"نعيش كالحيوانات والدولة أهملتنا"... المهاجرون التونسيون غير النظاميين في إسبانيا يستغيثون

الأربعاء 15 أبريل 202011:03 ص

"كارثة إنسانية". هكذا يصف مهاجرون تونسيون غير نظاميين الظروف في مركز الاستقبال في مدينة مليلية الواقعة تحت سيطرة إسبانيا، حيث يقيم قرابة 1500 مهاجراً غير نظامي من جنسيات مختلفة، في مكان مخصص لـ500 شخص، دون أدنى مقومات النظافة أو الوقاية من خطر الإصابة بفيروس كورونا.

يروي المهاجر التونسي غير النظامي كريم لرصيف22 معاناته هو وأكثر من 700 تونسي آخر في هذا المركز، ويقول: "أنام في خيمة بلاستيكية تضم قرابة 250 شخصاً. نتكدس بعضنا فوق بعض وتحيط بنا الأوساخ من كل جانب".

أماكن نوم المهاجرين

ويضيف: "أنا خائف من الإصابة بالكورونا جراء الازدحام الكبير، ففي غرفة الطعام نجتمع قرابة 500 شخص لتناول الطعام، بينما لم تقدم لنا السلطات الإسبانية لا كمامات ولا قفازات لوقايتنا، وإذا أصيب شخص واحد بالفيروس ستحل الكارثة".

بحسب كريم (23 سنة)، لم تتصل أية جهة رسمية تونسية بهم، باستثناء زيارة واحدة في كانون الثاني/ يناير الماضي، أجراها موظف في سفارة تونس في إسبانيا، ووعدهم خلالها بالمساعدة وبتسوية وضعياتهم، "غير أنها كانت مجرد وعود"، يقول.

"ضغط نفسي"

يشدد كريم على أن الضغط النفسي الكبير وقسوة وبؤس الحياة في المركز دفعت عدداً من المهاجرين التونسيين إلى تنفيذ محاولات انتحار، فيما دفعت آخرين إلى فقدان اتزانهم العقلي، جراء مكوثهم في مركز الاستقبال لفترات طويلة تصل حتى السنة.

لم يكمل كريم تعليمه بسبب أوضاع أسرته الاجتماعية والاقتصادية الصعبة. بمساعدة عائلته، فتح محلاً صغيراً لإصلاح الدراجات، غير أنه لم يتمكن من الحصول على ترخيص لمحله، فصار طموحه الوحيد "الخروج بأية طريقة من تونس".

باع الشاب كل ما يملك واستلفت له أسرته مبلغاً مالياً وغادر تونس في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي بصورة قانونية إلى المغرب، ثم توجه من منطقة الناظور المغربية بصورة غير شرعية برّاً إلى مليلية الخاضعة لسيطرة إسبانيا والتي تعتبرها المغرب مدينة محتلة.

"ممارسات عنصرية"

يتحدث كريم عن أن المهاجرين التونسيين يعانون من "ممارسات السلطات الإسبانية العنصرية" تجاههم، ويروي أنها استثنتهم منذ تشرين الثاني/ نوفمبر من إجراءات تسليم بطاقات اللجوء الاستثنائية، فيما تمنحها إلى مختلف أبناء الجنسيات الأخرى.

يتشارك الشاب التونسي وبقية المهاجرين التونسيين في مركز استقبال مليلية المطلب نفسه وهو تسوية وضعيات إقامتهم لتحقيق الأهداف التي جاؤوا من أجلها وهي العمل وتحسين أوضاعهم المعيشية، رافضين أية تسوية تقضي بترحيلهم إلى تونس، كما يؤكد لرصيف22.

لا يختلف وضع كريم كثيراً عن وضع المهاجر التونسي الآخر الشاب بهاء (33 سنة) والذي ينام منذ وصوله قبل خمسة أشهر على مفروشات بلاستيكية في خيمة تضم قرابة 200 شخص، دون إجراءات للوقاية من خطر الإصابة بالكورونا، إذ لا فصل بين المهاجرين ولا تطبيق لسياسة التباعد الاجتماعي التي أوصت بها منظمة الصحة العالمية.

"طعام حيوانات"

يقول بهاء لرصيف22: "يقدمون لنا طعاماً كطعام الحيوانات، ولا نستحم إلا عندما يكون الطقس حاراً، لأن المياه باردة ولا يوفرون لنا مياه ساخنة. يأتي عمال النظافة مرة واحدة في الأسبوع لتنظيف ساحة المركز ولا نملك أي نوع من الصابون، وعلى كل مهاجر الاعتماد على إمكانياته الشخصية لشراء مواد تنظيف".

مهاجرون يصطفون أمام صالة الطعام

وما يزيد الأمر تعقيداً، بحسب بهاء، إدخال قرابة 55 مهاجراً إفريقياً إلى المركز قبل أيام، دون إجراء تحاليل لهم للتثبت من حملهم فيروس كورونا أو عدمه.

"كارثة إنسانية"

يؤكد بهاء أن "الوضع في مركز استقبال مليلية ينذر بكارثة إنسانية والعديد من المهاجرين فقدوا نسبة هامة من أوزانهم وصاروا كالمجانين يتحدثون إلى أنفسهم".

ينتقد الشاب رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد لصمته تجاه أزمة المهاجرين التونسيين في إسبانيا، مشدداً على أنه كان من بين الذين دعموه في حملته الانتخابية، غير أنه "لم يكن في مستوى انتظارات الشباب منه".

دفعت صعوبات الحياة التي عاشها بهاء إلى انقطاعه عن الدراسة وفشله في الحصول على عمل يحسّن أوضاعه، فاتخذ قرار الهجرة نحو إسبانيا، بمساعدة أسرته وبعض أقربائه.

عند احتجازه في مركز استقبال مليلية، تفاجأ بهاء بعدد المهاجرين الكبير من مختلف الجنسيات كمصر والجزائر والعراق وسوريا واليمن، كما تفاجأ بـ"المعاملة العنصرية" التي يتلقاها المهاجر التونسي بالمقارنة مع بقية الجنسيات.

"لا رجوع"

يرفض بهاء العودة إلى تونس ويطالب السلطات الإسبانية بمنحهم مهلة وبطاقات لجوء إنسانية وقتية تمكنهم من إيجاد وظائف وتسوية وضعيات إقامتهم بصورة نهائية، ويقول: "لم أخسر كل هذا الجهد وهذه الأموال والمعاناة حتى أعود".

"يقدمون لنا طعاماً كطعام الحيوانات، ولا نستحم إلا عندما يكون الطقس حاراً، لأن المياه باردة، ويأتي عمال النظافة مرة أسبوعياً لتنظيف ساحة المركز ولا نملك أي نوع من الصابون "... مهاجرون تونسيون غير نظاميين يتحدثون عن ظروفهم في مركز الاستقبال في مدينة مليلية

بدوره، يصف المهاجر التونسي عمر (اسم مستعار) لرصيف22 العيش في مركز استقبال مليلية بـ"حياة الحيوانات". يقول: "أنام في خيمة متراصة بالأشخاص على مفروشات بلاستيكية حتى أن مفروشات السجن أفضل منها بكثير، وأتشارك مع 250 شخصاً في مرحاض واحد متنقل".

ويتابع: "في هذا الظرف الاستثنائي لم تتخذ السلطات الإسبانية أي إجراء لحمايتنا من الإصابة بفيروس كورونا، ففي المركز لا يوجد احترام لمسافة الأمان الصحية في الصفوف أمام غرفة المطعم أو في خيام النوم".

وعن الطعام، يقول عمر أنه "شبيه بطعام الحيوانات"، وإنهم يأكلون فقط لكي لا يموتوا، ولهم الحق بكأس واحدة من الماء مع كل وجبة، لافتاً إلى أن العاملين في المركز اتخذوا الاحتياطات اللازمة للتوقي من الفيروس لفائدتهم فقط بارتدائهم الكمامات والقفازات مستثنين كافة المهاجرين.

"نداء استغاثة"

يوجه عمر (29 سنة) نداء استغاثة للسماح له ولكافة المهاجرين بالخروج من المركز وتوزيعهم على مدن إسبانية أخرى، لتتكفل بهم جمعيات ومنظمات حقوقية، إلى حين زوال هذه الجائحة واستئناف إجراءات تسوية وضعيات إقامتهم.

ونفّذ المهاجرون التونسيون في كانون الثاني/ يناير الماضي وقفة احتجاجية طالبوا فيها بإخراجهم من المركز، ما استدعى حضور موظف في سفارة تونس في إسبانيا واقتراحه على مَن يرغب منهم بالعودة أن تتكفل الدولة التونسية بذلك، وهو ما رفضوه.

من الوقفة الاحتجاجية التي نفّذها مهاجرون تونسيون

انقطع عمر مبكراً عن الدراسة وعمل في مجال طلاء المنازل بجهد حتى تمكن من بعث مشروعه الخاص، وتزوج ورزق بطفليْن، غير أن وقع تحت ديون أثقلت كاهله فعجز عن سدادها وباع كل شيء.

"نقطة عبور"

لعمر تجارب قديمة مع محاولات الهجرة غير النظامية. عندما كان يبلغ الـ16 من عمره حاول الهجرة إلى إيطاليا عبر ليبيا، فأوقف وقضى ثلاثة أشهر في السجن. وفي آذار/ مارس 2019، نفّذ محاولة الهجرة الأولى إلى إسبانيا، لكنها فشلت وعاد إلى تونس، ثم أعاد الكرة ووصل إلى مليلية في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

وبالنسبة إليه، "إسبانيا لا تمثل سوى نقطة عبور إلى فرنسا" حيث يقيم العديد من أقربائه الذين وعدوه بالمساعدة، غير أن طلب اللجوء الذي تقدم به إلى الجانب الإسباني قوبل بالرفض.

"العاملون في المركز اتخذوا الاحتياطات اللازمة للتوقي من فيروس كورونا لفائدتهم فقط بارتدائهم الكمامات والقفازات مستثنين كافة المهاجرين"... مهاجرون تونسيون غير نظاميين يتحدثون عن ظروفهم في مركز الاستقبال في مدينة مليلية

يوضح عمر لرصيف22 أن الأمور داخل المركز، قبل ظهور وباء كورونا، كانت تسير على ما يرام، وكانت السلطات الإسبانية تُخرج كل مرة دفعة من المهاجرين، ومن بينهم تونسيون، وتوزعهم داخل التراب الإسباني. ولكن منذ تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وبعد تسبب بعض المهاجرين التونسيين في أعمال شغب داخل المركز، استثنوا منذ ذلك الحين من الخروج ومن تسلّم بطاقات اللجوء الإنسانية.

طريق جديدة

ووصل 1238 مهاجراً تونسياً غير نظامي إلى اسبانيا سنة 2019، مقابل 557 مهاجراً سنة 2018، كما تصدرت الجنسية التونسية المرتبة الأولى في قائمة الجنسيات القادمة إلى مدينة مليلية بنسبة 22% عام 2019، وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

يوضح المكلف بالإعلام في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تونس رمضان بن عمر لرصيف22 أن طريق الهجرة بين تونس وإسبانيا يُعتبر جديداً، ولم يكن محبذاً عند التونسيين الذين كانت وجهتهم الأساسية إيطاليا، ولكن اختلف الأمر لاحقاً بسبب التضييقات التي اتخذتها السلطات الإيطالية بمراقبة سواحلها وترحيل المهاجرين التونسيين.

وتأسس المنتدى وهو منظمة حقوقية مستقلة سنة 2011 ومن أهدافه نشر ثقافة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

ويقوم هذا الطريق الجديد أساساً على السفر من تونس إلى المغرب بطريقة قانونية ثم الهجرة بطريقة غير نظامية برّاً من منطقة الناظور المغربية باتجاه مليلية.

ويشير بن عمر إلى أن الجانب الإسباني كان في بداية عام 2018 يحتجز المهاجرين لمدة شهر أو شهر ونصف في مركز الاستقبال ثم يمنحهم وثيقة تتضمن مهلة لمغادرة التراب الإسباني باتجاه وجهة أوروبية أخرى، ولكن مع تضاعف أعداد المهاجرين التونسيين عبر هذا الطريق، اتخذت السلطات الإسبانية إجراء بغلقه.

وبدأ الجانب الإسباني منذ شهر حزيران/ يونيو 2019 في احتجاز كل المهاجرين التونسيين في المركز وعدم منحهم وثائق اللجوء الإنساني الوقتية ومن بينهم نساء وأطفال، مقابل التعامل بطريقة عادية مع أبناء باقي الجنسيات، وفق بن عمر.

"ورقة ضغط"

ويرجع بن عمر تعامل الجانب الإسباني مع المهاجرين التونسيين إلى سببين: الأول لإيصال رسالة إلى بقية المهاجرين القادمين بأن مصيرهم واحد وهو الاحتجاز في مركز الاستقبال؛ أما الثاني فهو ممارسة ضغط على السلطات التونسية لإجبارها على التفاوض وتوقيع اتفاق حول الهجرة يقضي أساساً بإعادة المهاجرين التونسيين إلى بلدهم.

ويشدد على ضرورة احترام السلطات الإسبانية لمبدأ عدم الترحيل القسري للمهاجرين وعلى توفير الضمانات القانونية والإنسانية أثناء إقامتهم في مركز الاستقبال والأخذ بعين الاعتبار الوضعيات الأكثر هشاشة كالنساء والأطفال.

ويشار إلى أن وزير الشؤون الاجتماعية السابق محمد الطرابلسي كان قد أكد في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2018 رفض تونس المطلق للترحيل القسري لمهاجريها غير النظاميين من طرف بلدان الاستقبال.

وتحدث الوزير عن وجود حوالي 200 ألف مهاجر تونسي غير نظامي في الخارج، مؤكداً دعم الحكومة لحقوقهم في النفاذ إلى الخدمات والاندماج في البلدان المضيفة واستعدادها لإعادتهم إلى بلادهم في حال رغبوا في ذلك.

اللجوء الإنساني

من بين المتابعين لهذا الملف، جمعية الأرض للجميع التي تأسست سنة 2011 وتعمل على ملف الهجرة النظامية وغير النظامية وعلى المساعدة في حل ملف كل تونسي عالق بالخارج.

يعتبر رئيس الجمعية عماد السلطاني أن على السلطات الإسبانية منح المهاجرين التونسيين بطاقات اللجوء الإنسانية لمدة ستة أشهر تمكنهم من الخروج من المركز واختيار البقاء في إسبانيا أو التوجه إلى دولة أوروبية أخرى.

ويوضح لرصيف22 أن هذه البطاقات تساعد المهاجرين على الحصول على وظائف تمكنهم في مرحلة ثانية من تغيير بطاقة اللجوء الإنساني الوقتية إلى بطاقة إقامة رسمية.

ويشير السلطاني إلى أن إسبانيا كدولة عضو في الاتحاد الأوروبي تستخدم هذه القضية كورقة ضغط على الحكومة التونسية للقبول بمقترحات الاتحاد بإقامة مراكز إيواء لتوطين اللاجئين على أراضيها مقابل تقديم مساعدات لها وهو ما ترفضه تونس.

دور الدولة

في 17 آذار/ مارس الماضي، التقى وزير الشؤون الخارجية نور الدين الريّ، في مقر الوزارة، بسفير إسبانيا في تونس غييارمو أرديزوني غارسيا. لكن بيان الوزارة لم يشر إلى تطرق الجانبين إلى ملف المهاجرين التونسيين غير النظاميين في مليلية.

قبل يوم من ذلك، التقى وزير الخارجية مع رئيس الجمهورية، وبحثا أوضاع التونسيين المقيمين بالخارج والتونسيين العالقين خارج الحدود ممَّن سافروا في مهمة للعمل أو للسياحة، وفق بيان رئاسة الجمهورية الذي لم يأت أيضاً على ذكر قضية المهاجرين التونسيين غير النظاميين في مركز استقبال مليلية.

"موقف ضعيف"

تعليقاً على تعاطي الدولة التونسية مع هذا الملف، يصف رمضان بن عمر موقف وزارة الخارجية بالضعيف، ويقول: "كانت تستطيع التدخل لدى السلطات الإسبانية والتأكيد لها على مرور تونس بأزمة اقتصادية واجتماعية حادة لحث الجانب الإسباني على إيجاد حل لهذا الملف".

من جانبه، يرى السلطاني أن حل هذه القضية بيد رئيس الجمهورية، المسؤول الوحيد عن الدبلوماسية الخارجية، عبر قيامه بمبادرة إنسانية استثنائية بالسفر إلى إسبانيا والتدخل الشخصي لدى سلطات هذا البلد لحل قضية المهاجرين التونسيين غير النظاميين على ترابها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard