من أوديب إلى الحب في زمن الكوليرا... أدب الأوبئة والعزلات

الأربعاء 25 مارس 202004:08 م

الذهول، الكآبة، الذعر، الإنكار، الخوف من العدوى، الارتباك، العجز، دنو الموت، تلال الجثث المتعفنة، يعدد الأدب مخاطر الأوبئة ويصوّر الرعب المنتشر على وجوه السكّان، يمسك أكتافهم الهزيلة ويهزهم بعنف، وبينما يتناوله بعضهم بعقلانية ينحو آخرون نحو التنديد الأعمى بعجز الأديان نفسها أمام الأوبئة.

تكشف الروايات التي تحدثت عن الأوبئة كيفية التعامل مع الحجر الصحي الذي يبدو أنه فكرة ليست بالجديدة، كما فكرة الوباء نفسها: خطر يهدد البشرية باستمرار، ويبدو باستمرار أنه، كالموت، فكرة قابلة للكتابة ولإعادة الكتابة للأبد.

وقد غزت الأوبئة المتوالية بضرواة الكتابات الأدبية، وربما يكون الوقت مناسباً لاستخلاص دروس ورسائل من كوارث البشرية المتلاحقة، الروايات العربية التي تناولت مواضيع الأوبئة أو كانت خلفيات لأحداثها فنادرة، وتكاد تكون معدومة، نستطيع أن نذكر رواية "الوباء" للروائي السوري هاني الراهب، الذي يستعمل الوباء كمجاز لا غير، لسيطرة العسكر على تفاصيل الحياة السورية، وانقلاب بساطة الحياة الريفية والاخفاقات والخذلانات التي سادت في المجتمع السوري الوليد، دون أن يحضر الوباء بمعناه المباشر, هنا عرض سريع لبعض الحكايات الأدبية التي تناولت الأوبئة.

الذهول، الكآبة، الذعر، الإنكار، الخوف من العدوى، الارتباك، العجز، دنو الموت، تلال الجثث المتعفنة، يعدد الأدب مخاطر الأوبئة ويصوّر الرعب المنتشر على وجوه السكّان، يمسك أكتافهم الهزيلة ويهزهم بعنف، وبينما يتناوله بعضهم بعقلانية ينحو آخرون نحو التنديد الأعمى بعجز الأديان نفسها أمام الأوبئة

أوديب ملكاً، سوفوكليس، القرن الخامس قبل الميلاد

مسرحية كتبها سوفوكليس بين 430 و426 قبل الميلاد، تحوي اثنين من أعظم الأهوال: قتل الأب وسفاح القربى، استند إليها العالم النفسي فرويد فيما بعد ليضع واحدة من أهم نظريات علم النفس، لكن ما يهمنا هنا ليس مصير القاعدة الفرويدية، بل الإنسان الذي يتصارع مع تناقضاته فحسب.

من الذي أثار غضب الآلهة بحيث أرسلت الطاعون إلى مدينة طيبة؟ هذا السؤال هو نقطة انطلاق مجموعة من الأحداث التي ستقود أوديب إلى تحقيق مصيره المفجع، الذي تنبأت به من قبل عرافة دلفي: قتل والده والزواج من والدته، يمثل الطاعون في المسرحية مأساة كبرى بقدر ما يمثل، مجازاً، العنف البشري، وتنتهي الحكاية بعقاب شخصي يوقعه الشاب أوديب على نفسه، فحين عرف أنه تزوج أمه وقامت بقتل نفسها، انتزع المشابك الذهبية التي كانت تزين شعرها وفقأ بها عينيه قائلاً: ستظلان في الظلمة، فلا تريان من كان يجب ألا ترياه، ولا تعرفان من لا أريد أن أعرف بعد اليوم، حتى لا ترى الشمس المقدسة إنساناً فعل أكثر الجرائم بشاعة.

ديكاميرون، جيوفاني بوكاتشيو، 1353 م

بوكاتشيو، كاتب إيطالي عاش بين باريس وفلورنسا، ابن غير شرعي لتاجر فلورنسي، كتب سلسلة ديكاميرون التي تبلغ مائة قصة، عبر حلقات متسلسلة عن الإغواء ونساء شهيرات بعد طاعون 1348، حيث يبدأ قصصه بوصف صور الوباء المروعة التي اجتاحت فلورنسا ذلك الوقت، وأوروبا بأكملها، وقد كان وصفه للطريقة التي كانت تدفن بها الجثث دون مرافقين أو رهبان أو صلوات مؤثراً للغاية على الأدب الإيطالي، بالرغم من الفحش الذي يكتب به والتجديف الذي يمارسه، حيث يسخر عبر قصصه المائة من أخلاق الرهبان والكنيسة ويمجّد الشبق، وأكثر قصصه بذاءة هي القصة الأولى من الكتاب الثالث التي تروي كيف أشبع الشاب ماستو شبق نساء الدير بأكمله، ويعترف بنهاية الكتاب ببذاءته وصحّة النقد الموجه له، وفي نفس الوقت يهنئ نفسه على جهده الطويل الذي أتم به عمله.


الطاعون القرمزي، جاك لندن 1912

قصة مستقبلية لما بعد نهاية العالم، عندما يتبقى فقط رجل بصحبة مهر وكلبين، بعد طاعون قضى على جميع من حوله، إضافة لعدد قليل من البشر يحاولون إنشاء مجتمعهم الخاص، بدون ماضٍ ولا ذكريات، أي بدون معرفة مسبقة، وحين يتحدث عن ذكريات العالم المتحضر كما يذكرها يسخر منه أحفاده. رواية تنتمي لعوالم ما بعد النهايات، تطرح العديد من الأسئلة حول مصير الجنس البشري والكيفية التي سيعيد فيها الوجود البشري تشكيل ذاته، وترتيب حضارته التي يعبث بها بدون مسؤولية.

جاك لندن يضع كل تصوراته المأساوية والاستفزازية في خدمة حكاية نهاية العالم، ويقدم المخاوف العظيمة التي تستطيع أن تدمر العالم، برؤية رهيبة تنبؤية، تتماشى مع الرعب الحاصل حالياً من وباء كورونا، باستشراف مذهل.



تكشف الروايات التي تحدثت عن الأوبئة كيفية التعامل مع الحجر الصحي الذي يبدو أنه فكرة ليست بالجديدة، كما فكرة الوباء نفسها: خطر يهدد البشرية باستمرار، ويبدو باستمرار أنه، كالموت، فكرة قابلة للكتابة ولإعادة الكتابة للأبد

الطاعون، ألبيرت كامو 1947

طاعون كامو، هي سجل للحياة اليومية في وهران، المدينة الجزائرية، بينما يتفشى وباء الطاعون فيها، هي رمزية للحرب العالمية الثانية وسيطرة النازية على القسم الأكبر من أوروبا، أو بدقة عن "الشرّ" الذي تقوم به الدعاية تحت سيطرة الرجال وإهمال الإدارة، حيث نشهد جميع مراحل الوباء ونرى التحولات التي يسببها المرض لشعب وهران، ما يزعزع العلاقات البشرية، بينما يسعى الصحفي رامبرت للبحث عن حبيبته رغم نظام العزل، ويلقي الأب بالمسؤولية على السكان "المتخلفين".

رواية تلقي سؤالاً في غاية الصعوبة عن الموقف المطلوب اعتماده، في أوضاع مشابهة، حيث يتحول الوباء الجسدي إلى وباء أخلاقي، في تأكيد على أن الشرّ فكرة موجودة في الانسان، يقوم الوباء بإبرازها فحسب.

الجندي على السطح، جان جيونو 1951

الكوليرا في بروفانس تخلف الدمار، يلاحق النمساويون الجندي أنجيلو باردي، الذي يشتبهون بمشاركته بمؤامرة ثورية، حيث يتهم بمشاركته في تسميم المياه، الطرق مغلقة والمدن محصنة، والجندي الشاب يقوم بمساعدة المحتضرين من الوباء القاتل، ويقوم باللجوء إلى الأسطح لمراقبة الاضطرابات الناجمة عن المرض ويكتشف روعة المناظر الطبيعية المحيطة بالمدينة.

أنجيلو، الملاك كما يوحي اسمه، هو خالد بنقاء روحه التي ترفض الاستسلام وتصرّ على مساعدة البشر، يعبر دون أن يتلوث، الأنقاض والجثث والموت، محمياً بنقاء روحه وصفاء سريرته، هي رواية مغامرة عن الحب والسفر والخلاص عبر الحب.

البلاء، ستيفان كينغ 1978

تقترب هذه الرواية مما يعرف بنظرية المؤامرة، حيث يتخيل ستيفن كينغ انتشار مرض الطاعون نتيجة تسربه من مختبر للجيش الأميركي، بنسبة إصابة تقارب 100%، يتبقى عدد قليل من الأفراد على قيد الحياة، يسعون للانضمام إلى الأم أبيغيل، وهي امرأة سوداء تبلغ من العمر 108 سنوات، ويعتمدون عليها في خلاصهم، مقابل فريق الشر الذي يقوده الرجل المجهول، راندال فلاج.

رواية رعب مظلمة وغامضة تم تحويلها إلى مسلسل تلفزيوني، مليئة بالمشاهد المخيفة، كإلقاء الجثث في المحيط الهادئ حين تمتلئ مدن مثل لوس أنجلوس ونيويورك بالجثث، إعادة للصراع الأبدي بين الخير والشر، المكرور لكن المعاش بقسوة.

الحب في زمن الكوليرا، غابرييل غاريثيا ماركيز 1985

تقع الأمراض والأوبئة في قلب أعمال ماركيز، لطالما أحببت الأوبئة، يقول في مقابلة مع اللوموند، هي مصدر إلهام معدٍ وملهم، لكن الكوليرا هنا ليست الموضوع الأساسي للرواية.

في نهاية القرن التاسع عشر، في بلدة كاريبية صغيرة، يقسم عامل تلغراف شاب لتلميذة جميلة على الزواج والحب الأبدي، في وقت تعذبه الجروح، لكن كما يجري عادة، تزوجت فيرمينا من جوفينال أوربينو، وهو طبيب شاب يعمل على مكافحة الوباء، فيتحول فلورنتينو إلى مغوي دائم، مجاهداً أن يصنع لنفسه اسماً وثروة، وغير متخل عن حبه في الخفاء، ينمو حب فلورنتينو بداخله باهتزازات تشبه اهتزازات المرض، يغزو الحب جسده كالفيروس، ويفشل باستخراجه من جسده.

ينظر إلى الوباء هنا كقوة إيجابية تسمح بتطور المشاعر بطريقة غير عادية، حيث يكون الفيروس رمزاً لعواطف الحب التي تلوث روحاً مضطربة لشاب عاشق.

الملائكة في أميركا، توني كوشنر 1991

مسرحية للكاتب الأميركي كوشنر، كتبها في أوج انتشار فيروس الإيدز في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، تصور المسرحية المؤلفة من جزأين، اثنتي عشرة شخصية من نيويورك في سنوات حكم رونالد ريغان، تتقاطع فيها المثلية الجنسية والمرض والفساد السياسي، في عمل يمزج بين السوريالية وتصوير الواقع الاجتماعي لأميركا الثمانينيات.

يصبح الإيدز مرادفاً للفردية، يعرّي العلاقات البشرية الزائفة في مجتمع مسحوق ومثقل بالاستهلاكات، لكن أيضاً يتم التخفيف من وحشية العلاقات المكشوفة عبر شخصيات قليلة، مثل ممرضة متحولة جنسياً تدعم صديقها في محنته، أيضاً عبر أم مورمونية تمارس العنف من أجل جعل الآخرين يتقبلون مثلية ابنتها، تبدو الاثنتي عشرة شخصية، بما للرقم 12 من رمزية دينية، بمثابة إشارة قوية لفساد المجتمع الأميركي وخرابه حتى عبر الكنيسة.

العزل، جان ماري لوكليزيو 1995

في نهاية القرن التاسع عشر، وعلى متن سفينة عائدة للوطن، يبحر ليون وشقيقه جاك، بعد توقف غير متوقع في جزيرة زنجبار، كشف اثنان من الركاب عن أعراض الجدري، ما يضطر الجميع للهبوط على جزيرة فلات، وهي ملاذ بركاني في المحيط الهندي، حيث يتعين عليهم البقاء في الحجر الصحي لفترة غير معروفة.

تجربة العزلة القسرية في جزيرة، يتم فيها فصل المستعمرين الأوربيين عن السكان الأصليين الذين يعملون في المستعمرات، ليون يشعر بالقلق: نحن سجناء يقول، الانتظار اليائس لسفينة تنقذهم، المكائد التي تفرضها سلطة الفصل، الشخصية الرئيسية في الرواية هي البحر بالتأكيد، إضافة لجد المؤلف لوكليزيو، الذي استلهم من مغامراته هذه الرواية، يخبرنا المؤلف على لسان ليون في سرد حميمي، عن ارتباط معين بالطبيعة من خلال النظر إلى الحياة البرية، مقرونة بالحب من النظرة الأولى لسوريافاتي، الهندية التي ظهرت له لأول مرة في أمسية مقمرة في بحيرة.

في عالم مثالي، لورا كاسيسشكي 2009

مع لورا، يبدو الوباء أداة لرسم صورة مبتذلة للطبقة الوسطى الأميركية اليوم. جيزيل، 30 سنة، تخشى أن تخسر حياتها دون أن تستقر مع وضع أسروي زوجي، فعندما يقترح عليها مارك دورن، وهو قبطان أرمل ومثالي للغاية، الزواج بعد ثلاثة أشهر من لقائهما، لم تتردد لثانية، بينما يعبر وباء الأنفلونزا الولايات المتحدة آخذاً مئات الضحايا، تتحول جيزيل إلى ربة بيت مثالية لرعاية ثلاثة أطفال.

الوباء هنا ليس مقصوداً بل يسقط فكرة منتشرة بعيداً عن المرض، تكاد تكون غير واقعية، فالأنفلونزا ذريعة مثالية لتشريح حالة ذهنية من أمراض عصرنا: ما هو الوباء أمام البحث عن السعادة؟ ماهي السعادة أصلاً أمام فكرة الفناء؟ تضعنا الرواية في مواجهة مزعجة، حيث تورد سلوك الذعر المنتشر نتيجة الوباء، كرد فعل طبيعي في مواجهة الخوف والإهمال وضرورة العيش بأقصى سرعة.

العدو أو نيميس إلهة الانتقام، فيليب روث 2010

في صيف 1944، كان باك كانتور يبلغ من العمر 23 عاماً ويعيش في نيوآرك في الولايات المتحدة، وبالرغم من قدراته الجسدية إلا أنه لم يتمكن من الانضمام إلى الجيش الذي تم تعبئته من أجل الحرب العالمية الثانية، بسبب ضعف بصره، ثم وجد نفسه مديراً للملاعب الرياضية في الحي اليهودي بالمدينة، يشعر باك بالخجل كونه لم يستطع أن يساهم بالمجهود الحربي إلا أنه وجد نفسه في مواجهة حرب أخرى: شلل الأطفال، حيث لا يقتل إنما يصيب الأطفال، المليئة حياتهم بالركض والمرح، بشلل الأطراف.

يحلل فيليب روث المشاعر التي أثارها في باك الغضب من الوباء، حيث يشكك في ردود أفعاله المتعطشة للإجابات، كيف يقيس إحساسه بالذنب أمام شرّ خفي، كيف يستمرّ بمواجهة ما لا يواجه؟

الوباء هنا ليس مقصوداً، بل يسقط فكرة منتشرة بعيداً عن المرض، تكاد تكون غير واقعية، فالأنفلونزا ذريعة مثالية لتشريح حالة ذهنية من أمراض عصرنا: ما هو الوباء أمام البحث عن السعادة؟ ماهي السعادة أصلاً أمام فكرة الفناء، تضعنا الرواية في مواجهة مزعجة، حيث تورد سلوك الذعر المنتشر نتيجة الوباء، كرد فعل طبيعي في مواجهة الخوف والإهمال وضرورة العيش بأقصى سرعة


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard