"الكرنتينا"... جدل فكري عربي مبكر للمحجر الصحي

الثلاثاء 7 أبريل 202003:26 م

في الفصل الأخير من روايته "الطاعون"La peste ، يورد الكاتب الفرنسي البير كامو، سؤالاً محيراً على لسان أحد شخوصه قائلاً: "ولكن ماذا يعني الطاعون؟ إنها الحياة وهذا كل شيء.. إني أعرف أن أعيش..". ويبدو النفس الغرائبي هذا كفيلاً بعودة الرواية إلى السطح من النسيان، وتسجل مطلع العام 2020 مبيعات خيالية في المكتبات الأوروبية... لكأن فعل القراءة هنا يصبح خلال الحجر الصحي، علاجاً أو شفاء من فيروس كورونا، وتطلعاً إلى العيش بامتلاء، حتى في المربع الضيق للبيت.

"ولكن ماذا يعني الطاعون؟ إنها الحياة وهذا كل شيء.. إني أعرف أن أعيش"... يبدو النفس الغرائبي في كلمات ألبيرت كامو هذا كفيلاً بعودة الرواية إلى السطح من النسيان، فسجلت مطلع العام 2020 مبيعات خيالية في المكتبات الأوروبية... لكأن فعل القراءة هنا يصبح خلال الحجر الصحي، علاجاً أو شفاء من فيروس كورونا، وتطلعاً إلى العيش بامتلاء، حتى في المربع الضيق للبيت

وإذا كانت مدينة وهران الجزائرية المحببة لألبير كامو، والتي دارت فيها أحداث الرواية، غير محصنة من جائحة كورونا مثل غيرها من المدن، فإنها تعد نموذجاً ممثلاً للأمكنة التي تصارع من أجل الحياة. وهذا النموذج الكفاحي ليس حبيس زماننا، بل نجده يسافر ارتجاعاً إلى قرون سابقة على غرار القرن التاسع عشر، ودليل ذلك الصراع المستميت للأطباء ببعض المدن العربية، مثل تونس، القاهرة أو بيروت مع الأوبئة والطواعين، مثلما حدث في طاعون 1834. وقد طلب الأمير محمود نامي، من القنصل الفرنسي ببيروت هنري غيز، عام 1835، مساعدته لبناء محجر صحي "كرنتينا"، قبالة ميناء بيروت لحجر المسافرين القادمين عبر السفن، لإثبات خلوّهم من مرض معدٍ للسكان الأصحاء.

ولم يكن من السهل في البداية إقناع الناس بفكرة العزل الصحي لتجاوز الخطر على سلامتهم، فكيف يتخلى المسافر عن حرية الجَوَلان ليسجن بين الجدران منتظراً مصيره المجهول؟ وإلا بم سيعبر المريض أو المشتبه بالعدوى إلى برزخ النجاة؟

سجال ديني

في رحلته العلمية "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، يكشف المصلح المصري رفاعة الطهطاوي، عن إخضاعه القسري للكرنتينا بمجرد وصوله إلى مدينة مرسيليا في 1826. كما يعترف في كتابه هذا، أنه في الحجز قفز إلى ذهنه ما قرأه عن السجال الفقهي بين علماء جامع الزيتونة بتونس، حول جواز العزل أو منعه.

السجال يترجمه الشيخان العالمان، محمد بن سليمان المناعي عن المذهب المالكي، ومحمد بن محمد بيرم الثاني عن المذهب الحنفي. فمحمد بن سليمان يرفض الحجر الصحي بينما بيرم الثاني "يكرنط"، أي يقبل العمل بنظام الكرنتينا الصارم. وقد ألف كل من العالمين رسالة شارحة لوجهة نظره في هذا الشأن، وهي ما تزال مخطوطة تتطلب التحقيق والنشر، كما يؤكد أستاذ المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس، فتحي القاسمي.

يظهر الاختلاف هنا مدى انفتاح الفكر العربي بشكل مبكر على فعالية الحجر وفائدته، لا على صحة الانسان فقط، بل على نشاطه الاجتماعي، الديمغرافي والاقتصادي. فمن جهة يعتبر المذهب المالكي أن الوباء عقاب من السماء وابتلاء للإنسان، فلابد من قبول الموت ولا طائل من الحجر، ومن جهة ثانية يرى المذهب الحنفي أن "الكرنتينا" ضرورية وإلزامية لحفظ البشر من فتك الطاعون.

ووفق رأي الأستاذ فتحي القاسمي، الذي يشتغل حالياً على تحقيق مخطوط "حسن النبأ عن جواز التحفظ من الوباء"، فإن الشيخ بيرم الثاني، بتحمسه للكرنتينا، يبدو معبراً عن البعد الاستشرافي لعلماء الحنفية، وفق مقولتهم "أرأيت لو؟"، وهم بذلك منفتحون على التطور الأوروبي للمعالجة العلمية الدقيقة للأوبئة.

ظاهرة دورية أم طفرة

بُني هذا الجدل الفكري مشرقاً ومغرباً على ظاهرة صحية ملحّة، تواترت أحداثها بشكل فاجع ومؤلم، ولعل أبرزها طاعون هزّ البلاد التونسية، كما يقول المؤرخون، هو وباء سنة 1783. وقد ذهبت بعض الروايات إلى أن المرض حينها أهلك نسبة من السكان قُدّرت بين خمس وثلث مجموع سكان الإيالة التونسية. ثم أعقب ذلك موجات متتالية من الأوبئة في القرن 19، ومثال ذلك على الأخص طاعون 1818 و1819، وقد أزهقا حياة نصف تعداد البلاد. أما في عام 1836 فقد تفشى داء الكوليرا، ولحسن الحظ انحصرت هذه الجائحة في حدود الجنوب التونسي غير المزدحم بالسكان.

ويعلل دارسو ظاهرة الأوبئة أن هذه الآفة يمكن اعتبارها ظاهرة دورية لا يكاد يخلو منها قرن من القرون، فهي بمثابة الاختبار لمدى مناعة السكان ومدى قدرتهم على إيجاد مضادات وتطعيمات ناجعة لإيقاف ضراوته. وأمام العجز عن التوقي منه، كان لابد من اعتماد الحجر الصحي للحد من انتشاره بين الناس بالعدوى الفتاكة، فدوريته كفيلة بتوفير ما يلزم من وسائل لحفظ حياة الناس، سلامة أرزاقهم ومعاشاتهم التي بها يكونون أصحاء قادرين على البقاء.

يبدو أن الأوبئة تتنافس في الفتك بالأجيال، وحتى إن تعاقبت بانتظام أو باختلال زمني وتفاوت مكاني، إلا أن ما يسنها هو الطفرة في كل مرة، ومفاجأة الآدميين بلا رحمة. ففيروس كورونا المستجد لا يضاهيه في الفتك أي طاعون أو وباء، حيث حيّر الأطباء وعلماء البيولوجيا وعصف بتوقعاتهم. إنها الطفرة الأقوى في تاريخ الأوبئة والطواعين كلها، ما يجعل الحجر الصحي والشامل الحل الوحيد لمجابهة هذا الوباء المستجد.

التجدد من رحم الفناء

وضع بيروت غير بعيد عما فعلته الأوبئة بتونس، ومثال "الكرنتينا" وحده كمشهد معماري لايزال قائماً إلى اليوم، رغم تغير وظيفته، يكفي لفهم جدلية الحياة والفناء. وهذا الواقع المزدوج يكاد يلخص عذابات سكان أهم المدن الأوروبية الذين أثبتوا تعايشهم رغم هجومات متتالية لعدة أوبئة، مثل طاعون الريح الأصفر، الموت الأسود والحمى الإسبانية التي حصدت لوحدها قرابة 20 مليون ضحية.

هذه المدن لم تخضع لسلطة الموت، بل قاومت ونجحت وأنقذت ما يمكن إنقاذه، ولم يتم التحدي إلا من خلال الأخذ بزمام العلوم. فمثلما خرّجت مدرسة القيروان للطب جراحين مهرة بتونس، دوت سمعة مدرسة قرطبة، أو مدرسة مونبلييه، خارقة حجب الموت والفناء بفعل الأوبئة والطواعين المتتالية، وكلما فُهم الاعتلال أكثر ودُرست أسبابه كانت القدرة على الحد من تفشي الأمراض أكثر جدوى.

في المكان المطل على مرافئ بيروت نمت بناية الكرنتينا، في مكان تداولت عليه الحروب والآفات. وعلى الرغم من أن هذه المنطقة احتوت على مكب للنفايات، مسلخ المدينة ومأوى لمخيمات اللاجئين الأرمن وغيرهم، بداية من 1915، وانجرفت بحريق هائل سنة 1933، ظل اسمها على مر السنين مرتبطاً بتحدي المرض وصمود الإنسان

في المكان المطل على مرافئ بيروت نمت بناية الكرنتينا، في مكان تداولت عليه الحروب والآفات، وعلى الرغم من أن هذه المنطقة احتوت مكب النفايات، مسلخ المدينة ومأوى لمخيمات اللاجئين الأرمن وغيرهم، بداية من 1915، وانجرافها بحريق هائل سنة 1933، ظل اسمها على مر السنين مرتبطا بتحدي المرض وصمود الإنسان.

تحولت كرنتينا بيروت من رمز للفناء وتفسخ اللحم (الجذام) إلى أهم عنصر ملهم للفنون والإبداع، واقتبس عن حكايتها أفلام، روايات أو احتفاليات موسيقية معاصرة. قد نذكر في هذا السياق استلهام الشريط الوثائقي "القطاع صفر" للمخرج نديم مشلاوي 2011، وفيه حاول استقراء تاريخ الكرنتينا كبناية تخفي جرح الحرب الأهلية.

ومن نفس الاسم، نحتت معالم وفق نظرة سردية مستقبلية في رواية "نساء الكرنتينا" لنائل الطوخي. وغير بعيد عن هذه البناية المهجورة، أقيم مهرجان بيروت لموسيقى الروك الصارخة بحب الحياة، سنة 2009، بالإضافة الى الملهى الليلي الذي يحتفي فيه الجسد متراقصاً ينزف عرقاً نشواناً بانفلاته من دمار الطاعون.

ترى ما الفرق بين كمامة طاعون روما 1656 الخشبية المنتصبة على الأنف والمحشوة بالورود والأوراق، وكمامة كورونا المعاصرة المعقمة والمبللة بالمطهرات؟

يتحول هنا الفضاء المقفر إلى امتداد للضيق الذي يصيب الروح، وعلاج لجروح نفسية مغيبة عميقاً في الذات. تنتقل الكرنتينا من ذاكرة منسية إلى واقع تتراكم فيه الدلالات بلا حد. إنه التجدد يخرج من مفاصل الألم، إنه الفن بأبهى تجلياته، ينزّ كرهاً من بقايا الجسد الفاني المحبوس.

في تاريخ الأوبئة والطواعين كله، كان لابد للحجر الصحي من توفير متمماته الطبية، من كمامات وقفازات ومطهرات، حتى تكتمل ترسانة حماية الإنسان من العدوى.

ترى ما الفرق بين كمامة طاعون روما 1656 الخشبية المنتصبة على الأنف والمحشوة بالورود والأوراق، وكمامة كورونا المعاصرة المعقمة والمبللة بالمطهرات؟ أليس لكل كمامة من الكمامتين وظيفة مثلى، هي طرد الهواء الفاسد والرذاذ المعدي، وتطييب الروح وإنعاشها بالأكسجين النقي؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard