خلّفت تسع ضحايا في لبنان… حجج "الشرف" و"الاختلال العقلي" تعود لتُبرّر "المجزرة"

الأربعاء 22 أبريل 202003:13 م

قضى تسعة أشخاص، بينهم طفلان وامرأة، في بلدة بعقلين بقضاء الشوف (جبل لبنان)، في مجزرة بشعة. اللافت أنه قبل القبض على الجاني، المرجح أن يكون زوج المغدورة، بدأ التبرير له مسبقاً بطرح سيناريوهات تعدّ الحادثة "قضية شرف" أو الفاعل "مختلاً عقلياً".

المجزرة التي فجع بها لبنان، في 21 نيسان/أبريل، ونفذت بسلاح للصيد وذهب ضحيتها ستة سوريين وثلاثة لبنانيين، لم تُكشف ملابساتها إلى الساعة، غير أن "الجاني بات معلوماً" وفق الوكالة اللبنانية الوطنية للإعلام.

بحسب ما نشرته الوكالة، فإن الجاني هو "م.ح. الذي بدأ مسلسل القتل بزوجته وله منها طفلتان، مع عدم استبعاد أن يكون شقيقه ف.ح. مشاركاً بعدما ظهرت سيارته في أحد الأماكن القريبة من مسرح الجريمة المتنقل".

وذكرت صحيفة "الأخبار" المحلية أن الفرضية الأولى الأكثر تماسكاً لدى السلطات الأمنية هي أن "الجريمة بدأت من منزل المشتبه فيه الذي يُعتقد أنه ذبح زوجته منال لاتهامه لها بخيانته مع أحد العمّال قبل أن يتوجه ليُجهز على جميع العمال السوريين بمساعدة شقيقه. أما قتله شقيقه كريم (إحدى الضحايا)، فترجّح القوى الأمنية أنه قد يكون حصل عن طريق الخطأ".

في غمرة الأنباء المتصلة بالمجزرة المروعة، برزت ثلاثة محاور أساسية: التبرير للقاتل بـ"الشرف" وبـ"الاختلال العقلي"، وتفضيل أولوية السبق الصحافي على احترام الموتى، وبث صور ولقطات للضحايا من دون رأفة بذويهم.

وانتقد مواطنون كثر محاولات البعض استدعاء السياسة والطائفية في توجيه اللوم إلى أهالي منطقة الشوف، وتحديداً بلدة بعقلين.

"الشرف والمرض العقلي"

ونددت "الأخبار" بـ"البحث عن ‘أسباب‘" لهذه المجزرة التي وصفتها بـ"جريمة ضد المستضعفين"، معتبرةً أن ذلك "يبدو نوعاً من دفاع المجتمع عن نفسه"، ولافتةً إلى أن "ثمة أفراداً من الأشد ضعفاً في المجتمع، كالطفلين، تُضاف إليهما صفة سوريين ليزداد منسوب استضعافهما في لبنان. وامرأة، يكفي ذلك لاختصار أنظمة اجتماعية تختلق سبباً ‘وجيهاً‘ لقتل امرأة".

جاء ذلك تعليقاً على تصريح النائب في "الحزب التقدمي الاشتراكي" مروان حمادة، بعد تفقده مسرح الجريمة، بأن المجزرة "قد تكون جريمة شرف".

اللافت أنه كان قد أُلغي في آب/أغسطس عام 2011 ما يعرف بـ"جرائم الشرف" من قانون العقوبات اللبناني، بحسب المادة 562 منه الصادرة عام 1943. كانت هذه المادة "تؤمّن لمرتكبها الاستفادة من العذر المحلّ في حال ارتكبها من الذكور الأزواج أو الأصول أو الفروع أو الأخوة، في حين لا تستفيد من أحكامها الإناث الموضوعات في الظروف النفسية والأخلاقية والاجتماعية ذاتها حال ارتكابهنّ الفعل الجرمي نفسه".

"جريمة شرف ومختل عقلي، أفضل تبريرين لدفن الحقيقة خلف جريمة بعقلين بأرضها ومعها العدالة لأرواح الضحايا. الأخطر إنو نسمعها عن لسان مسؤول... ذبحتونا بشرفكن"

لكن هذه المادة، على ما يبدو، لم تُمحَ بعد من عقول بعض المشترعين مثل حمادة، وهذا ما أدى إلى هجوم شديد عليه واتهامه بمحاولة "حماية القاتل والتبرير له".

في هذا السياق، قالت الصحافية والناشطة النسوية والحقوقية حياة مرشاد: "جريمة شرف ومختل عقلي، أفضل تبريرين لدفن الحقيقة خلف جريمة بعقلين بأرضها ومعها العدالة لأرواح الضحايا. الأخطر إنو نسمعها عن لسان مسؤول متل مروان حمادة. ذبحتونا بشرفكن #النظام_الأبوي_القاتل".

وعلقت الصحافية والمخرجة سحر حسين غدار قائلةً: "النائب التقدمي ‘الكتير تقدمي‘ طالع معو إنو اللي صار ببعقلين ‘جريمة شرف‘... ولك يلعن شرف كل مين ببرر قتل النساء والتعنيف وبيتخبى ورا مصطلحات مقززة وتافهة بتشبه نفسيتو! ما هو لو فيهن شرف بيستكوا وبحاربوا كرمال إحقاق الحق! بس فاقد الشيء لا يعطيه!".

ورأى الكاتب جورج موسى أن "التاء المربوطة ما زالت على عنق نساء هذا الشرق لعنة تطاردهن حتى قبل أن يُبصرن النور... الله يلعن هيك شرف يهزّ عائلات ومجتمعات، وهو معلّق بفتحة صغيرة بآخر جسم المرأة".

في خضم هذا النقاش برز منشور سابق للمغدورة، منال، كتبته في إحدى المجموعات النسائية في أيلول/سبتمبر من العام الماضي، تعرّف فيه عن نفسها وتستفيض في الحديث عن حبها وامتنانها لزوجها و"حنيته" (حنانه) عليها.

وأعرب معلقون ومراقبون عن غضبهم من أن تقتل الزوجة الشابة بيد من كانت تكن له "الحب والإخلاص".

السبق الإعلامي وحرمة الموتى

من الأمور التي أثارتها هذه الجريمة كذلك كان الجدل بشأن الحفاظ على حرمة الموتى مقابل الحرص على السبق الصحافي والإعلامي، أو تحقيق تفاعل أوسع عبر السوشيال ميديا. فقد تداولت القنوات اللبنانية مقاطع فيديو للجثث الملقاة في مسرح الجريمة، بعضها وضع تمويهاً على الوجوه، فيما تناقل مشاهدون الصور ومقاطع الفيديو وتسجيلات صوتية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

"محاولة تسجيل نقاط سياسية من خلال الجريمة المروعة التي حصلت في بعقلين أمر يوازي الجريمة ببشاعتها ويسيء إلى الضحايا التسع الذين سقطوا إثر جنون فردي لا علاقة للبلدة به"

ودعا إعلاميون ومغردون على تويتر إلى "احترام أرواح الضحايا" بعدم تداول فيديو الجريمة وإرساله إلى المجموعات المختلفة وصفحات التواصل الاجتماعي "بس عشان لايك وتفاعل".

وشددوا على أن "السبق الصحافي ما بيعني أنك تنشر فيديو جريمة بشعة مبين وجوه الضحايا!".

تسييس الجريمة

بدت في بعض التعليقات محاولات لتسييس الجريمة وربطها بأهالي منطقة الشوف وانتشار السلاح فيها، وهذا ما دفع الكثيرين من الأهالي وسواهم إلى الرد. من هؤلاء من اعتبر أن "العنف ضد المرأة وقتلها بسبب أفكار تتصل بالمنطلقات الشخصية والثأر من أطفال وأبرياء ثقافة لا تلازم بلدة أو منطقة أو جماعة أو شعباً بل هي ثقافة منتشرة، للأسف، ويجب مواجهتها بكسر موروثات التخلف في تفكيرنا".

وأضاف: "محاولة تسجيل نقاط سياسية من خلال الجريمة المروعة التي حصلت في بعقلين أمر يوازي الجريمة ببشاعتها ويسيء إلى الضحايا التسع التي سقطت إثر جنون فردي لا علاقة للبلدة به".

يُشار إلى أن رئيس الوزراء حسان دياب دان الجريمة المروعة، داعياً الأجهزة الأمنية والقضائية إلى الإسراع في كشف ملابساتها من أجل الوصول إلى الجناة ومحاسبتهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard