"صناعة أجدادنا ومنشط جنسي لأبنائنا"... هل تذوقتم البطارخ المملحة في دمياط؟

الأحد 19 يناير 202004:21 م

يتعامل معها المصريون بحرص كالذهب، يدفعون فيها آلاف الجنيهات بلا تردد، ويتحدثون عنها وعن "سرها الباتع" في دنيا الرجال كالكافيار، ويصيغون الحكايات عن تأثيرها مع زوجاتهم، وصديقاتهم، إنها البطارخ.

في حلقة السمك في دمياط، وقفت أراقبه بدهشة، وهو يمسك سكّينه الحاد بحرفية أتقنها من فرط التكرار، فبحركة سريعة يشق بطن سمكة البوري، وبأطراف أصابعه يلتقط ما حوته في بطنها من بطارخ، يغسلها برفق، فتزداد لمعاناً كسبيكة ذهب غالية، لا يقترب منها إلا من يقدر على دفع ثمنها.

اسمه أحمد، يعمل بالحلقة منذ سنوات، قال لي، إنه وأبناء مهنته في أغلب المدن الساحلية، وليس في دمياط فقط، ينتظرون موسم البطارخ كل عام "على نار"، لما يحققونه من مكاسب.

"كلنا ننتظر موسم البطارخ"

مع نهاية شهر أكتوبر من كل عام تبدأ البشاير، فتمتلئ أسوق السمك تدريجياً في المدن الساحلية، بأمهات البوري، والطوبار، وهذا يعني حصيلة وفيرة من البطارخ التي تملأ الأسواق حتى نهاية يناير.

يتراوح سعر الكيلو الطازج منها ما بين 350 وحتى 550 جنيه مصري، أي ما بين 25 و 55 دولار، وهو أكثر بكثير من أسعار اللحوم والدجاج، كما يبيعها أحمد هذا الموسم.

وعن سر الإقبال عليها رغم ارتفاع ثمنها، يقول أحمد: "يقبل عليها عشاقها لما هو معروف عنها من فوائد، فهي غنيه جداً بالفسفور والكالسيوم، يتعامل معها الرجال معاملة الكافيار والفياجرا، لأنها منشط فعال للقدرات الجنسية، لذلك تجدينها دائما الهدية المفضلة في الأعراس، هدية يقدرها العريس ويعرف قيمتها".

وعلى الرغم من قصر موسم البطارخ الذي لا يتخطى الثلاثة أشهر، إلا أن المصريين يخزنونها مُملَّحة، حتى تصبح في متناول زبونها وقتما يشاء.

البطارخ المملحة واحدة من أشهر وأبرز المقبلات التي عرفها المصريون منذ سنوات طويلة، يردد البعض أنهم تعلموا طريقة تمليحها من اليونانيين الذين قطنوا المدن الساحلية في أوائل القرن الماضي، وجاء في كتاب موسوعة مصر القديمة، الجزء الثاني، أنَّ المصريين كانوا يخرجون البطارخ من السمك بعد تجفيفه، كما توضح رسوم مقبرة "نب كاووحر" في سقارة.

وأصبحت طريقة تمليح البطارخ مع الوقت حرفة تمتهنها عائلات مُحدَّدة، ويتوارثونها جيلاً بعد جيل، يعرفهم عشاق البطارخ في كل مدينة.

بطارخ حميد في بورسعيد هي الأشهر، يليها بطارخ السيد خميس في دمياط، وهو المحل الذي تأسس في عام 1949، كما توضح لافتة تصدرت واجهته.

في المحل، تحدث رصيف22 إلى خالد، حفيد مؤسس المكان الذي يتولى إدارته حالياً، يقول الشاب الثلاثيني خالد: "نشتري البطارخ في موسم "شيل السمك"، أي الفترة التي يستعد فيها السمك للتكاثر قي أكتوبر، ونقوم بتمليحها، وتخزينها لتصبح جاهزة وفي متناول الزبون وقتما يشاء. لكنها تشهد إقبالاً واضحاً في مواسم الحج والعمرة والأعياد الدينية للمسلمين والمسيحيين وشم النسيم".

أيضاً يطلبها البعض كهدية لأصدقائه في الخارج، بحسب خالد، فيشتريها قبل سفره، وخصوصاً إلى لبنان، حيث يوجد للبطارخ المصرية عشاق كثيرون هناك.

"يتعامل الرجال مع البطارخ معاملة الكافيار والفياجرا، لأنها منشط فعال للقدرات الجنسية، فهي الهدية المفضلة في الأعراس، ويأخذونها كهدايا خارج مصر، فعشاقها كثيرون في لبنان"

وعن أنواعها يقول خالد لرصيف22: "هناك بطارخ المزارع، وبطارخ البردويل، يستطيع الزبون التمييز بينهما بسهولة، فالأولى حجمها صغير تستخرج من سمك الطوبار، تصل عدد حبات الكيلو لـ15 بطروخ، يتراوح سعره طازج قبل التمليح بين 350 و400 جنيه مصري، وتباع مملحة بـ800 جنيه للكيلو".

أما النوع الثاني وهو بطارخ البردويل، فهو يستخرج من السمك البوري البلدي، الكيلو الواحد يتكون من ثلاثة بطارخ على الأكثر، يصل سعرها قبل التمليح لـ550 جنيه بينما تباع مملحه بـ1200 جنيه فأكثر.

تجد البطارخ زبونها حاضراً دائماً في السوق المصري برغم الأزمات الاقتصادية التي يعيشها الجميع، ويبرر خالد ذلك بأنه متاح بيعها بالغرام أو "بالفص"، أي بالبطروخ الواحد، فلا يشترط أن يشتري الزبون كيلو بألف جنيه أو أكثر، لكن يمكنه أن يشترى فصاً واحداً بمائة جنيه مثلاً.

وعن سبب ارتفاع سعرها يقول خالد: "قلة الكميات التي يطرحها البحر حالياً، أذكر عندما كنت طفلاً في أوائل الثمانينيات كان أبي يبيع الكيلو المملح بـ300 جنيه فقط. حيث كانت تتوافر بكثرة وكانت أكبر وأكثر بيضاً، عكس الآن، فنادراً ما نجد بطارخ "زقة" بلغة سوق السمك، أي تمتلئ بالبيض، فالسلعة كلما ندرت ارتفع ثمنها".

يقول خالد عن طريقة التمليح إنها مسألة سهلة، فبخطوات ثلاث تتحول البطارخ من طازجة إلى جافة مملحة، حيث يتم غسلها جيداً بالماء الجاري، وتفريغ أوعيتها الدموية، باستخدام قطعة عملة معدنية، وهذه عملية يجب إتمامها بكل حرص حتى لا ينفجر البطروخ، ثم يتم تصفيتها جيداً ورشها بملح ناعم مضاف إليه نسبة بسيطة جداً من الملح الإنجليزي، ثم تترك حتى تتشرب كل الملح. في الصيف لا تستغرق أكثر من ساعة أما في الشتاء فيصل إلى ساعتين حسب حرارة الجو.

ثم بعد ذلك يتم غسلها جيداً مرة أخرى، وتُصفَّى، ويتم نشرها على ألواح خشبية سميكة وناعمة، ويتم تقليبها وتشكيلها باستخدام لوحين من الأخشاب حتى تكتسب شكلها المميز، وبعد أن تجف تماماً يتم تغليفها بأكياس مفرغة تماماً من الهواء، ووضعها في الثلاجة.

البطارخ والثروة السمكية في مصر

البطارخ منتج لا تجده سوى في مصر، ففي أغلب دول العالم يحرم صيد الأسماك في فترة التكاثر، حفاظاً على الثروة السمكية. فهل أثرت هذه التجارة على ثروة مصر من الأسماك؟

يقول أيمن عمارة، رئيس هيئة الثروة السمكية في مصر، لرصيف22: "البطارخ سلعة عرفها المصريون منذ سنوات طويلة، توارثوا عشقها جيلاً بعد آخر، واحترفوا صيد الأسماك الأمهات في فترات التكاثر، وبالرغم من ذلك لا نستطيع أن نقول إنها أثرت على الثروة السمكية المصرية، فسمكة البوري الأم الواحدة تنتج ملايين الأسماك، وهو ما يعوض ما يصطاده المصريون".

وحول دور الدولة في حفظ الثروة السمكية لمصر، يقول: "هناك قانون يحرم الصيد على مسافة أقل من 2000 متر من فتحات البواغيز التي تمر منها المياه بين البحيرات والبحر، والتي تعبرها أسماك البوري لتضع ما في جوفها من أسماك في البحر، لكنه للأسف يتم خرقه بشكل واضح، ولا تستطيع شرطة المسطحات المائية المصرية، أو هيئة الثروة السمكية، السيطرة على عمليات الخرق أو الحد منها".

ويشير أيمن عمار إلى أن هناك قانوناً صدر خلال 2019، يخضع البحيرات الشمالية وبحيرة ناصر للقانون العسكري، حيث ينص على إخضاع أي مخالف للمحاكمة العسكرية، وبتطبيق هذا القانون سوف ينعكس أثره بشكل واضح على إنتاج مصر من الثروة السمكية.

البطارخ مُنشّط جنسي

للبطارخ سمعة شهيرة بين المصريين، فهي منشط يمنح طاقة قوية، كما يؤكد علي شوقي، مدرس الإخراج بالمعهد العالي للسينما، الذي قضى سنواته الأولى في موسكو، موطن أجود أنواع الكافيار في العالم، والذي أحب طعمه وتأثيره.

حيث أكد علي لرصيف22، بحسب تجربته، أنّ الكافيار كان وجبه دائمة الحضور في منزله في موسكو، وحينما عاد مع والديه إلى القاهرة، وجد البطارخ لا تفارق منزل جده الذي كان يوصى تجار الأسماك بإحضارها خصيصاً له، فأصبحت البطارخ مع الوقت بديلاً للكافيار، بل ويفضلها على الأسماك المملحة، لأنها تمنحه طاقة أكبر، ومزاج نفسي أفضل، تكاد تشبه المكيفات في تأثيرها، على حد قوله.

علي يغضب كثيراً من إطلاق اسم الكافيار على البطارخ، فلا يوجد أي تشابه في الطعم بينهما، وخصوصاً الكافيار الروسي الذي وصل سعر العشرة جرام منه الآن الى 320 جنيهاً، كما شاهد في أحد الإعلانات الإلكترونية، فلكل منهما مذاقه ومكانته في عالم المقبلات.

"ما تحويه البطارخ من ملح وفسفور هو ما يرفع الضغط، وبالتالي يزيد تدفق الدم للأعضاء التناسلية مساعداً على الانتصاب، ولكنها لا تعالج الضعف الجنسي"

ولكن، هل فعلاً للبطارخ تأثير على القدرات الجنسية للرجال كما يشاع عنها ويؤكد عشاقها؟

هيثم سامي، طبيب الجلدية والتناسلية، قال لرصيف22 إن هناك أكلات محسنة للقدرة الجنسية وليست علاجاً للضعف، منها الأسماك باختلاف أنواعها، لاحتوائها على الأوميجا 3 التي لها دور كبير في تحسين الخصوبة عند الرجال والنساء معاً.

وأثبتت الأبحاث أنها تحتوي على مركبات بها نسبة كبيرة من الزنك ومادة الدوبامين، الذين يرفعان نسب هرمونات الذكورة والأنوثة، ويزيدان من الرغبة الجنسية، بحسب سامي.

لكن لا ينصح سامي أبداً بتناول هذه الأكلات بشكل متكرر أو بكميات كبيرة، لما لها من آثار جانبية، ويمنع تناولها لمرضى الضغط والسكر بالتأكيد.

محمد حسن عامر، أخصائي قلب وأوعية دموية، فسّر ارتباط البطارخ بارتفاع القدرة الجنسية للرجال، أن ما تحويه من ملح وفسفور هو ما يرفع الضغط، وبالتالي يزيد تدفق الدم للأعضاء التناسلية مساعداً على الانتصاب، وهذا ما يشعر به الرجل فور تناولها، لذلك يعتقد أنها منشط جنسي يشبه عقار الفياجرا الذي يحدث نفس التأثير، لكنه لا يعالج الضعف، كما البطارخ تماماً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard