيّة؟ كيف تعبّر القصص المعنيّة بالنساء عن قضايا إسلاميّة كبرى تخصّ الجماعة والهويّة والعقيدة والنظام الأخلاقيّ والاجتماعيّ؟ كيف قارب المؤرّخون المسلمون شخصيّةَ هند بنت عتبة، الامرأة الجاهليّة بامتياز التي ساهمت في قتل حمزة عمّ الرسول (ص)؟ هل شفع إسلامها لها هذا؟ وكيف ساهمت هذه المقاربة في تشكيل الهويّة الأيدولوجيّة العبّاسيّة؟

ما هو الإغراء الذي مثّلته النساء القرمطيّات والبيزنطيّات للمجتمع العبّاسيّ؟ وكيف استُعمل هذا الإغراء في تحديد معالم الأنا والآخر؟ كيف غيّر الإسلام القيم التي يُحكم من خلالها على صلاح النساء أو فسادهنّ؟ كيف علينا أن نحيا وكيف يجب أن نموت وكيف علينا أن نتصرّف عند الموت؟


تقع هذه الأسئلة في دائرة اهتمامات كتاب "النساء والإسلام والهويّة العبّاسية" للمؤرّخة ناديا-ماريا الشيخ، أستاذة التاريخ الإسلاميّ في الجامعة الأميركيّة في بيروت، الصادر بالإنكليزيّة عن دار نشر جامعة هارفرد عام 2015 وبالعربيّة عن دار المشرق عام 2020 بترجمة هاني رمضان. يتتبّع الكتاب تاريخ ظهور الإسلام وتطوّره في الفترة المبكّرة وينتقل إلى تشكّل الوعي الإسلاميّ لمفهوم الأمّة في العصر العبّاسيّ عبر دراسة روايات عربيّة-إسلاميّة تُعنى بقضايا النساء أو تدور حول أخبارهنّ، منذ فترة ما قبل الإسلام وصولًا إلى العصر العبّاسيّ ضمنًا.

كيف قارب المؤرّخون المسلمون شخصيّةَ هند بنت عتبة، الامرأة الجاهليّة بامتياز التي ساهمت في قتل حمزة عمّ الرسول (ص)؟ هل شفع إسلامها لها هذا؟

ماذا يعني أن يكون المرء مسلمًا أو عربيًّا في الفترة العبّاسيّة؟

ماذا يعني أن يكون المرء مسلمًا أو عربيًّا في الفترة العبّاسيّة؟ تبيّن المؤرّخة في مقدّمتها كيف أنّ تحدّي الجاهليّة كان أمرًا هامًّا في تشكيل الوعي الإسلاميّ المبكّر. إذ تركّز الأخبار العبّاسيّة التي تُعنى بالجاهليّة على إظهار الفروق الأخلاقيّة والمعرفيّة والأيدولوجيّة بين الجاهليّة والإسلام. والإسلام يَجُبّ ما قبله، لكنّ النزعة الجاهليّة لم تستسلم بسهولة، وقد عاش المجتمع الإسلاميّ أحداثًا كان الانزلاق فيها نحو الجاهليّة أمرًا واردًا، منها وفاة الرسول وأحداث حروب الردّة التي تلتها على سبيل المثال.

تنطلق الدراسة من نصوص وروايات وأخبار تُعنى بالنساء وتتبّع نماذج لنساء شكّلن تحدّيًا للأسس التي قام عليها النظام الإسلاميّ الجديد كالنائحات والقرامطة ونساء الروم، أو لنساء مثّلن بأدوارهنّ الاجتماعيّة وتصرّفاتهنّ الأخلاقيّة سماحة الدين الجديد وصرن قدوةً تُحتذى. وتؤكّد الشيخ في كلّ فصل من كتابها أنّ الأسئلة والقضايا والصور النمطيّة المتعلّقة بالجنس والجنوسة تؤدّي دورًا مفصليًّا في مشاريع بناء الهويّة.

المجتمع الإسلاميّ المبكّر: سريع التغيّر بفرق وطبقات اجتماعيّة متنوعة

تؤكّد الشيخ في كلّ فصل من كتابها "النساء والإسلام والهويّة العبّاسية" أنّ الأسئلة والقضايا والصور النمطيّة المتعلّقة بالجنس والجنوسة تؤدّي دورًا مفصليًّا في مشاريع بناء الهويّة

تعرض الشيخ في مقدّمة كتابها عدّة مقاربات حديثة لدور المرأة في المجتمع والسلطة الإسلاميّين، الأمر الذي يسّهل على القارئ غير المتخصّص متابعة تحليلها. لكنّ المؤرّخة لا تنظر للتاريخ الإسلاميّ من منظور الجنوسة فحسب، بل تعتبر الإسلام نظامًا معقّدًا. فنراها تطرح قضايا الجنوسة في ضوء القضايا السياسيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة والفكريّة الأخرى. فالمجتمع الإسلاميّ المبكّر، كما تظهر الدراسة، كان سريع التغيّر، تنوّعت فيه الفرق والطبقات الاجتماعيّة.

ولهذا تطرّقت المؤرّخة في تحليلها لهموم الفرق المختلفة كالشيعة والخوارج والقرامطة وأهل الحديث واهتماماتها، وللقضايا الفكريّة مثل خلق القرآن وتعريف المسلم والكافر وموقع مرتكب الكبيرة، علاوة على الأحداث التاريخيّة الكبرى من حروب الردّة والتوسّع الإسلاميّ في سوريا والعراق ومصر والأندلس وشمال أفريقيا وما وراء النهر.

والنصوص بحسب المؤرّخة وإن كانت تسرد أحداثًا تاريخيّة فإنّها لا تعطي حقائق بقدر ما ترسم صورًا للعلاقات المعقّدة بين المكوّنات المختلفة للمجتمع العبّاسيّ. ويمثّل الكتاب نموذجًا يُحتذى في دراسة التاريخ العربيّ-الإسلاميّ ومعالجة النصوص العبّاسيّة بشكل نقديّ. فالمؤرّخة على تمام الوعي أنّ الأخبار عن "الجاهليّة" وصولًا إلى الفترتين الإسلاميّة الأمويّة وصلتنا من مصادر عبّاسيّة تخدم أيدولوجيّة آنيّة. ويلاحَظ تنوّع مصادر الكتاب من أدب وسيرة وتاريخ وحديث وتفسير وفرق وردود.

هند بنت عتبة، أمّ الخليفة معاوية بن أبي سفيان، مؤسِّس الدولة الأمويّة

يهتمّ الفصل الأوّل بهند بنت عتبة، أمّ الخليفة معاوية بن أبي سفيان ومؤسِّس الدولة الأمويّة. فترى الباحثة أنّ المصادر العبّاسيّة اتّخذت من هند رمزًا للجاهليّة ونظامها الأخلاقيّ، وهي التي عادت الرسول وتسبّبت في مقتل عمّه حمزة في فترة حرجة من التاريخ النبويّ. وتخلص الباحثة إلى أنّ التركيز على هند وجاهليّتها في المصادر يخدم الهويّة الإسلاميّة بلباسها العبّاسيّ. غير أنّ صورة هند في المصادر تغيّرت بعد إسلامها، كيف لا وقد صارت صحابيّة؟ تميّز الباحثة بين صورتين مختلفتين لهند، واحدة جاهليّة وثانية أمويّة إسلاميّة، وتتبّع التطوّر الأخلاقيّ لهذه الشخصيّة وتقارن بينها وبين معاصراتها المسلمات.

نائحات الإسلام الجاهليات 

يركّز الفصل الثاني على دور المرأة في مراسم الرثاء وطقوسه. فالطقوس الدينيّة بحسب الشيخ ترسم حدودًا بين المجتمعات والفرق الدينيّة، لذا فإنّ المجتمع الإسلاميّ المبكّر سعى لإيجاد طقوس خاصّة به فيما يتعلّق بالموت وطقوس الدفن والتشييع. وتدرس الشيخ هنا دور النائحة والنياحة عمومًا في المجتمع الإسلاميّ، وتسلّط الضوء على نساء لم يلتزمن بالقيود الجديدة وأصررن على استمرار النموذج الجاهليّ في التعبير عن الفجيعة والفقد. فالنواح والنحيب بالمنظور الإسلاميّ اعتراض على المشيئة الإلهيّة، ولكنّه في الوقت نفسه اعتراض على واقع قائم. وقد شكّل هذا الاعتراض برأي المؤرّخة منطقة وسيطة بين ما هو إسلاميّ وما هو جاهليّ.

ما هو الإغراء الذي مثّلته النساء القرمطيّات والبيزنطيّات للمجتمع العبّاسيّ؟ وكيف استُعمل هذا الإغراء في تحديد معالم الأنا والآخر؟ قراءة في كتاب  "النساء والإسلام والهويّة العبّاسية" للمؤرّخة ناديا-ماريا الشيخ (صدر بنستخه العربية، دمشق 2020)

الآخر القريب (القرامطة) والآخر البعيد (بيزنطة) 

يدرس الفصلان الثالث والرابع صورة "الآخر"؛ الآخر القريب (القرامطة) والآخر البعيد (بيزنطة). والقرامطة فرقة إسلاميّة تشكّلت في القرن الثالث الهجريّ/التاسع الميلاديّ اتُّهم أتباعها في المصادر العبّاسيّة بمشاركة الممتلكات ومنها النساء، وهنا منبع اهتمام المؤرّخة بهذه الفرقة. وترى الباحثة في هجوم المصادر العبّاسيّة على القرامطة محاولة رسمٍ لحدود هويّة اجتماعيّة-سياسيّة تركّز على الفرق بين المسلمين العباسيّين الذين يشكّلون الأغلبيّة الغالبة وبين الآخر المتوحّش والشاذّ والمفتقر لأدنى مبادئ الأخلاق والحضارة. وهنا تطرح المؤرّخة أسئلةً عن كيفيّة كتابة تاريخ الفئات المهمّشة: عن أيّ تاريخ نتكلّم، وما هي القصّة التي نكتبها؟ وهل تعبّر هذه القصص عن الفئات المهمّشة نفسها أو عن هواجس الفئة الغالبة؟

وبالنسبة للآخر البيزنطيّ ترى الشيخ أنّ المصادر العبّاسيّة في إضاءتها على الصور النمطيّة للرجل والمرأة والعلاقة بينهما في بيزنطة أو الروم تخدم بدورها الأيدولوجيا العبّاسيّة التي تبتغي الحطّ من قيمة الحضارة البيزنطيّة. وهذا أمر قد فصّله عدد من الباحثين ممّن اهتمّوا بالعلاقات العبّاسيّة البيزنطيّة. فقوانين العائلة والزواج وعدمه متباينة بين الحضارتين، ورفْضُ النموذج الاجتماعيّ-الأخلاقيّ البيزنطيّ يرسّخ النموذج الإسلاميّ العبّاسيّ.

المرأة الكاملة

المرأة القدوة أو الكاملة هو موضوع الفصل الخامس والأخير من الدراسة. تتتبّع المؤرّخة هنا روايات تُعنى بنساء عشن حول الرسول أو صحابيّات يشكّلن في الوعي الإسلاميّ نموذجًا يُقتدى. وترى المؤرّخة أنّ هذا النموذج موجود في القرآن (قصّة السيّدة مريم مثلًا) ورسّخته كتب السيرة والحديث والتاريخ.

فالصحابيّات يشكّلن نماذج للصلاح سواء في المنزل أو المجتمع وحتّى في الحروب. وتركّز الباحثة هنا على صورة زوجتين للرسول هما خديجة وعائشة التي كانت قد شكّلت تحدّيًا للمؤرّخين بسبب دورها في الأحداث السياسيّة التي تلت وفاة الرسول. كما تخصّص قسمًا لامرأتين مثّلتا نموذجين للطهارة في الإسلام هما فاطمة بنت الرسول ومريم.

ماذا يعني أن يكون المرء مسلمًا أو عربيًّا في الفترة العبّاسيّة؟ وما هو دور الجنس والجنوسة في بناء الهوية العباسية؟

تتتبّع الشيخ في كتابها تشكّل الهويّة الإسلاميّة في مقابل الآخر الأنثويّ الماضي (الجاهليّة)، والرافض (النائحة)، والآنيّ (نساء القرامطة والروم)، أو تشكّلها بالنموذج الداخليّ المثالي (النساء الصالحات). ويقدّم تتبّع تشكيل الهويّة بقضايا الجنوسة للقارئ رؤية جديدة وغنيّة للتاريخ العربيّ-الإسلاميّ منذ ما قبل الإسلام حتّى منتصف العهد العبّاسيّ من خلال قضايا الجنوسة. ونرجو أن تحذو محاولات أخرى حذو هذا الكتاب في مقاربة التاريخ العربيّ-الإسلاميّ بعدسات مختلفة علّنا نستطيع تشكيل تواريخ مغايرة للتاريخ السياسيّ الرتيب الذي ما يزال رائجًا حتّى الآن.

يمكن الاستماع إلى المقالة بصوت الدكتور الأورفه لي:

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard