"هل فيها شيء غامض لا نفهمه؟"... صراعات النظام المصري مع رجال الأعمال الأثرياء

الخميس 16 أبريل 202011:21 ص


جددت الأزمة الناتجة عن انتشار فيروس كورونا الحديث عن طبيعة العلاقة المرتبكة بين السلطة في مصر، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبين شبكة رجال الأعمال الأثرياء.

وشهدت الفترة القريبة الماضية تعرّض بعض رجال الأعمال المصريين لحملات هجومية ضارية على مواقع التواصل الاجتماعي، وعبر بعض الوسائل الإعلامية، بسبب موقفهم الذي وُصف بـ"المتخاذل" من التبرع ومساندة الدولة في هذه الفترة العصيبة.

عودة قليلاً إلى الوراء

بالرجوع قليلاً إلى الوراء، نجد أنّ الفترة الرئاسية الأولى للسيسي، بين عامي 2014 و2018، شهدت بالفعل توتراً بينه وبين رجال الأعمال. فالجنرال القادم من بيروقراطية الحياة العسكرية لم يكن يبحث عن تبرعات فقط من رجال الأعمال لصندوق "تحيا مصر"، ولكنه كان يريد منهم استثمارات دولارية حقيقية، تُغني الدولة عن اللجوء إلى المؤسسات المالية الدولية للحصول على قروض، لكن مراده لم يتحقق، فلم يسحب منهم لا تبرعات ولا استثمارات حقيقية، رغم مطالبته لهم رسمياً بهذا الأمر.

ثمة تخوّف لدى رجال الأعمال من الاستثمار في مصر، لا سيما في ظل هيمنة المؤسسة العسكرية على كثير من القطاعات المدنية، والمنافسة غير المتكافئة معها، هي الأكثر تنظيماً.

ولمّح السيسي إلى الأمر في اجتماع له مع رجال الأعمال بتاريخ 30 كانون الأول/ ديسمبر 2015، عندما قال: "لا يوجد أي سبب يجعلهم (رجال الأعمال) خائفين من الاستثمار في بلدهم"، مشيراً إلى أن مصر مرّت بظروف شديدة الصعوبة، وأن الجهد المبذول حالياً يستهدف إعادتها إلى وضعها الطبيعي مرة أخرى.

وأكدّ الرئيس المصري لرجال الأعمال أن الحكومة لن تأخذ أية أموال منهم "خارج القانون"، وأن القانون هو الحاكم للعلاقات بين الدولة وجميع رجال الأعمال.

عدم استجابة رجال الأعمال للتبرع لصندوق "تحيا مصر"، أو ضخ استثمارات كما أراد النظام، كان سبباً في ظهور دعوات من قبل تنظيمات وأحزاب سياسية موالية للسلطة، مثل حركة "تمرد"، لتشكيل ما سُمّي في ذلك الوقت بـ"القوائم السوداء لرجال الأعمال الممتنعين عن التبرع للصندوق".

وكانت هذه التحركات نوعاً من "الضغوط" المدفوعة من قبل "جهات سيادية" ضد "شبكة المليارديرات"، لكنها لم تثمر أيضاً مع النفوذ القوي لأصحاب الثروة والسلطة في مصر.

وتضمنت قائمة مجلة "فوربس" للمليارديرات العرب لعام 2020، أربعة مصريين، يتقدمهم ناصف ساويرس بخمسة مليارات دولار، ثم محمد منصور لـ3.3 مليارات دولار، ثم نجيب ساويرس بثلاثة مليارات دولار، وأخيراً ياسين منصور بـ2.2 مليار دولار.

تصل معدلات الفقر في مصر إلى 32.5% من عدد السكان.

في المقابل، كشف تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، المنشور في تموز/ يوليو 2019، ارتفاع معدلات الفقر في البلاد لتصل إلى 32.5% من عدد السكان، بنهاية العام المالي 2017/ 2018، مقابل 27.8% لعام 2015/ 2016.

وقالت وزيرة التخطيط هالة السعيد إن تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي في الفترة بين عامي 2016 و2018، هو السبب وراء ارتفاع معدلات الفقر بنسبة 4.7%.

عودة الحديث عن "شبكة" رجال الأعمال

الآن، مع تصاعد الأزمة الناتجة عن انتشار كورونا، عاد الحديث بقوة عن ضرورة مساندة "شبكة" رجال الأعمال للدولة المصرية في كبح تفشي الفيروس.

واتخذت السلطة إجراءات احترازية مثل فرض حظر التجوّل وتقليل العمالة، وهي الإجراءات التي أغضبت رجال أعمال، مثل رؤوف غبور، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لـ"مجموعة جي بي غبور أوتو"، والذي قال، في برنامج على فضائية "القاهرة والناس"، إن قطاعات عديدة ستعاني إذا استمرت الأزمة التي تمر بها البلاد بسبب فيروس كورونا ثلاثة أو أربعة أشهر، وستتعرض شركات كبيرة للإفلاس.

واعتبر أن الاقتصاد المصري لا يتحمل هذا الوضع لوقت طويل، وأن إجراءات السلطة سينتج عنها دمار اقتصادي يعود على المجتمع بالسلب عبر انتشار السرقات والإجرام والتشرد.

ورفض غبور فكرة التبرع قائلاً: "رجال الأعمال خلال الفترة الأخيرة لم يحققوا أرباحاً، وتحملنا جميعاً كرجال أعمال ضريبة التعويم بنفس راضية لأن هذا القرار يصب في صالح الأجيال القادمة، ولا نستطيع بعد الخروج من هذه الخسائر و’يدوب لسه هنقول يا هادي ندخل على كورونا ويتقالنا اتبرعوا’، نحن لا ندخر جهداً في أننا نساهم ولكن المثل يقول اللي محتاجه البيت يحرم على الجامع، وبناء على المؤشرات، الشركة ستواجه أزمة سيولة خلال الفترة القادمة وأنا مطالب بالتبرع في هذا التوقيت هقول: لا آسف ما قدرش".

واتفق معه في هذه الرؤية الملياردير حسين صبور، أحد أباطرة شركات التنمية العقارية والسياحية، والذي شغل خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي منصب رئيس "المجلس المصري الأمريكي"، المشرف على إنفاق المعونة العسكرية الأمريكية لمصر، إذ أدلى بتصريحات رافضة للتبرع للدولة ورافضة لتوقف العمل.

وقال صبور: "رجَّعوا الشغل فوراً، ناس هتموت لكن مش هنفلس"، متابعاً: "الشغل يشتغل، فيه ناس هيمرضوا وفيه ناس هيموتوا، لكن البلد هتعيش، أنور السادات لما راح دخل إسرائيل أو دخل سيناء، وهو داخل سيناء عارف إن هيموت عنده عساكر، لكن كان لازم يدخل سيناء، النهاردة أروح أقعّد الناس في بيوتهم ونقفل البلد؟".

ولم تكن تصريحات الملياردير نجيب ساويرس، رئيس مجموعة أوراسكوم للاستثمار، بعيدة هذه الرؤية. خرج محذراً من توقف الإنتاج والعمل في المصانع والمزارع، وقال: "لو توقّف الإنتاج في المزارع والمصانع ستحدث مجاعات"، كاشفاً عن أنه تفاهم مع الموظفين التابعين له على خفض رواتبهم بنسبة 50% حتى تنتهي الأوضاع الحرجة التي يمر بها الاقتصاد بسبب فيروس كورونا، مع التأكيد على عدم تسريحهم.

بعد يوم فقط من تصريحه المذكور، تراجع ساويرس وقال: "هنيجي بعد شهرين ثلاثة نواجه مجاعات. الفنادق خفضت مرتبات الموظفين 50%، لكن مجموعتنا لم تخفض ولم نترك أي عامل يمشي، ومقتنعين أن الموضوع ده آخره شهور، لكن افرض استمر سنة أو اتنين".

قوبلت هذه التصريحات بهجوم ضارٍ ظهر على مواقع التواصل الاجتماعي وصل حد الدعوة إلى تأميم ثرواتهم. وتطرق السيسي إليها محذراً القطاع الخاص من خفض مرتبات الموظفين، "بالشكل الكبير الذي أعلن عنه بعض رجال الأعمال، بالإضافة إلى تسريح عدد من العاملين".

وتابع: "الدولة مجتش قالت إننا هندي المرتبات بخفض 20 أو 30% لكن كمان القطاع الخاص مسؤول معانا يحافظ وهنساعده في اللي حصل كله وممكن نزود علشان نخفف عنه ما أمكن".

الإعلام على خط الهجوم

دخلت إعلاميون على خط الهجوم على رجال الأعمال، وبرز ما جاء في برنامج الإعلامي محمد الباز عبر برنامج "90 دقيقة"، الذي يُبث عبر فضائية "المحور" المملوكة لأحد أعضاء "شبكة رجال الأعمال في مصر"، وهو الملياردير حسن راتب، رئيس مجلس أمناء "جامعة سيناء"، ورئيس مجلس إدارة "شبكة تليفزيون المحور".

قال الباز: "نجيب ساويرس رجل أعمال ومستثمر، وواحد من الذين استفادوا من هذا البلد، أكثر بكثير جداً مما أعطاه للبلد، ورغم كده طالع يقول سنرى دماء اقتصادية لو استمر وضع البلد بهذا الحال بسبب كورونا".

"الاقتصاد المصري يعتمد بشكل كبير على القطاع الخاص، ويلعب رجال الأعمال دوراً مهماً، وهم متحالفون مع النظام، ولكن في الوقت نفسه تحدث أزمات بين هؤلاء المليارديرات والسلطة، بسبب التبرعات"

وتابع: "في الوقت اللي الدولة بتقول فيه أهم حاجة صحة المواطنين، نجيب ساويرس طالع يقول الناس ترجع تشتغل أيا كانت الخسائر. إيه القلب ده؟ ساويرس عنده لو يموت مليون واحد وفلوسه متنقصش جنيه ولا فارقة بالنسبة ليه".

وواصل: "لما ييجي مستثمر استفاد وربح كتير من البلد، ويطلع بهذا الشكل، ويخلع عن نفسه كل رداء إنساني بهذا الشكل، يا أخي تغور بفلوسك عن البلد دي. مش هتقول كلمة كويسة اسكت. مش هتقول كلمة تعين الدولة على مواجهة الأزمة نقطنا بسكاتك".

لكن يبدو أن هذا الهجوم تسبب في إحراج صاحب الفضائية، فردّ بأنه لن يسمح بأن تكون قناة "المحور" منبراً للهجوم على شخصيات وطنية وقامات اقتصادية، مؤكداً تقديره الكامل لعائلة ساويرس ودورها التاريخي في دعم الاقتصاد، وتأثيرها في مجالات السياحة والصناعة والمعمار والتنمية العقارية، ودورها الاجتماعي الضخم عبر مؤسسات اجتماعية.

ولم يقف الخلاف هنا، بل انتهى برحيل الباز عن فضائية "المحور".

وتبرعت "مؤسسة ساويرس"، بعد حملات الهجوم على أفراد العائلة، بـ100 مليون جنيه لدعم الدولة في مواجهة كورونا.

تتشابه هذه الأزمة مع الخلاف الشهير بين ساويرس وبين الإعلامي المصري عبد الرحيم علي، رئيس مجلس إدارة مؤسسة "البوابة نيوز"، إثر أزمة تسريب مكالمات لساويرس في برنامجه الشهير، "الصندوق الأسود"، الذي كان يُذاع على فضائية "القاهرة والناس" المملوكة لرجل الإعلانات الأول في مصر طارق نور.

حينذاك، اتهم علي ساويرس بأنه ضد الجيش المصري والسيسي، وبأنه موّل جماعة الإخوان المسلمين بسبعة مليارات جنيه لشراء سلاح وقتل المصريين، بينما يرفض التبرع لصندوق "تحيا مصر".

لا حرب بين السلطة ورجال الأعمال

"يلعب رجال الأعمال دوراً مهماً، وهم متحالفون مع النظام".

يرى الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأمريكية في القاهرة، أن الاقتصاد المصري يعتمد بشكل كبير على القطاع الخاص، ويلعب رجال الأعمال دوراً مهماً، وهم "متحالفون" مع النظام، ولكن في الوقت نفسه تحدث أزمات بين هؤلاء "المليارديرات" والسلطة، بسبب التبرعات.

ويقول لرصيف22: "هم بالطبع يتبرعون لصندوق تحيا مصر، ولكن ليس بالشكل الذي يتصوره المواطنون، أو تريده السلطة". وبرأيه، لن يستطيع رجال الأعمال إرضاء الكل، بسبب "نسبة الفقر المرتفعة جداً في الدولة".

وبشأن تخوف رجال الأعمال من المؤسسة العسكرية التي توسعت في أعمال مدنية، قال إن هذا الأمر ازداد بشدة بعد 30 حزيران/ يونيو 2013، مشيراً إلى أنه كان من الطبيعي أن تجد السلطة مؤسسةً مثل الجيش تنفذ مشروعات، وتعمل على تشغيل الأيدي العاملة التي فقدت مصادر رزقها في دول مثل ليبيا.

يؤكد صادق أنّ السلطة في مصر استجابت لـ"ضغوط رجال الأعمال" الذين يُعارضون بشدة توقف الحياة الاقتصادية بسبب أزمة فيروس كورونا، والدليل على ذلك تقليل عدد ساعات الحظر، وعدم الاستجابة لمطالب فرض الحظر الكلي، ويضيف: "لو دققننا سنجد أن السلطة نفسها مقتنعة بهذا التوجه، ولكن نجيب ساويرس طلع وقال هنتحر لو تم تمديد الحظر، (تراجع لاحقاً بعد الهجوم عليه وقال إنه كان يمزح)، فضلاً عن أنه طالب بخطة لدعم الاقتصاد والسياحة للخروج من تبعات هذه الأزمة".

يفسر صادق هجوم وسائل إعلامية على ساويرس مؤخراً بقوله إن الإعلام المصري فيه ثقافة الهجوم على رجال الأعمال، وبعضه يصف هؤلاء بأنهم "حرامية"، لافتاً إلى وجود تيار في الإعلام متأثر بالفكرين "الاشتراكي" و"السلفي"، فضلاً عن التركيز على رجل الأعمال نجيب ساويرس، لأنه مسيحي الديانة.

ويضيف أن الإعلاميين المصريين الذين هاجموا نجيب ساويرس في الإعلام مؤخراً بسبب أزمة العمالة والتبرعات لصندوق تحيا مصر، كانوا يعتقدون أنهم بذلك يخدمون الدولة، وأن هذه هي سياسة السلطة، ولكن هذا خطأ، مفسراً: "لن تحدث حرب بين السلطة ورجال الأعمال".

ويشير إلى أن أصحاب الثروة أو المليارديرات يتحكمون في كل الوسائل الإعلامية، ومتحالفون مع بعضهم البعض، ولذلك الإعلاميون الذين يخرجون عن الخط ويهاجمون أحد هؤلاء الأثرياء تجري الإطاحة بهم من برامجهم.

ضغط رجال الأعمال على الدولة

من جانبه، يقول الدكتور وائل النحاس، الخبير والمحلل الاقتصادي، إن رجال الأعمال "يضغطون" بشكل مستمر على الدولة، لمعاودة فتح مصانعهم وشركاتهم، معتبراً أنهم لا يهمهم العمال ولا غيرهم.

ويتابع: "العامل يمارس أشغالاً لن تفيد معها الإجراءات الاحترازية أو الوقائية، حتى لو ارتدى كمامة، في موقع فيه آلاف العمال"، مدللاً على ذلك بظهور إصابات خطيرة في المستشفيات التي تُتبع فيها إجراءات وقائية مشددة.

"العلاقة بين الدولة ورجال الأعمال غير مفهومة، فبعض رجال الأعمال أصبحوا متوحشين، يتصرفون بأمزجتهم، ويضغطون على الدولة، والحكومة موقفها مائع"... عن أزمة العلاقة بين النظام المصري ورجال الأعمال على خلفية مطالبة الأخيرين بالتبرع للخروج من أزمة الكورونا

وفي التاسع من نيسان/ أبريل، انفعل الرئيس المصري على العاملين في أحد المواقع الإنشائية، لعدم ارتدائهم كمامات أثناء العمل، وقال: "هو أنا بقول كلام مبيتنفذش؟ هي الناس دي مش لابسة كمامات ليه؟ والناس دي يوميتها كام، علشان دي لو قعدت في البيت هتاكل منين".

وأضاف: "أنا هعدي تاني ولو ملقيتش الإجراءات مطبقة هيكون فيه مشكلة كبيرة"، موجهاً بالتشديد على جميع الشركات بضرورة توفير أقصى درجات الحماية والالتزام الدقيق بالإجراءات الاحترازية، لا سيما ارتداء الكمامات وتجنب التجمعات المزدحمة، اتساقاً مع جهود الدولة الوقائية لمكافحة انتشار كورونا.

نظرة النحاس لدور رجال الأعمال في هذه المرحلة سلبية. بعد تأكيده لرصيف22 أن مصر حتى الآن لا تزال في "الوضع الآمن"، يقول إن رجال الأعمال لن يُخصصوا أموالهم لبناء مستشفيات مثلاً لو انتشر الفيروس بشكل واسع بل سيهربون بأموالهم إلى الخارج، فهم برأيه، "لا يهمهم سوى مصالحهم، حتى لو في المقابل مات العمال".

يشير النحاس إلى رجال الأعمال "يتبرعون بحسب أمزجتهم للدولة"، بأموال بسيطة مع أنهم ربحوا من الدولة، وعبر كل العصور، مليارات، من خلال التسهيلات والامتيازات، والأراضي التي بيعت لهم بـ"رخص التراب" ثم دشنوا عليها مشروعات باستثمارات ضخمة.

ويتابع: "الحقيقة أنّ العلاقة بين الدولة ورجال الأعمال غير مفهومة، فبعض رجال الأعمال أصبحوا متوحشين، يتصرفون بأمزجتهم، ويضغطون على الدولة، والحكومة موقفها مائع"، متسائلاً: هل هذه العلاقة فيها شيء غامض لا نفهمه، هل يستقوي هؤلاء المليارديرات بالخارج الذي يضغط هو الآخر بدوره على السلطة؟".

يخلص النحاس إلى أنه "طول ما الدولة رخوة مع رجال الأعمال الشرسين، شوكتهم ستكون أقوى"، مطالباً بفتح ملفاتهم القديمة ومحاسبتهم لأنه "إذا لم تُحسم العلاقة بين رجال الأعمال والدولة، سيكون هذا فخاً للسلطة، لأنّ هؤلاء سيستقوون بالخارج في حالة حدوث أي نزاع معهم".

التبرع "عندما تكون الأمور ماشية"

لا يتفق الدكتور صلاح الدين فهمي، أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر، مع النحاس. يرى أنه من الخطأ الهجوم على رجال الأعمال بسبب قصة التبرعات لصندوق "تحيا مصر"، ويقول إنهم يتبرعون "عندما تكون الأمور ماشية".

ويوضح رأيه لرصيف22 بالقول: "عجلة الإنتاج حالياً متوقفة تماماً. رجال الأعمال مطالبون الآن بدفع رواتب كاملة للعمال، فضلاً عن الأعباء الأخرى. ساويرس أو غيره لم يصبحوا مليارديرات من فراغ، ولكن هؤلاء مُكبلون بالتزامات مالية، وموظفين يحتاجون إلى أجور، ومن الخطأ أن نأخذ موقفاً ضد رجال الأعمال".

في الوقت نفسه، يدافع فهمي عن الظهور القوي للمؤسسة العسكرية في الأعمال والمشروعات التي كانت تنفذها من قبل شركات مدنية، ويقول: "البلد كان هيقع لولا تدخل الجيش، الطرق والكبارى اتعملت بمعاونة الجيش للقطاع الخاص، والرئيس عبد الفتاح السيسي يجمع دائماً بين المنظومتين المدنية والعسكرية".

يعترف أستاذ الاقتصاد بأنّ تخوف رجال الأعمال من الاستثمار والعمل في وقت سابق، بسبب المنافسة غير المتكافئة مع المؤسسة العسكرية "فيه جزء من الحقيقة"، ولكنه يدعو الآن إلى ضرورة التكاتف لعبور الأزمة.

ودخل الدكتور عبد المنعم سعيد، رئيس مجلس إدارة مؤسسة "الأهرام" الأسبق، وباحث سابقاً في معهد بروكنجز الأمريكي، ويعمل حالياً رئيساً لمجلس صحيفة "المصري اليوم" المملوكة للملياردير المصري صلاح دياب، على خط السجال حول رجال الأعمال.

ورأى في مقال نشره في "المصري اليوم" أنّ ما كُتب على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن رجال الأعمال والتبرع، فيه شيء من التحريض، واصفاً أساليب انتقادهم بـ"المهاترات".

أما الكاتب السياسي محمد سعد عبد الحفيظ، عضو مجلس نقابة الصحافيين المصريين، فاعتبر أنه "حان الوقت لأن يدفع أثرياء مصر ممن تضخمت ثرواتهم من المتاجرة في أقوات الفقراء والطبقة المتوسطة وأصول الدولة ما عليهم، وبأثر رجعي للمجتمع بكامله، وأن تشرع السلطة وبرلمانها في إقرار ضريبة الثروة بما يحافظ على بنية المجتمع وسلامته".

مضمون "التوك شو" المصري أشبه بـ"حصص تلقين" تعتمد على "المذيع البطل".

بين هذه الآراء المتتوعة والمتضاربة، يأتي الإعلام المصري. ينتقد الدكتور ياسر عبد العزيز، الخبير الإعلامي، أداء هذا الإعلام ويقول لرصيف22 إن إحدى مشكلاته أنه اختُزل في برامج "التوك شو" على الطريقة المصرية التي تكون أشبه بـ"حصص تلقين" تعتمد على "المذيع البطل".

ويقول ساخراً إن "الإعلامي الذي يصير خبيراً مختصاً بالصحة والاستراتيجيا والأمن والاقتصاد والاجتماع والوطنية يطل على المشاهد ليتحدث عن كل شيء معتمداً على فكرة التلقين البدائي، وهو الشائع في مصر"، مشيراً إلى أن هذا النمط يعتمد على عنصرين أساسيين: التأييد المطلق للحكومة و قتل المنطلق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard