عن كورونا اليابانية

الجمعة 24 أبريل 202011:26 ص

ما أن بدأ تداول الاسم على نطاق واسع في وسائل الإعلام، تحديداً بعد التحذير الذي أطلقته منظمة الصحة العالمية، في الشهر الأول من العام الجاري، عن تفشي العدوى خارج الصين، وإعلانها حالة طوارئ عالمية، حتى بدأ الناس بالسخرية من تطابق اسم الفيروس المسبب للمرض مع "كورونا بلس"، الجعة الشهيرة، المصنوعة في المكسيك والمملوكة لشركة بلجيكية. الطريف في الأمر أن مبيعات الأخيرة سرعان ما شهدت تراجعاً ملحوظاً، وكأن الناس يتطيّرون من الاقتراب من أي شيء وكل شيء ذي علاقة بكورونا، بل قارن البعض النفور العالمي من اسم "أدولف" عقب الحرب العالمية الثانية، لارتباطه في الذاكرة بالزعيم النازي هتلر، برد الفعل الشعبي الحالي من كورونا.

لم تستثن العدوى بلداً، حتى هنا في قعر الكرة الأرضية في نيوزلندا، الأمر الذي دفع رئيسة الوزراء الى إعلان الإغلاق العام، باستثناء المرافق والخدمات الأساسية، ورغم ذلك، تجاوز عدد المصابين سريعاً حاجز الألف شخص، وإن تشافى معظمهم بعد مرور فترة قصيرة، لكن الاسم الأول للفيروس المسؤول عن الوباء (يُشار له الآن ب COVID-19) جعلني استرجع ملامح كورونا مختلفة كنت قد ألفتها خلال عيشي في العراق، كورونا يابانية الصنع، معدنية الهيكل، زرقاء اللون، حملت اسم وشعار شركة "تويوتا".

شركة صناعة السيارات يابانية الأصل، عالمية الانتشار، أوقفت إنتاج كورونا منذ قرابة عشرين عاماً، لكن ذكراها ما زالت ماثلة في أذهان أجيال من سائقي السيارة العتيدة في شتى البلدان، وأنا أحدهم، فرحت أسترجع السيارات التي مرّت على أسرتي منذ بدأ تشكّل الوعي لدي في أواسط سبعينيات القرن العشرين. في تلك الفترة، كان العراق يرزح تحت حكم حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كان اشتراكياً فقط في شعاراته والمعاناة التي فرضها على مواطنيه، بينما تنعّمت قياداته والدوائر المحيطة بها، بنمط حياة باذخ كان بعيداً تماماً عن الاشتراكية وقيمها.

شوارع بغداد كانت شبه خالية من السيارات الأمريكية، باستثناء تلك المصنوعة في الخمسينيات والستينيات، والتي قاومت عوامل التعرية والاستخدام الثقيل، فكانت تُرى بتصاميمها الغريبة وأحجامها الهائلة وهي تجوب المدينة كما لو كانت أطباقاً فضائية مستهلكة، أو ربما ديناصورات. عندما كنا نمر بإحداها، كان والدي يحدثني عن سيارته الشيفروليه (يطلق العراقيون عليها تسمية "شوفر") التي ابتاعها عند عودته من رحلته الى الولايات المتحدة، بعد حصوله على شهادة التخصّص في الأمراض الباطنية والقلبية من جامعة نيويورك.

آخر الوافدات الى دارنا عام 2002، كانت سيارة بيضاء نوع "بروتون" ماليزية الصنع. في تلك الأثناء، كان عدد من قيادات الجيش وحزب البعث، بل وأفراد من قبيلة الرئيس أيضاً، إثر الانشقاق الذي تسببت به حادثة انقلاب صهريه، حسين وصدام كامل، في مطلع التسعينيات، ثم قيامه بتصفيتهما بطريقة دموية مريعة، قد بدأوا بالفرار من السفينة قبل غرقها، فاتبع النظام أسلوبه المعهود في شراء ولاء المحيطين به بالمزيد من العطايا، وكانت سيارات بروتون الماليزية إحداها

لم تتسن لي رؤية تلك الشوفر، باستثناء صورة قديمة بالأسود والأبيض لوالديّ وهما يقفان أمامها خلال فترة خطوبتهما، اذ أبصرت النور بعد ذلك بأكثر من عشر سنوات. أول سيارة أستطيع تذكّر وجودها في حياتنا كانت ماركة "فيات" الإيطالية، ورغم كفاءتها في تحمّل مشاق شوارع بغداد وقتها، ووعورة الطريق البري الرابط بين العراق وسوريا ولبنان وطرقه الجبلية، حيث كانت أسرتي تمضي عطلات الصيف قبل اندلاع الحرب الأهلية، كنت ومازلت أجد تلك الفيات غاية في القبح بتصميمها الهندسي الصارم، كأنها قطعة آجر، الأسوأ من ذلك كان لونها الكاكي القميء، ولحسن الحظ أن مقامها عندنا لم يطل، فقد اشترت الأسرة في أواخر السبعينيات سيارة فولكس فاغن من طراز "باسات"، كانت الحكومة قد استوردتها للتو من البرازيل، وأذكر جيداً انبهاري بتصميمها الحديث وهي تدخل مرآب دارنا أول مرة.

بقيت الباسات لدينا حتى بداية العقد التالي عندما حلت محلها "كورونا" ذات لون أزرق برّاق، كان أكثر ما ميّزها كفاءة جهاز التكييف فيها، وقدرته على إحالة قيظ الصيف في دقائق معدودة الى نسيم ربيعي منعش، وهي سمة معظم سيارات تويوتا الأخرى، بالإضافة الى سهولة الصيانة، وان افتقرت للمتانة والثبات على الطريق بالمقارنة مع نظيراتها الأوروبيات.

كورونا الزرقاء أسّست لعلاقة ثقة جمعت الأسرة بمنتجات تويوتا، وامتدّت لسنوات، مع ابتياع والدي لـ"سوبر صالون" بيضاء إنتاج 1982، ظل يستخدمها حتى تقدّم به العمر، وقرر الأخذ بنصيحتي باعتزال السياقة حرصاً على سلامته، لكن كورونا الزرقاء بقيت السيارة التي علمتنا نحن الأبناء الثلاثة القيادة، وبالتالي فقد عانت من الرضوض والاستخدام السيء، وصدمات متعاقبة، حتى أنها أمست في أواخر عهدها شبه منعدمة اللون، لكثرة البقع والقشور والطلاء والصدأ لذي تراكم على هيكلها، فلم يعد ممكناً رؤية لونها البرّاق الأصلي سوى في أماكن قليلة في أسفلها، أو عند حواف أبوابها، لكن تكييفها ومحركها ظلا يعملان بذات كفاءتهما الأولى حتى النهاية.

عندما تم قبولي في جامعة بغداد لدراسة العمارة في عام 1987،كانت هديتي سيارة باسات بيضاء جديدة، اشتريناها من أحد الضباط، فالحرب مع إيران كانت في أوجها، وكان النظام حريصاً على توزيع المكافئات من أموال وقطع أراض وسيارات بشكل دوري على قيادات الجيش، فكانت حصة الضباط من ذوي الرتب الأدنى سيارات فولكس فاغن باسات، والتي بات العراقيون يطلقون عليها تسمية "برازيلي" نسبة الى بلد الصنع، فعجّت شوارعنا بالآلاف منها، وصار لها حضور في الأغاني الشعبية والنكت والطرائف التي تداولها الناس، وكذلك إشاعات تردّدت همساً عن أن حرص الحكومة على استيراد ذلك الصنف بعينه من إنتاج شركة فولكس فاغن الألمانية، من البرازيل حصراً، طيلة أكثر من عشر سنوات، كان سببه امتلاك "ساجدة طلفاح" زوجة صدام حسين، أسهماً في المصنع البرازيلي، وقد يؤيد ذلك المزاعم، دون أن يؤكده، أنني عثرت على ويكيبيديا، وبعض المواقع عن السيارات في البرازيل، على إشارة إلى أن المصنع قد تخصّص بتوريد الباسات الى العراق حصراً خلال الثمانينيات، ثم توقف إنتاجه وأُغلِق عقب انتهاء الحرب عام 1988، بعد أن أنتج قرابة سبعمئة ألف سيارة.

لطالما أدهشتني قدرة الذاكرة على استدراجي الى الغوص في تلافيفها، فمن كان يظن أن اسم الفيروس المُسبب لوباء أجبر العالم بأسره على الإغلاق والدخول في حالة سبات غير مسبوقة سيحملني في جولة عبر تاريخ العراق المعاصر، وأصناف السيارات التي قادها مواطنوه عبر مراحله السياسية المتعاقبة!

آخر الوافدات الى دارنا عام 2002، كانت سيارة بيضاء نوع "بروتون" ماليزية الصنع. في تلك الأثناء، كان عدد من قيادات الجيش وحزب البعث ووزارة الخارجية، بل وأفراد من قبيلة الرئيس أيضاً، إثر الانشقاق الذي تسببت به حادثة انقلاب صهريه، حسين وصدام كامل، في مطلع التسعينيات، ثم قيامه بتصفيتهما بطريقة دموية مريعة، قد بدأوا بالفرار من السفينة قبل غرقها، وطلبوا اللجوء في الغرب، أو الانضمام الى حركات المعارضة، فاتبع النظام أسلوبه المعهود في شراء ولاء المحيطين به بالمزيد من العطايا، وكانت سيارات بروتون الماليزية إحداها، حتى أننا ابتعناها من أحد العاملين في سفارة العراق في ألمانيا، دون أن يتاح لنا التواصل معه مباشرة، إذ تم التسجيل عن طريق صاحب معرض للسيارات.

السيارة الجديدة كانت من حصة شقيقتي بعد أن تعلّمت القيادة بكورونا الزرقاء أيضاً، ولم تكن ذات تصميم ملفت، كما هو حال النماذج المصنّعة منها لاحقاً، التي شاهدتها خلال زيارتي لكوالالمبور بعد مرور سنوات، لكنها كانت واحدة من عدد محدود من أصناف السيارات الحديثة، سمحت الحكومة باستيرادها عن طريق "مذكرة التفاهم" التي وقعها العراق مع الأمم المتحدة، بسبب الحصار الدولي المفروض عليه منذ التسعينيات، وأتاحت له شراء بعض السلع الأساسية، فأوعز ابنا الرئيس عدي وقصي لأفراد حاشيتيهما بالقيام بأدوار الوسطاء والوكلاء في إتمام الصفقات، مقابل حصولهما على حصة الأسد من الغنائم، وشهدت شوارع العراق ظهور سيارات "بيجو" الفرنسية من جديد، بعد غيابها لعقود. لم تقد شقيقتي سيارتها الحديثة لفترة طويلة، اذ اندلعت الحرب التي أطاحت بصدام في العام التالي، وبات واضحاً بعد انتهائها أن الأيام والسنوات القادمة ستجرّ المزيد من العنف والفوضى، فحزمت أمرها على الهجرة لتأمين مستقبل أفضل لطفلتها خارج العراق.

لطالما أدهشتني قدرة الذاكرة على استدراجي الى الغوص في تلافيفها، فمن كان يظن أن اسم الفيروس المُسبب لوباء أجبر العالم بأسره على الإغلاق والدخول في حالة سبات غير مسبوقة سيحملني في جولة عبر تاريخ العراق المعاصر، وأصناف السيارات التي قادها مواطنوه عبر مراحله السياسية المتعاقبة!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard