لماذا كلّما تظاهرت النساء في الشوارع يتهمونهن بالعهر؟

الثلاثاء 29 أكتوبر 201904:04 م
Read in English:

If She Joins Demonstrations, She Must Be A Whore

وجّهت السفارة الأوكرانية في بيروت رسالة شديدة اللهجة إلى محطة OTV التابعة لرئيس جمهورية لبنان، ميشال عون، تنديداً بما قالته الصحفية والكاتبة سكارليت حدّاد، يوم الأربعاء الماضي، في أحد البرامج على شاشتها، ساخرةً من المتظاهرين ومتسائلةً عن عدد النساء اللبنانيات والأوكرانيات اللواتي قد يحبلن في هذه المظاهرات المستمرة في ساحة رياض الصلح، مطالبة المحطة بالاعتذار على ما اعتبرته إهانة بحق المرأة اللبنانية والأوكرانية.

وفي اليوم التالي مباشرة، تهجّم الملحن سمير صفير على مذيعة قناة MTV خلال قيامها بواجبها المهني، حيث كانت تقوم بتغطية المظاهرات، وطلب منها أن تكف عن العهر، كما وصف المتظاهرين وكل من هو ضد العهد بالعهرة.

يبدو أن مؤيدي الديكتاتوريات لديهم طريقة واحدة للتفكير، وكليشيهات جاهزة لوصف من يخالفهم الرأي، ومن يختار أن يكون حراً، أو حتى من يحاول، خاصة النساء منهم ومن يعملنّ بالحقل السياسي أو الإعلام السياسي. وهذا ما اختبرناه جيداً من خلال تجربتنا في الثورة السورية التي تم سحقها بكل إجرام.

بالإضافة إلى اتهام المتظاهرين السلميين بالاندساس وتنفيذ الأجندات الخارجية في بداية الثورة، تم اتهامنا، نحن النساء اللواتي خرجنا بالمظاهرات السلمية التي كانت تطالب برحيل الأسد ونظامه، بالعهر والدعارة. وكان بعض مؤيدي النظام يقولون إننا إنما نقصد بالحرية التي نطالب بها، حرية التعري وممارسة الجنس في الشوارع، حتى من قبل المؤيدين من سكان بعض المدن التي تدّعي التحرر (ظاهرياً) أكثر من غيرها.

مؤيدو بشار الأسد ذاتهم الذين اتهمونا بالعهر وأيدوا القاتل وساهموا معه في قتلنا، حتى قبل أن يتحول مسار الثورة عن سلميته، تغنوا بثورة لبنان (التي تستحق كل الاحترام والدعم)، وأثنوا على مشاركة المرأة اللبنانية (العظيمة)، في الوقت الذي اتهمونا فيه بالعهر.

أريد هنا الحديث فقط من هذه الزاوية: العهر، الجنس، الدعارة... دون التطرق إلى القنوات الأخرى التي تستخدمها الأنظمة لقمع معارضيها، ابتداءً من القمع اللفظي وانتهاء بالقتل.

لم يجد المعارضون لهذه المظاهرات في لبنان حجة غير العهر، لأنها سلمية غير طائفية ولا أحزاب تقودها، ثورة نقية حتى الآن، لا تشوبها شائبة. لذلك المخرج الوحيد لانتقادها هو آخر ثالوث المحرمات، أي الجنس.

الغريب أن ما قالته سكارليت حداد، "المرأة" التي من المفترض أن تناصر المرأة، كونها تعرف هموم النساء والظلم الذي يتعرضن لها، قالت ما قالته على محطة أولاً تدّعي الانفتاح والتحرر وتجاهر باختلاف الفئة التي تمثلها عن باقي فئات الشعب اللبناني، ثم ساندها أحد الضيوف بقوله إن ما يحدث في الساحات إباحي، وثانياً، رئيس الجمهورية الذي تتبع المحطة لتياره اعترف بالمظاهرات وبأحقيتها، ولو مجبراً.

إنه المنهج ذاته الذي يستخدمه كل دكتاتور بلسان رجال أمنه وعملائه ومؤيديه. إنها أحد الطرق المفضلة للنظام المصري في عهدي مبارك والسيسي لإذلال المعارضين، يقومون بمراقبتهم واتهامهم بممارسة الزنا أو المثلية الجنسية (وكأنها تهمة، بالإضافة الى تهم أخرى طبعاً)، ويتم تصويرهم في حال سمحت الظروف وابتزازهم، ثم إطلاق الفيديوهات على الإنترنت بطريقة مهينة، لأن هذا النظام يعرف أن للمجتمع العربي خطوطاً حمراء في العلن (الغالبية تكسرها في السر في كل مكان) لكن الويل لمن يقع.

لم يجد المعارضون لهذه المظاهرات في لبنان حجة غير العهر، لأنها سلمية غير طائفية ولا أحزاب تقودها، ثورة نقية حتى الآن، لا تشوبها شائبة. لذلك المخرج الوحيد لانتقادها هو آخر ثالوث المحرمات، أي الجنس.
في الوقت الذي تغذي فيه الدكتاتوريات، بشكل مباشر وغير مباشر، قضايا "الشرف" عبر رجال أمن ورجال دين تابعين لها، تتغاضى عن الفقر والجوع والفساد، كما تتغاضى عن الاتجار بالنساء والأطفال.

بشار الأسد ونظامه الأمني أيضاً وجّه نفس التهمة لمعارضيه رغم أنه يدّعي العلمانية، كما أذلهم باغتصاب بناتهم أمامهم أو تعريتهم أو حتى إجبار الأب على التعرّي أمام بناته. جهاد النكاح كان حديث المحطات الموالية للنظام السوري قبل أن توجد داعش، وحتى قبل انتشار الفصائل الإسلامية، ولا أعني أنه انتشر فيما بعد.

في الوقت الذي تغذي فيه الدكتاتوريات، بشكل مباشر وغير مباشر، قضايا الشرف عبر رجال أمن ورجال دين تابعين لها، وتبيح لبعض المواطنين أن يكونوا مجرمين عبر قوانين جرائم الشرف التي لم يتم تعدليها، وتفتح منابرها الإعلامية للتشهير بالمواطنين، تتغاضى عن الفقر والجوع والفساد، كما تتغاضى عن الاتجار بالنساء والأطفال، وشبكات الدعارة المنظمة التي يمكن أن تكون تحت رعاية هذه الدكتاتوريات نفسها.

التضامن مع ضحايا هذا الخطاب ورفضه هي أحد الحلول ربما، لكي تكف الأنظمة الدكتاتورية ومؤيدوها عن بث هذه الإشاعات وتلفيق هذا النوع من التهم، التي من المفترض ألا تكون موجودة في القرن الواحد والعشرين، إذ لا توجد علاقة بين الحياة الجنسية للناس، والنساء خاصةً، بعملهم وآرائهم. التغيير الذي لا بد منه قادم، ليزيح كل هؤلاء الرؤساء والملوك العرب ولو بعد حين...

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard