أخبروني عندما تنتهي أزمة كورونا إلى الأبد... كي أنام

الأربعاء 15 أبريل 202006:13 م

قاد فيروس كورونا العالم بأسره إلى مصير مجهول، الدول بأكملها في حالة شلل، عجلة الاقتصاد قد توقفت وأصاب الهلع العديد من الناس، خوفاً من أن يدخل هذا الفيروس الذي لا يرحم بيوتهم وبيوت أحبائهم، فيحرمهم من عطف الأم وحنان الأب ومواعظ وحكم الأجداد والجدات...

ومع حدوث مثل هذه التغييرات غير المسبوقة والتي لم يشهدها العالم الحديث من قبل، من الطبيعي أن "يطير" النوم وتعجز الجفون عن الإغلاق لثانية واحدة بسبب حالة القلق من الوضع العام، بالإضافة إلى خشية البعض من أن يستيقظوا يوماً من دون مسكن أو مأوى، ومن دون القدرة على إطعام عائلاتهم بسبب البطالة والفقر.

ما هي تحديات النوم أثناء تفشي الوباء؟ وكيف يمكن التغلب على حالات الأرق والتوتر التي تخطف النعاس من الأجفان؟

الأرق الناجم عن الخوف

من المفترض أن يكون النوم من أكثر الأمور طبيعية في العالم، ولكن في بعض الأحيان قد يصبح "مهمة شبه مستحيلة"، بخاصة في ظل ظروف حياتية صعبة.

واللافت أن اضطراب النوم في أوقات الأزمات قد تكون له جذور عميقة، بحسب ما أكده عالم الأنثروبولوجيا التطورية، ديفيد سامسون، الذي يدرس الروابط التطورية بين النوم والإدراك.

من الطبيعي أن "يطير" النوم وتعجز الجفون عن الإغلاق لثانية واحدة بسبب حالة القلق من الوضع العام، بالإضافة إلى خشية البعض من أن يستيقظوا يوماً من دون مسكن أو مأوى، ومن دون القدرة على إطعام عائلاتهم

وأشار ديفيد، الذي شارك بتأليف دراسة جديدة نشرت في مجلة Sleep Medicine Reviews، إلى أن الأرق هو في جزء منه عبارة عن تقنية بقاء مرتبطة بكيفة تطوّر البشر، شارحاً ذلك بالقول: "كان علينا أن نكون يقظين للقوى التي تهدد الحياة، مثل الحيوانات المفترسة والطقس القاسي قبل 1.5 مليون سنة. لكننا عشنا أيضاً في مجموعات حيث يمكن أن يتناوب الناس المراقبة ليلاً".

وأضاف سامسون: "الخوف هو في الواقع شيء جيد من منظور تطوري، ولكن المشكلة تكمن في أن عقولنا تبقى في حالة تأهب قصوى عندما نشعر بالتهديد".

هذا واعتبر ديفيد سامسون أنه بالنسبة إلى كوفيد 19، فإن الشعور بالخوف ضار لأننا "لا نواجه أسداً في السافانا، ولا يتعلق الأمر بمجموعة منافسة تحاول الاستيلاء على مواردنا"، على حدّ قوله، مضيفاً بأنه نظراً لعدم تمكننا من التخلص من هذه المشكلة، أي فيروس كورونا، فإننا عاجزون عن إخماد خوفنا: "يتحول الأمر إلى ما نسميه بالأرق، وهي حالة مزمنة تتسم بعدم القدرة على النوم".

تغييرات في الروتين اليومي

يعاني الملايين من الناس من مشكلة الأرق قبل فيروس كورونا، ولكن الوباء المتفشي فرض مجموعة من التحديات الجديدة حتى بالنسبة لأولئك الذين لم يكن لديهم في السابق مشاكل في النوم، فالتباعد الاجتماعي، إغلاق المدارس، الحجر المنزلي لفترة زمنية غير معروفة، العمل من المنزل أو حتى خسارة الوظيفة، كل هذه الأمور أدت إلى حدوث تغييرات عميقة في الروتين اليومي للأشخاص على اختلاف أعمارهم ومكانتهم الاجتماعية.

إلا أن فيروس كورونا لا يؤثر على الجميع بنفس الطريقة، بحيث يواجه الأشخاص الذين يعملون في المجال الطبي مثلاً، وطأة الآثار المباشرة للمرض، وهذا حال الطبيبة غنى، التي فضلت عدم ذكر اسمها الحقيقي.

ففي ظلّ تفشي فيروس كورونا وزيادة عدد المرضى والحالات الطبية الصعبة، تعيش الطبيبة اللبنانية التي تعمل في قسم الإنعاش والتخدير، أسوأ أيام حياتها.

وعن حالة القلق التي تعيشها، تقول لرصيف22: "بحكم طبيعة شغلي بالمستشفى، بيضل في عندي هاجس إنو أنقل فيروس لأهلي أو أنو كون نسيت precautions (احتياطات) مع مريض".

وقد أوضحت أن النوم بالنسبة إليها بات تقريباً من "سابع المستحيلات"، نظراً للضغوطات الملقاة على كاهلها: "بقلق كل الليل وإذا قدرت نام شوي، بشوف كوابيس"، وأضافت:" تقريباً كل يوم بوعى بنصف الليل نقزانة وقلبي عم بدق بقوة، ما كتير بتذكر الكوابيس بس بتذكر شوية تفاصيل متل إني عم جرب أهرب من شي أو أضرب coup de poing (لكمات) بس من دون ما يكون عندي قوة".

كوابيس كورونا

في الأسابيع الأخيرة، شهدت عمليات البحث عبر محرك غوغل عن "أحلام كوفيد 19" ارتفاعاً ملحوظاً، كما أن عملية البحث عن "الكوابيس" تتخذ بدورها مساراً تصاعدياً، وقد بدأ الناس من حول العالم بمناقشة "أحلامهم الغريبة" عبر المواقع والمنصات الإلكترونية.

"داخل المبنى، كان الناس يتدافعون ولم يكن أحد يقف على بعد 6 أقدام من الآخر ولا أحد يطبق التباعد الاجتماعي. لم يستطع الابتعاد ولم يتمكن من الخروج. لقد كان الأمر مرعباً، وبعدها أستيقظ من النوم"، هذا الكابوس شاركه أحد الأشخاص مع الكاتبة سارة غرين، والتي كشفت أنها بدورها تتعرض لكوابيس كثيرة بسبب أزمة كورونا المستجدة، الأمر الذي يؤثر سلباً على صحتها النفسية: "عندما أستيقظ، تتلاشى التفاصيل، لكن الإحساس يبقى: خوف شديد من أن كل شيء خارج عن السيطرة ولا شيء أفعله يعتبر كافياً".

وفي مقالها الذي ورد على موقع بلومبرغ، تحت عنوان "كوابيسكم عن فيروس كورونا جيدة لكم"، أشارت غرين إلى أنه خلال الأوقات العصيبة حتى الأحلام العادية يمكن أن تصبح حية بشكل غير عادي، فزوجها مثلاً يحلم بنهر الصيد المفضل لديه، لأنه المكان الذي يفتقده أكثر في وقت الحجر المنزلي.

في الواقع، لطالما حاول الباحثون تحليل الأحلام ومحاولة الإجابة على مجموعة من الأسئلة، كتحديد مثلاً الغرض العصبي الذي تخدمه، إن وجد، وكيف يؤثر الإجهاد على أحلامنا؟

تحدثت سارة غرين عن نظرية مفادها أن الأحلام هي طريقة لأدمغتنا لفهم أحداث اليوم وتطهير الذكريات قصيرة المدى ودمج المعلومات المفيدة، مشيرة إلى أن النوم المريح يساعدنا في حل المشكلات وإصدار أحكام أفضل، وقد تساعد الأحلام تلك العملية من خلال تجميع المعلومات وإزالة الفوضى العقلية.

وأشارت غرين إلى أن هناك فكرة أخرى تقول إن الأحلام تساعد بطريقة أو بأخرى في حل المشكلات، فقد وجدت دراسة أن الأشخاص الذين أُوقِظوا أثناء الحلم كانوا أكثر قدرة على حل الألغاز من أولئك الذين تم إيقاظهم من دورات النوم الأخرى.

واستندت غرين إلى رأي عالم الأعصاب السويدي آنتي ريفونسيو، الذي يعتبر أن الأحلام المزعجة قد تساعدنا من خلال تنبيهنا إلى المخاطر المحتملة في المستقبل، فإذا كنا نحلم مثلاً بأننا محاصرون في مكان مزدحم وسط جائحة عالمية، فهذا قد يعني بأن دماغنا يمنحنا فرصة للتدرب.

ولكن حتى لو كانت الأحلام المقلقة تخدم غرضاً، فليس من الممتع أن ترافق ليالينا بشكل مستمر، بخاصة في حال كانت هذه الكوابيس تزعج دورة نومنا، لكونها تزيدنا قلقاً: يمكن أن تؤدي ليلة بلا نوم إلى زيادة القلق بنسبة 30%، وفقاً لدراسة أُجريت في العام 2019.

وتنصح سارة غرين ببعض الخطوات التي يمكن اتباعها للحصول على نوم أكثر راحة، منها وضع جدول زمني ثابت للنوم، مشيرة إلى أن العديد من خبراء النوم يقترحون تخصيص الساعة الأخيرة التي تسبق النوم لتفريغ الشحنة، واستغلال هذا الوقت للاستماع إلى موسيقى هادئة، أو قراءة رواية تبعد المرء عن الواقع، بدلاً من اللحاق بآخر الأخبار الكابوسية، والابتعاد عن الكافيين والكحول لأنهما يصعّبان النوم.

هذا وتشدد الكاتبة على أنه يجب على المرء أن يتذكر أنه في حال كانت أحلامه سوداوية، فهي مجرد طريقة يستخدمها العقل للتكيف مع الظروف الصعبة.

لماذا النوم مهم أثناء تفشي الوباء؟

قد لا يكون النوم علاجاً لكل شيء، لكن بإمكانه أن يقوي مناعتكم.

لقد عزز انتشار فيروس كورونا أهمية الدور الذي يؤديه النوم في بناء أجهزتنا المناعية، فالتأكد من الحصول على قسط كاف من النوم ليلاً هو إحدى أفضل الطرق التي يمكن بها تقوية مناعتنا ومقاومة الفيروسات والأمراض، لكون النوم معزز طبيعي للمناعة.

في الحقيقة، إن النوم عملية ضرورية لكي يعمل الجهاز المناعي بأكبر كفاءة ممكنة، وبحسب موقع سيكولوجي توداي، يمكنكم تشبيه جهازكم المناعي بمدرب كرة القدم في جسمكم، والنوم هو الاستراحة بين الشوطين: يقوم المدربون الجيدون بإجراء تعديلات بين الشوطين، بعد أن يدركوا ما يفعله الخصم ببراعة.

ويضطلع النوم بالدور نفسه لجهازكم المناعي، إذ يمنحه الفرصة للتقييم الشامل لأي تهديدات، يمكن لجهاز المناعة بعد ذلك التصدي للمستضادات بتأن، فيوجه الخلايا إلى شن هجوم مضاد. لكن بدون الحصول على قسط كاف من النوم، سيواجه جسمكم وقتاً عصيباً في تطبيق أفضل "خطة لعب" للتغلب على المرض.

عزز انتشار فيروس كورونا أهمية الدور الذي يؤديه النوم في بناء أجهزتنا المناعية، فالتأكد من الحصول على قسط كاف من النوم ليلاً هو إحدى أفضل الطرق التي يمكن بها تقوية مناعتنا ومقاومة الفيروسات والأمراض

وبالتالي يمكن القول إن النوم عملية بيولوجية معقدة، وعند مواجهة فيروس كورونا يصبح النوم أكثر أهمية بسبب فوائده الواسعة على الصحة الجسدية والنفسية، سواء كان ذلك لناحية تقوية جهاز المناعة مثلاً، أو لجهة التغلب على مشاعر التوتر والقلق والاكتئاب.

هذا وقد وجدت بعض الدراسات أن قلة النوم يمكن أن تجعل بعض اللقاحات أقل فعالية.

دليلكم للنوم في زمن كورونا

قدمت المؤسسة الوطنية للنوم National Sleep Foundation في الولايات المتحدة الأميركية، نصائح وإرشادات للحصول على نوم مريح خلال هذه الفترة الصعبة.

التقيّد بروتين وجدول زمني محدد: اعتماد نمط روتيني من شأنه بثّ الشعور بالحياة الطبيعية حتى في الأوقات الاستثنائية، إذ إنه من السهل على العقل والجسم التأقلم مع جدول نوم ثابت يتضمن:

موعد الاستيقاظ: اضبطوا المنبه، واستعدوا لبدء نهاركم يومياً في الوقت نفسه.

وقت الاسترخاء: يعدّ هذا الوقت ضرورياً للاسترخاء والاستعداد للنوم، يمكن أن يتضمن القراءة، الاسترخاء أو التأمل، إلى جانب التحضيرات المعتادة، مثل ارتداء ملابس النوم وتنظيف الأسنان. ونظراً للضغوط الناجمة عن تفشي فيروس كورونا، يفضل أن يمنح الأشخاص أنفسهم وقتاً أطول للاسترخاء كل ليلة.

موعد النوم: اختاروا وقتاً ثابتاً لإطفاء الأضواء وحاولوا أن تغفوا.

هذا ومن المهم وضع روتين ثابت يسمح بتتبع الوقت، كالاستحمام وارتداء الملابس حتى لو لم تغادروا المنزل، تناول وجبات الطعام في نفس الوقت كل يوم وتخصيص فترات معيّنة للعمل وممارسة الرياضة.

احجزوا سريركم للنوم: يشدد خبراء النوم على أهمية خلق ارتباط في الدماغ بين السرير والنوم، لهذا السبب، يوصون بأن يكون النوم والجنس النشاطان الوحيدان اللذان يحدثان على السرير.

هذا يعني أن العمل من المنزل لا يجب أن يكون من السرير، بالإضافة إلى تجنب جلب الكمبيوتر المحمول لمشاهدة الأفلام والمسلسلات من السرير.

وفي حال واجهتم صعوبة في النوم، لا تمضوا أكثر من 20 دقيقة في التقلب، بل اتركوا السرير، وافعلوا شيئاً يساعدكم على الاسترخاء في ضوء خفيف، ثم عودوا إلى السرير لمحاولة النوم.

كما أن تغيير الملاءات بشكل منتظم، ترتيب السرير وتهوية الوسادات بانتظام، كلها أمور من شأنها خلق بيئة مريحة للنوم.

تعرّضوا للضوء: يلعب التعرض للضوء دوراً مهماً في مساعدة الأجسام على تنظيم النوم بشكل أفضل. إذا استطعتم، اقضوا بعض الوقت خارج المنزل، وافتحوا النوافذ والستائر كي يدخل ضوء النهار إلى منازلكم. انتبهوا من الوقت الذي تقضونه أمام الشاشات، إذ تبين أن الضوء الأزرق الذي تبثه الأجهزة الإلكترونية، مثل الهواتف والكمبيوترات، يعرقل عملية النوم الطبيعية، لذا، حاولوا قدر الإمكان تجنب استخدام هذه الأجهزة قبل النوم بساعة.

احذروا القيلولة: قضاء الوقت كله في المنزل قد يكون مغرياً لأخذ المزيد من القيلولة، وفي حين أن القيلولة القصيرة بعد الظهر قد تكون منشطة للبعض، من الأفضل تجنب القيلولة الطويلة التي قد تعرقل النوم ليلاً.

حافظوا على نشاطكم: من السهل تجاهل التمارين اليومية وسط كل ما يحدث في العالم، لكن النشاط اليومي المنتظم يلعب دوراً بارزاً في تحسين عملية النوم. فإذا كان بإمكانكم الذهاب في نزهة مع الحفاظ على مسافة آمنة من الآخرين، هذا يعد خياراً رائعاً، وإذا لم تستطيعوا ذلك، يمكنكم تصفح شبكة الإنترنت للاطلاع على تمارين بسيطة تقومون بها في المنزل.

التدرب على اللطف والتواصل: قد لا يبدو الأمر بالغ الأهمية لنومكم، لكن اللطف والاتصال يمكن أن يقللا من التوتر وآثاره الضارة على المزاج والنوم.

على الرغم من كل الأخبار السيئة، حاولوا العثور على بعض القصص الإيجابية، مثل كيف يدعم الناس بعضهم البعض من خلال الوباء. يمكنكم استخدام التكنولوجيا للبقاء على اتصال مع الأصدقاء والعائلة حتى تتمكنوا من الحفاظ على الروابط الاجتماعية، رغم الحاجة إلى التباعد الاجتماعي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard