"إذا فشلنا، ماذا سيحدث لكم؟"... ما هو أصل ظاهرة التصفيق للطواقم الطبية؟

الثلاثاء 7 أبريل 202004:06 م

في حين يخضع الملايين من سكّان الأرض إلى الحجر الإلزامي أو الذاتي، يستنفر العاملون/ات في مجال الرعاية الصحية لمكافحة هذه الجائحة على الخطوط الأمامية، رغم مخاطرها.

تقديراً لما يقدّمونه من تضحيات، وفي ظلّ التزام الكثير من الناس بعدم مغادرة منازلهم لدرء نشر العدوى، انتشرت ظاهرة التصفيق للعاملين/ات في القطاع الصحي، والتهليل لهم من شُرَف ونوافذ البيوت في العديد من دول العالم، بينها إيطاليا، فرنسا، إسبانيا، كندا والمملكة المتحدة، عادةً عند الساعة الثامنة مساءً. ما يثير الفضول، خصوصاً لدى بعض المحجور عليهم ممن لديه متسع كبير للتساؤلات المحيرة، عن جذور هذه العادة وسبل انتشارها عالمياً.

في العالم العربي وإيران

ورغم الصمت المطبق الذي يخيّم على معظم الشوارع العربية، بسبب الحجر الصحي ومكوث المواطنين/ات في منازلهم/ن، فقد كانت أجواء بعض الشوارع والأحياء في الإمارات العربية المتحدة صاخبة يوم السبت 21 آذار/ مارس، إذ خرج العديد من السكان إلى شرفات منازلهم للتصفيق، كخطوة رمزية للثناء على الدور الكبير الذي يلعبه الطاقم الطبي، وبعدما لاقت هذه الخطوة ترحيباً كبيراً دعت مجموعة Dubai Expat Community على فيسبوك إلى "وقفة شعبية" ثانية يتخللها التصفيق الجماعي مساء يوم الأربعاء 25 آذار/ مارس عند الساعة الثامنة.

ومن الإمارات العربية المتحدة ننتقل إلى لبنان الذي شهد هذه الظاهرة يوم الأحد 29 آذار / مارس 2020، فعند الساعة الثامنة مساء، خرج الآلاف من اللبنانيين/ات إلى شرفات منازلهم وصفقوا بشكل جماعي للأطباء والممرضات الذين يقدمون التضحيات يومياً، فيستقبلون ويعالجون المصابين بفيروس كورونا، معرضين حياتهم الشخصية للخطر.

هذه المبادرة كان قد تناقلها رواد مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تنتشر على نطاق واسع بعد أن تشاركتها شخصيات عامة مشهورة من إعلاميين وفنانين، مثل راغب علامة، نيشان، هشام حدّاد وآخرين...


وشهدت العديد من المناطق وقفات شعبية تخللها تصفيق وإطلاق أغان وطنية، تضامناً مع الجسم الطبي العامل في كل المستشفيات والمراكز الصحية والمسعفين في مواجهة فيروس كورونا.

في المقابل، انتشرت في سوريا "دعوات خجولة" من أجل المشاركة في حملة التصفيق الجماعي للطواقم الطبية من شرفات المنازل، بالتزامن مع الحجر الصحي وحظر التجول المسائي، وبالرغم من الصورة الوطنية للحملة التي حملت عنوان "عالبلكون" وتخصيص حساب لها على إنستغرام إلا أنها لم تحظ بالكثير من النجاح.

أما في إيران، فقد خرج الإيرانيون ينشدون الأغنية الوطنية "أي إيران" من شرفات منازلهم في حي أكباتان في العاصمة طهران، تحدياً لفيروس كورونا ولإعادة نبض الحياة إلى الشوارع التي خلت تماماً من المارّة بشكل غير مسبوق.

تقديراً لما يقدّمونه من تضحيات، وفي ظلّ التزام الكثير من الناس بعدم مغادرة منازلهم لدرء نشر عدوى فيروس كورونا، انتشرت ظاهرة التصفيق للعاملين/ات في القطاع الصحي، والتهليل لهم من شُرَف ونوافذ البيوت في العديد من دول العربية والعالم... ما هو أصل ظاهرة التصفيق؟

تجليات قديمة

أكدت منظمة الصحة العالمية أن التصفيق من أفضل التمارين في الأنشطة اليومية، والواقع أن التصفيق هو سلوك مكتسب، إذ يبدأ الأطفال بالتصفيق في سن باكر عندما يكتشفون أن أيديهم يمكن أن تحدث ضجيجاً ممتعاً، وبعدها يقوم الأمهات والآباء بتعليمهم كيفية التصفيق لإظهار الحماس.

ولكن من كان أول من قرر أن صوت التصفيق هذا يجب استخدامه لإثبات الموافقة أو إظهار الحماس؟

هناك من يعتقد أن أصل التصفيق يعود إلى فجر الإنسانية. يصف روجر جلبرت التصفيق في بحثه "ضجّة مفعمة بالبهجة: تأملات في التصفيق" (ساوث ويست ريفيو 2001)، بأنه تعبير مسموع غير لفظيّ عن الموافقة، وهو "في أنقى أشكاله، محض ضجة غير فصيحة، إلّا أنها ضجّة تحمل إمكانيات غنية من حيث المعنى".

لا تعرف بالتحديد الجذور الأولى لهذه العادة، لكن يكثر انتشار توثيقها لدى الرومان القدامى. يقول غريغ آلدريد، مؤلف كتاب "إيماءات وهتافات في روما القديمة"، لمجلة ذي أتلانتيك، "يمكنك التفكير بها كأنها شكل قديم من أشكال استطلاع الرأي".

وللعادة أيضاً جذورها في العهد القديم من الكتاب المقدّس، حيث يخاطب كبير المرنمين بني قورح في المزمور السابع والأربعين، قائلاً: "يا جميعَ الأُمَمِ صَفِّقوا بالأيادي. اهتِفوا للهِ بصوتِ الِابتِهاجِ" (ترجمة فان دايك وسميث).

في الحقيقة، لا يمكن معرفة على وجه الدقة متى بدأ الإنسان بالتصفيق، إلا أنه من المؤكد أن هذا السلوك قديم، بحيث هناك العديد من الإشارات لوجوده في بعض المجتمعات القديمة، سواء كان ذلك في روما القديمة أو في مصر، بحيث تظهر الكثير من النقوش المصرية القديمة المصريين وهم يصفقون، خاصة أثناء حفلات الرقص والغناء.

علماء نفس واجتماع يعتقدون أن لظاهرة التصفيق من البيوت التي يشهدها العالم حالياً آثاراً أبعد من كونها مجرد امتنان للكوادر الطبية.

من الفراعنة إلى المجتمعات العبرانية القديمة

ويعتبر كتاب "لماذا يصفق المصريون؟" للدكتور عماد عبد اللطيف، الأول من نوعه في المكتبة العربية، لجهة محاولة وضع أسس علمية لدراسة التصفيق في المجتمعات العربية المعاصرة، دارساً التصفيق في سياقات التواصل الجماهيري المختلفة التي يوجد فيها، على غرار الخطابات السياسية، الحفلات الغنائية والمسرحية، الندوات العلمية، المنتديات العامة والبرامج الكلامية، وكاشفاً الدور الذي يمارسه التصفيق في هذه السياقات والآثار المترتبة على حدوثه، وعلاقته بظواهر أخرى، مثل الهتاف، الصفير، التكبير، التهليل، الزغاريد وغيرها.

وعن ظاهرة التصفيق وتاريخها القديم، قال الكاتب: "في الحضارة اليونانية كان التصفيق هو وسيلة إظهار استحسان الجمهور وإعجابهم بالعروض المسرحية أو الموسيقية أو الغنائية التي يشاهدونها. بل إن اليونانيين ربما كانوا أقدم الشعوب التي عرفت مهنة المصفِّق المأجور، أي الشخص الذي يحصل على مقابل مادي نظير التصفيق المتحمس لمسرحية معينة أو أداء موسيقي ما. فقد كان بعض المؤلفين المسرحيين الذين يعرضون مسرحياتهم على مسرح ديونيسيوس يؤجّرون مجموعات من الجماهير تقوم بالتصفيق الحار لمسرحياتهم أمام لجان تحكيم المسابقات المسرحية. وتذكر كتب التاريخ أن نيرون (37 - 68) أسس مدرسة خاصة لتعليم أصول التصفيق، وأنه كان يأمر ما يقرب من خمسة آلاف فارس وجندي من أفراد الجيش، بحضور الحفلات الموسيقية التي كان يغني فيها وهو يعزف على القيثارة، ليصفقوا له بعد أن ينتهي من الغناء والعزف".

وأضاف الدكتور عماد أن التصفيق قد انتقل على الأرجح من المجتمعين الفرعوني واليوناني إلى المجتمعات العبرانية القديمة، وإن اختلفت دلالته وغايته، شارحاً أن هناك إشارات متعددة إلى التصفيق في العهد القديم، والذي كان يرتبط بمشاعر الفرح الإنساني كما وأنه اعتُبر فعل محبب للرب. ففي المزامير، يأمر الرب البشر بالتصفيق قائلاً: "أيها الناس صفقوا بأيديكم. ارفعوا أصواتكم إلى الرب محملةً بالفرحة؛ لكي يُخشى المولى الأجل الأعلى، الملك الأعظم في كل الأرض".

"دعوا الأنهار تصفق بيديها"

وبالإضافة إلى ذلك، فقد ورد التصفيق في العهد القديم بوصفه بصورة مجازية، لكنه اكتسب طابع الفرح أيضاً، يقول الرب في المزامير: "دعوا الأنهار تصفق بيديها، دعوا التلال فرحةً ببعضها أمام الرب". كما يقول في سفر إشعيا: "كل الأشجار في الحقول سوف تصفق بيديها".

وأوضح الدكتور عماد أنه وبالرغم من أنه في العهد الجديد لم يرد نص يأتي على التصفيق، إلا أن التصفيق كان معروفاً في الكنائس المسيحية منذ فترة مبكرة، نتيجة تأثر الكنائس المسيحية بتقاليد المسرح اليوناني التي كان التصفيق أبرزها.

وعرف العرب في عصر ما قبل الإسلام التصفيق بوصفه ممارسة شعائرية تؤدَّى أمام الحرم المكي، فقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بالتصدية في قوله "وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً"، هو التصفيق، وغالباً ما يتم تصوير عبادة العرب قبل الإسلام عند الكعبة بأنها مزيج من الطواف المصحوب بالتصفيق.

وأكد الباحث أن التصفيق ممارسة ثقافية، لذا تختلف طريقة استخدامه ووظائفه وكيفية تأويله من ثقافة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر.

 ورد التصفيق في العهد القديم بوصفه بصورة مجازية، لكنه اكتسب طابع الفرح أيضاً، يقول الرب في المزامير: "دعوا الأنهار تصفق بيديها، دعوا التلال فرحةً ببعضها أمام الرب".

الاستجابة المتاحة للجمهور

ومع ذلك فقد اعتبر عبد اللطيف أن التصفيق أصبح من أقوى أشكال التواصل الجماهيري في الوقت الراهن، بالإضافة إلى تحوله في بعض أنشطة التواصل إلى عرف مستقر: ففي العروض الفنية الحية عندما يعتلي الفنان خشبة المسرح يبدأ الجمهور بالتصفيق تحيةً له، وقد يتخلل ذلك تصفيق آخر لإظهار الإعجاب، وتصفيق ثالث لإعلان الرغبة في الإعادة، وفي ختام العرض يأتي تصفيق الوداع مع انسدال الستارة، وبالسياق نفسه يتعالى صوت التصفيق عندما تهبط الطائرة، وهو سلوك شائع رغم أن أسبابه تبقى لحدّ الآن مجهولة، فالبعض يعتبر أن التصفيق في هذه الحالة يكون نابعاً من الشعور بالفرح واحتفالاً بالعودة إلى الوطن، في حين أن البعض الآخر يشير إلى أن التصفيق يأتي في الغالب مصحوباً بالشعور بالراحة بعد رحلة جوية مروعة، أو استمراراً لتقليد لا أحد يعلم متى وكيف بدأ بالتحديد، وبالتالي يبقى التصفيق على متن الطائرة وسيلة تعبير عالمية، عابرة للثقافات ولا تحتاج إلى لغة لفهمها.

وبالعودة إلى الدكتور عماد عبد اللطيف، فقد أشار في كتابه إلى أن الطابع العرفي للتصفيق أدى إلى تحوله في الوقت الراهن إلى مهارةٍ تواصلية، يُكتسب جزء منها من خلال الملاحظة والمحاكاة والتقليد، ويُكتسب جزء آخر بواسطة التوجيه والإرشاد، ويتم صقلها بواسطة الخبرة والممارسة، مشدداً على أن التصفيق يكتسب أهمية خاصة نظراً لاحتمال أن يكون في بعض الحالات الاستجابة الوحيدة المتاحة للجمهور.

لماذا نصفق من النوافذ؟

ورغم الانتشار العادة العابر للتاريخ والجغرافيا وطبيعة المناسبات، عند إجراء بحث غوغل باستخدام كلمة تصفيق باللغة الإنكليزية اليوم، النتيجة الأبرز والأكثر انتشاراً هي التصفيق للعاملين/ات في القطاع الصحي في وجه فيروس كورونا.

الطواقم الطبية تخاطر بسلامتها حول العالم لفحص الناس ومعالجتهم في سعيهم للوقوف في وجه فيروس كورونا وانتشاره. يزيد مهمة أولئك الطواقم صعوبةً كون الفيروس مستجداً لا معلومات كافية حوله، بالإضافة لنقص الموارد وضعف التقنيات والضغط الكبير في العديد من الدول، هذا ما دفع الناس إلى شُرَفِهم ونوافذهم لكي يوجّهوا لهم هذه التحية امتناناً وعرفاناً، معتبرين أنه أقل ما يقال عن العاملين في القطاع الطبي إنهم "أبطال" لكونهم يعملون على مدار الساعة ويعرضون أنفسهم للخطر لإنقاذ الأرواح.

يتخطّى التصفيق والهتاف حاجز اللغة، وتلغي الاستعاضة به عن الشعارات الكلامية الفروق بين الناس.

وفي هذا الصدد، أشارت صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أنه مع النقص الكبير في اللوازم الطبية والحرمان من النوم، يبذل الطاقم الطبي قصارى جهده لوقف جائحة عالمية مليئة بالغموض، وذلك بهدف الحفاظ على أكبر قدر من الأرواح البشرية، هذا ونقلت عن أحد الأطباء الذين يعالجون المرضى المصابين بكورونا، قوله:" إذا فشلنا، ماذا سيحدث لكم جميعاً؟".

لكنّ علماء نفس واجتماع يعتقدون أن لظاهرة التصفيق من البيوت التي يشهدها العالم حالياً آثاراً أبعد من كونها مجرد امتنان للكوادر الطبية.

يخبر المختصّ الفرنسي في علم النفس، سيلفان دولوفيه، جريدة لو فيغارو أنّ الآثار النفسية لهذه الظاهرة تنعكس بالدرجة الأولى على المُصفّقين أنفسهم، أكثر ممّا تؤثر على من يُصفّق لهم.

"تنتشر هذه الظاهرة في البيئات الملائمة، تحديداً المدن، حيث تقابل الشوارع والبنايات بعضها البعض"، يقول عالم الاجتماع دومينيك بولييه، في المقال ذاته، موضحاً أن المدن تشهد روابط اجتماعية أضعف بين سكّان الحيّ الواحد مقارنة ببيئات أخرى كالقروية.

"يزيد الحجر الصحّي وعي سكان المدن بمحيطهم المباشر ويقوّي شعورهم بالتقارب الاجتماعي… يعطي الحاجة لإظهار أننا متضامنون مع بعضنا البعض"، يقول دولوفيه، مضيفاً أن البشر بحاجة دعم اجتماعي للتعويض عن عدم الاستقرار الذي يعيشونه اليوم.

عندما نصفّق مع الآخرين، بحسب دولوفيه، "لسنا وحدنا، بل نعيش التجربة نفسها". كما يتخطّى التصفيق والهتاف حاجز اللغة، وتلغي الاستعاضة به عن الشعارات الكلامية الفروق بين الناس.

"في وقتٍ تتحدّ فيه إمكانيتنا على التحرّك، يسمح لنا هذا التصفيق بأن نرى بعضنا البعض نؤدّي دوراً بشكل جماعي،" يقول بولييه، "هناك سعادة حقيقية في أن يتلاقى الجموع بهذا الشكل".

 يتخذ التصفيق اهتماماً عالمياً ويكتسب رمزية خاصة، فالخروج إلى شرفات المنازل والتصفيق للعاملين في مجال الرعاية الصحية والذين يقفون في الخطوط الأمامية في هذه "الحرب الشرسة" على كورونا، ينبع من حسّ التضامن الإنساني الذي فرضه الوباء، فالعالم أجمع يحارب اليوم "عدو مشترك"

"ما زلنا هُنا"

واللافت أن ظاهرة هتاف الناس في المساء بدأت في منتصف شهر كانون الثاني/ يناير وتحديداً في مدينة ووهان الصينية، حيث انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي فيديوهات للقاطنين في المباني السكنية الشاهقة، وهم يهتفون ويصرخون " jiāyóu! " وهو ما تمت ترجمته إلى "استمروا في القتال"، وذلك بهدف تعزيز الروح المعنوية وحث الناس على الصمود في ظل هذه الظروف الحياتية الصعبة.

وبالمثل، يتخذ التصفيق اهتماماً عالمياً ويكتسب رمزية خاصة، فالخروج إلى شرفات المنازل والتصفيق للعاملين في مجال الرعاية الصحية والذين يقفون في الخطوط الأمامية في هذه "الحرب الشرسة" على كورونا، ينبع من حسّ التضامن الإنساني الذي فرضه الوباء، فالعالم أجمع يحارب اليوم عدو مشترك وهو عبارة عن فيروس قاتل يفتك بالأرواح المستهترة، أما التصفيق فيأتي ليوجه رسالة قوية مفادها: ما زلنا هنا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard