"أسرتي انزعجت من وضعي ولا أفكر بالزواج"... عن ضحايا الإقامة الجبرية في تونس

الخميس 27 فبراير 202005:26 م

"قضيتُ في السجن ثماني سنوات خلال حكم الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، من عام 2003 إلى غاية آذار/ مارس 2011، وخرجتُ في إطار مرسوم العفو التشريعي العام"، من هنا بدأت قصة هشام (37 عاماً) مع الإقامة الجبرية في المنزل.

وكان قد صدر المرسوم، في 19 شباط/ فبراير عام 2011، بالعفو عن السجناء والمنفيين، ممن كانت محاكماتهم قبل الثورة ذات طابع سياسي وأيديولوجي.

"اتُهمت حينها بالانضمام إلى جماعة إرهابية لمجرّد تصفحي مواقع على الإنترنت وحمل أفكار يقولون عنها جهادية ومشاركتي في لقاءات شبابية في المساجد نقيم فيها دروساً دينية ونشارك في تحركات دعوية، كما وجدوا بحوزتي قرصاً يحتوي على أناشيد ومحاضرات دينية اعتبروها بمثابة شبهة إرهابية"، يشرح هشام خلفية سجنه آنذاك.

وبعد الهجوم الإرهابي الذي استهدف يوم 24 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2015 حافلة الأمن الرئاسي التونسي في العاصمة تونس، أوقفت قوات الأمن هشام مجدداً واقتادته إلى مركز الأمن حيث أبلغوه بوضعه قيد الإقامة الجبرية ومنعوه من مغادرة المنزل.

سجن داخل المنزل

وقّع هشام على القرار الإداري الذي قضى بموجبه تسعة أشهر داخل المنزل لم يبرحه، رغم عدم محاكمته ومثوله أمام القضاء في أية قضية منذ خروجه من السجن عام 2011، كما يؤكد لرصيف22.

يقول: "لقد بقيت طيلة هذه المدة دون مصدر عيش وأنا رب عائلة لم أستطع تأمين حاجيات أسرتي الضرورية، كما أن وزارة الداخلية لم تؤمن لي هذه الحاجيات رغم إلزام القانون لها بذلك".

ومع انقضاء الأشهر التسعة، تم تخفيف قرار الإقامة الجبرية إلى حدود التحرك على مسافة 900 متر فقط من البيت إلى مقر عمل هشام، دون السماح له بالتنقل داخل مدينته أو خارجها.

تضييق وإهانة

يذكر هشام أنه، في إحدى المرات، تجاوز المسافة المحددة له بكيلومترين اثنين لممارسة رياضة كرة القدم مع أصدقائه فتم إيقافه وتهديده بالسجن، كما تم منعه في أحد الأعياد من اصطحاب أبنائه إلى مدينة الملاهي، إضافة إلى تعرضه للضرب والإهانة خلال توقيفه.

واليوم، بعد مرور خمس سنوات على وضعه تحت الإقامة الجبرية التي تتجدد آلياً بتمديد حالة الطوارئ في تونس، لا يزال هشام يعاني مما وصفها بـ"هرسلة (إهانة) أمنية متعمدة" لمجرد أنه سجين سابق، كما يتعرّض إلى عمليات توقيف مخيفة عند وقوع أية حادثة إرهابية تشهدها البلاد، رغم عدم إصدار القضاء أية مذكرات توقيف ضده.

"تهم تافهة"

بدوره، تعرض الشاب محمد (36 عاماً) خلال فترة حكم بن علي إلى مضايقات بسبب طريقة لباسه وإطلاق لحيته وانتظامه في أداء الصلاة وارتياد المساجد.

يقول محمد لرصيف22 إن هذه المضايقات تزايدت بعد الثورة وأصبحت متواترة عند أية حادثة إرهابية تشهدها البلاد، شارحاً: "يتم إيقافي والزج باسمي بتهم تافهة كالمشاركة في خيمات دعوية والرغبة في السفر إلى بؤر التوتر، رغم عدم امتلاكي جواز سفر وعدم محاكمتي في أية قضية أو حتى دخولي السجن".

عام 2015، علم محمد بالصدفة أنه وُضع قيد الإقامة الجبرية، وحين توجه إلى أحد مراكز الأمن للاستفسار عن الأسباب طلبوا منه التوقيع على قرار الإقامة الجبرية، لكنه رفض بسبب امتناعهم عن تسليمه نسخة من القرار تخوّله اللجوء إلى القضاء.

ويقول: "مع رفضي التوقيع إلى اليوم، داهمت في أحد الأيام قرابة 15 سيارة أمنية منزلي دون أي أسباب، وقد أصبحت سمعتي سيئة في الحي دون وجود أية تهمة ضدي".

محل تفتيش

يتابع محمد شكواه قائلاً: "عندما أخرج من منزلي للذهاب إلى المقهى، تتوجه سيارة أمنية إلى المنزل فتستدعيني عائلتي لأعود ويتم إيقافي، وقد وضعتني الأجهزة الأمنية كذلك محل تفتيش دائم".

"سعيتُ لأكثر من عامين لرفع مذكرة التفتيش عني لكن دون جدوى، فأصبحت مهدداً بالتوقيف في أية لحظة وفي كل مكان من أمام المنزل أو في الحي، إضافة إلى المداهمات اليومية ليلاً ونهاراً، حتى أن أسرتي انزعجت مني ولا أفكر في الزواج وأنا على هذه الحالة".

علم محمد بالصدفة أنه وُضع قيد الإقامة الجبرية، وحين توجه إلى أحد مراكز الأمن للاستفسار عن الأسباب طلبوا منه التوقيع على القرار، لكنه رفض بسبب امتناعهم عن تسليمه نسخة منه تخوّله اللجوء إلى القضاء... هو واحد من ضحايا الإقامة الجبرية في تونس

التمس محمد لدى عدد من المراكز الأمنية رفع قرار الإقامة الجبرية عنه حتى يستطيع كسب قوته، غير أن وزارة الداخلية خففت عنه الإجراءات دون أن تلغيها، وسمحت له فقط بالتنقل من المنزل إلى مقر العمل، وفق قوله.

يشدد محمد على أنه يعيش في سجن داخل مدينته وأنه في حال تجاوز المسافة المحددة، يُعتبر مخالفاً، ويقول: "وصلت لدرجة كرهت فيها نفسي لأني بريء ولم أتورط في أية قضية لكني أعيش اضطهاداً مستمراً منذ خمس سنوات".

أيام مريرة

بدأت معاناة الشاب فتحي (26 عاماً) مع هذا الإجراء عام 2012، جراء مشاركته في توزيع منشورات تدعو إلى ارتداء الحجاب في المعهد، ما أزعج بعض الأطراف التربوية التي مارست عليه ضغوطات واتهمته بالتحريض على الأمن العام، ما دفعه إلى اتخاذ قرار الانقطاع عن الدراسة عام 2014، وفق تصريحه لرصيف22.

تم توقيف فتحي أول مرة في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2014 بعد خروجه من أحد المساجد، وعند تفتيش هاتفه والعثور على مقاطع فيديو عن الحرب في سوريا تم تحويله إلى ثكنة العوينة (قاعدة عسكرية) في العاصمة تونس، بتهمة الانضمام إلى جماعات إرهابية.

عن أولى تجاربه مع التوقيف، يروي فتحي: "استقبلوني بالصفع عند الباب، وقضيت خمسة أيام مريرة، بقيت واقفاً طيلة ثلاثة أيام متواصلة، وقد أمرني أحد عناصر الأمن بالوقوف قبالة الحائط ولم يعد إليّ إلا بعد مرور يوم كامل".

ويتابع في حديثه لرصيف22: "عند التحقيق معي في اليوم الثالث، كنت جسداً هامداً من آلام الوقوف، وطرحوا عليّ الأسئلة الروتينية كمن علمك الصلاة؟ منذ متى وأنت تصلي؟ هل عائلتك تصلي؟ لأي قارئ أو شيخ تستمع؟ وما هي الكتب التي قرأتها؟".

يصف المتحدث معاناته جراء التضييق الأمني المسلط عليه وإهانته بهذا الشكل، بـ"من كُسر جناحه وحُرم من أي تحرّك داخل مدينته وخارجها".

"س 17"

انقضت الأيام الخمسة وبرّأ قاضي التحقيق فتحي من التهم الموجهة إليه، ليعلم حينها أن وزارة الداخلية وضعته قيد الإجراء الحدودي "س 17" دون تسليمه نسخة من القرار، إضافة إلى إصدار مذكرة تفتيش بحقه وحكم غيابي بست سنوات سجن بتهمة المشاركة في تدريبات عسكرية.

وتتخذ الوزارة هذا الإجراء الإداري بناء على صلاحيات وزير الداخلية في مراقبة تجوّل الأشخاص داخل البلاد وأثناء خروجهم خارج حدود تونس، وذلك طبقاً لمقتضيات الأمر عدد 342 لسنة 1975.

يوضح فتحي أن الوزارة اعتمدت في هذه القضية على ما وصفها بـ"أسباب مضحكة" وهي صور شخصية له من هاتفه الخاص خلال عيد أضحى قضاه مع أسرته وهو يحمل آلة الذبح ويقوم بحركات مضحكة، فاعتبرتها صوراً لتدريبات عسكرية ذات شبهة إرهابية، حسب ما يزعم.

إنصاف ولكن...

أنصف القضاء فتحي بإسقاط حكم ثلاث سنوات في جلسة المحاكمة الأولى وبعدم سماع الدعوى لانتفاء التهم في الجلسة الثانية، لكنه بقي يعاني من إشكالية مذكرات التفتيش ضده والتي يتم بمقتضاها توقيفه أينما يذهب رغم تبرئته.

طالت المضايقات عائلة فتحي التي قاطعته وقرر عدم الزواج خوفاً على زوجته المستقبلية، بينما تواصل قوات الأمن مداهماتها الفجائية لهم ومنعه من السفر خارج تونس.

ويتابع فتحي شاكياً: "في كل مرة يوقفني فيها عناصر الأمن يضعون لي بطاقة إرشادات تتضمن معطيات عن الصلاة وعن طريقة لباسي، كما تسببت لي مذكرات التفتيش في فقداني لعملي مرات عدة، بسبب قلق أرباب عملي من وضعي".

الإقامة الجبرية

وفق القانون التونسي، ينص الفصل الخامس من الأمر عدد 50 لعام 1978، المنظم لحالة الطوارئ، على أنه "يمكن لوزير الداخلية أن يضع تحت الإقامة الجبرية في منطقة ترابية أو ببلدة معينة أي شخص يعتبر نشاطه خطيراً على الأمن والنظام العامين بتلك المناطق".

في المقابل، وفق الفصل نفسه، يتعيّن "على السلطة الإدارية اتخاذ كل الإجراءات لضمان معيشة هؤلاء الأشخاص وعائلاتهم".

ووضعت وزارة الداخلية التونسية 138 شخصاً قيد الإقامة الجبرية في منازلهم، قالت إنهم عائدون من بؤر التوتر أو منضوون تحت تنظيم "أنصار الشريعة" المحظور، وفق بلاغها الصادر يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2015.

500 متضرر

تعقيباً على إعلان الوزارة، توصل "مرصد الحقوق والحريات" في تونس، في دراسة ميدانية أنجزها حول الأشخاص المشمولين بإجراء الإقامة الجبرية منذ 2015 إلى غاية اليوم، إلى وجود 500 مواطن متضرر من هذا الإجراء داخل منازلهم أو داخل مدنهم، بشبهتي الإرهاب أو الفساد.

وجاء في الدراسة أن 48 في المئة من المتضررين لم يتم إيقافهم في أية قضية، وأن 27 في المئة منهم تم إيقافهم ومن ثم تمت تبرئتهم قضائياً، فيما تمتع 26 في المئة منهم بالعفو التشريعي العام بعد الثورة.

ويشير التقرير إلى أن 100 في المئة من المتضررين من الإقامة الجبرية تم إعلامهم شفهياً بالقرار، من دون تسليمهم نسخاً منه.

وتذكر الدراسة أن 60 في المئة من الأشخاص المعنيين لم يغادروا تونس لأي وجهة كانت.

"مخالف للدستور"

يوضح المدير التنفيذي للمرصد مروان جدّة، في حديثه لرصيف22، أن رئاسة الجمهورية التونسية مسؤولة عن تبعات قرار الإقامة الجبرية الجائرة بتمديدها المستمر لحالة الطوارئ، إلى جانب مسؤولية وزارة الداخلية.

"طالت المضايقات عائلة فتحي التي قاطعته وهو قرّر عدم الزواج خوفاً على زوجته المستقبلية، فيما تواصل قوات الأمن مداهماتها الفجائية له"...  500 تونسي متضرر من الإقامة الجبرية داخل منازلهم أو مدنهم، بشبهتي الإرهاب أو الفساد

ويرى جدّة أن الأمر الرئاسي المنظم لحالة الطوارئ مخالف للدستور التونسي الذي يضع شروطاً لإعلان حالة الطوارئ، أو ما يسميها الفصل 80، بالتدابير الاستثنائية أهمها تعذر السير العادي لشؤون الدولة، والتي لا تتوفر في الوضع الراهن المستقر للبلاد، حسب تقديره.

وذكّر بأن رئيس الجمهورية المنتخب قيس سعيّد الذي مدد في خطابه حالة الطوارئ في البلاد، كان رافضاً لذلك عندما كان أستاذاً للقانون الدستوري وقبل انتخابه رئيساً لتونس، معبراً عن أسفه من عدم إيفاء سعيّد بتعهداته بإلغاء حالة الطوارئ.

"انتقائية ومزاجية"

وفي ما يتعلق بمسؤولية وزارة الداخلية، عاب جدّة عليها اعتمادها في قرارات فرض الإقامة الجبرية على "الانتقائية والمزاجية في اختيار ضحايا هذا الإجراء، بادعائها في بعض الأحيان أنهم عائدون من بؤر التوتر ويمثلون خطراً حقيقياً على الأمن العام والمجتمع دون إثباتات ودلائل"، وفق تعبيره.

وبحسب جدّة، فإن الوزارة تتعمد عدم تسليم المتضررين نسخاً من قرارات الإقامة الجبرية لتعطيل لجوئهم للقضاء، إضافة إلى عدم التزامها بما جاء في الفصل الخامس الذي يُلزمها بـ"اتخاذ كل الإجراءات لضمان معيشة هؤلاء الأشخاص وعائلاتهم".

ويؤكد أن قرارات وزارة الداخلية الظالمة تسببت بأضرار جسيمة حتى لعائلات المواطنين المشمولين بالإقامة الجبرية فشرّدتها وجوّعتها بعدما تسبّبت في فقدان هؤلاء لوظائفهم.

تصحيح الأخطاء

ولوضع حد لانتهاك حرية المواطنين في التنقل، يطالب المدير التنفيذي للمرصد رئيس الجمهورية بالإيفاء بتعهداته الانتخابية السابقة برفع حالة الطوارئ وعدم تجديدها.

كما يطالب وزارة الداخلية بتصحيح أخطائها ورفع الإقامة الجبرية عن الأشخاص الذين يعانون منذ خمس سنوات منها ولم تُثبت عليهم أية قضايا.

في السياق ذاته، يذهب الكاتب العام للمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب منذر الشارني إلى ضرورة إصدار قانون أساسي ينظّم حالة الطوارئ وصلاحيات وزير الداخلية.

مقاييس واضحة

ويدعو الشارني إلى ضرورة اعتماد مقاييس واضحة ودقيقة لوضع الأشخاص تحت الإقامة الجبرية وإثبات أنهم يمثلون مصدر خطر حقيقي على البلاد، وإلى وجوب منحهم الحق السريع في اللجوء إلى القضاء والحصول على الحكم النهائي في أيام قليلة، إما بالإبقاء على قرار الإقامة أو إلغائه.

ويذكّر الشارني بأن المنظمة طالبت سابقاً بضرورة إعلام كل فرد يُتخذ بحقه أي إجراء أمني، بالقرار كتابياً وبصفة رسمية، مقترحة إحداث دائرة متخصصة تنظر فقط في الطعون المتعلقة بالمساس بحقوق المواطنين وحرياتهم.

وإلى جانب الإقامة الجبرية، لا يزال اعتماد وزارة الداخلية التونسية على الإجراء الحدودي "س 17" يثير جدلاً في صفوف المنظمات الحقوقية.

ووفق تقرير آخر أصدره "مرصد الحقوق والحريات"، فقد بدأ العمل بهذا الإجراء عام 2014 بتعطيل أو منع سفر عديد المواطنين خارج البلاد، فيما تم اعتماده في شباط/ فبراير عام 2015 حتى خلال التنقل داخل الأراضي التونسية.

وقدّر المرصد ضحايا هذا الإجراء بما لا يقل عن 100 ألف مواطن شملهم العفو التشريعي العام وعائلات التحق أحد أفرادها ببؤر التوتر.

إجراء وقائي

رداً على اتهامها بانتهاك الحريات الفردية للمواطنين، أوضحت وزارة الداخلية أن الإجراء الحدودي "س 17" يُعتبر من الإجراءات الوقائية المعتمدة في أنحاء العالم والتي تسعى إلى مقاومة الإرهاب وجرائم أخرى، وذلك خلال جلسة استماع نظمتها يوم الأربعاء 19 شباط/ فبراير لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية في البرلمان التونسي.

وأوضحت رئيسة اللجنة سماح دمق في تصريحات إعلامية أن الوزارة وضعت ضمانات بهدف حماية حقوق المواطنين من بينها إمكانية التظلم لدى الإدارة المعنية أو أمام القضاء.

يُشار إلى أن وزير الداخلية التونسي هشام الفراتي كان قد أعلن، خلال جلسة عامة في البرلمان يوم الجمعة 14 حزيران/ يونيو 2019، أنه تم حصر مجال العمل بالإجراء الحدودي "س17" في المعابر الحدودية فقط والانطلاق منذ مدة في المراجعة الدورية للمشمولين بهذا الإجراء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard