آخر ضحاياها طفل أُحرق وتُرك يتفحّم... صراعات عائلات في فلسطين تُغذّي استمرارَها السياسة

الثلاثاء 31 مارس 202006:49 م

يوم الأحد الماضي، أمسَت مدينة جنين الواقعة في الضفة الغربية المحتلة على وقع خبر مقتل الفتى منتصر لحلوح (15 عاماً) على يد مجموعة شباب من أبناء مدينته، حيث استدرجوه إلى شارعٍ بعيد عن أماكن الاكتظاظ، وقاموا برشّ جسده بالبنزين ثم أشعلوا النار فيه، وتركوه إلى أن فارق الحياة بعدما تفحّم جسده بالكامل. حصل ذلك، بينما تعيش المدينة حالة طوارئ أعلنتها السلطة الفلسطينية بداية آذار/ مارس الحالي، بسبب تداعيات فيروس كورونا.

وأفاد شهود عيان من منطقة الحادث، لرصيف22، أن سبب الخلاف الذي دفع الجناة لارتكاب فعلتهم ذات خلفية مادية، بين والد الجناة ووالد الفتى المغدور، حيث أن والد الأخير اشترى قبل عدة سنوات منزلاً صغيراً داخل القرية التي يقطنها، وكان والد الجناة قد حاول أكثر من مرة شراء ذلك البيت منه، إلا أن طلبه قوبل برفض  تام.

وأشار الشهود إلى أن ذلك الأمر تسبب بخلافٍ بين العائلتين، بدأ قبل عام تقريباً وكان يتجدد في فترات مختلفة، إلى أن وصل الأمر حدّ استدراج الجناة لمنتصر وحرقه حتى الموت.

وتداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي، بشكل واسع، فيديوهات وصوراً ظهر فيها جسد الفتى المتفحم مُلقًى في شارعٍ عام، وأمامه مجموعة من الناس يحاولون إسعافه، الأمر الذي دفع محافظ جنين أكرم الرجوب إلى طلب وقف نشر تلك المواد المصوّرة لـ"بشاعتها وعدم إنسانيتها"، معلناً عن قبض شرطة المحافظة على الجناة، وهم أربعة أشخاص من عائلة الدبوس، وتحويلهم للنيابة العامة لاتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

جرائم متكررة وعنف متزايد 

للفلسطينيين في مختلف أماكن تواجدهم وعلى مدار تاريخهم القريب، قصص متنوعة مع الصراعات والشجارات العائلية التي غالباً ما ينتج عنها ضحايا في الأرواح، وتدمير في الممتلكات.

في عام 2016، شهد قطاع غزة جريمة قتل شخصين من عائلة أبو مدين الكبيرة التي تسيطر على جزء واسع من الأراضي الساحلية، وذلك على يد اثنين من أبناء عائلة دغمش التي كانت تتمتع بسلطةٍ إبان حكم حركة فتح للقطاع، وتمتلك كميات كبيرة من الأسلحة. 

كانت خلفيات الجريمة ثأرية، وسادت آنذاك أجواء توتر عالٍ بين العائلتين أثّرت على المناطق المحيطة بهما، ولم يتم السيطرة عليها إلا بعد أن تدخلت قوات كبيرة من الشرطة وفصائل المقاومة المسلحة وطوّقت المنطقة بأكملها لعدة أيام.

استدرجه شباب وقاموا بإشعال النار في جسده، وتركوه حتى تفحّم بالكامل، بسبب خلاف على منزل بين العائلتين... هذه واحدة من أحدث جرائم القتل والعنف ذات البعد العائلي والعشائري في فلسطين، والتي تتزايد على وقع انقسام الفصائل واستفادة الاحتلال منها

والضفة الغربية ليست أفضل حالاً، ففي بداية العام الجاري، فُجعت مدينة الخليل، جنوبي الضفة، بخبر قتل مواطن يبلغ من العمر 45 عاماً، على يد مسلحين، في شجارٍ عائلي، وبعد أيامٍ قليلة قُتل مواطن آخر وأصيب اثنان آخران نتيجة شجار عائلي في مدينة أريحا. وفي غربي القدس المحتلة، سجّلت الأجهزة الأمنية الفلسطينية خلال العام الماضي مقتل شاب وإصابة آخر نتيجة خلاف عائلي.

ويعزو مراقبون أسباب تزايد جرائم القتل في الضفة الغربية إلى الفلتان الأمني السائد في معظم المحافظات، حيث تتواجد عائلات كبرى تتمتع بنفوذ حزبي ورسمي واسع، وتمتلك أسلحة ثقيلة خاصة وغير مرخصة.

وليس ببعيد عن ذلك مدن الداخل الفلسطيني المحتل التي تزيد فيها نسبة العنف الناتج عن الشجارات بشكلٍ كبير، ففي ليلةٍ واحدة خلال عام 2017، قُتل ثلاثة شبان وأُصيب اثنان آخران بإطلاق نار عليهم من مصادر مجهولة.

حينذاك، أشار رئيس تحرير صحيفة "حديث الناس" زكريا حسين إلى أن دوافع تلك الحوادث إجرامية بشكلٍ بحت، منبّهاً إلى أن معدلات الجريمة في الداخل تشهد حالة تزايد غير مسبوقة، خاصة في ظل حالة الانفلات والتسيّب الحاصلة، نتيجة عدم قيام الشرطة الإسرائيلية بملاحقة عصابات المخدرات والسلاح.

ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة "القدس المحلية"، اعتمدت في بياناته على عدد من المراجع الحكومية والحقوقية، قُتل خلال عام 2019 في شجارات عائلية، جماعية أو فردية، استُخدمت فيها الأسلحة والآلات الحادة، 65 فلسطينياً منهم 31 شخصاً في الضفة الغربية، و34 آخرين في قطاع غزة.

كما قُتل في الداخل الفلسطيني المحتل حوالي 93 شخصاً، منهم 9 نساء قُتلن على خلفية ما يسمى بـ"جرائم الشرف"، أما البقية فقد أُزهقت أرواحهم بسبب الشجارات التي تتعمد السلطات الإسرائيلية تأجيجها بين السكان العرب بعددٍ من الطرق، وفقاً للتقارير الحقوقية التي ذكرت أن نحو 1400 شخص، قُتلوا نتيجة فعل إجرامي في الداخل المحتل، منذ عام 2000 إلى الآن.

ولم تكن مخيمات اللاجئين خارج فلسطين بعيدة عن قائمة الشجارات والجرائم الناتجة عنها، فمخيم الرشيدية، جنوبي لبنان، يُسجّل بشكلٍ دوري عدداً من الخلافات العائلية التي تتطور لإشكالات يُستخدم فيها السلاح الحزبي الذي يمتلكه اللاجئون، وآخر تلك الشجارات كان قبل عدة أيام، وقد تحوّل إلى اشتباكٍ مسلح نتيجة خلافات قديمة بين عائلات في المخيم، لم ينجح القضاء اللبناني في حلها. 

وفي مخيمات الأردن، تُسجّل الجهات المختصة شجاراتٍ عائلية لكن بوتيرة أقل من لبنان، وذلك كون السيطرة الأمنية على المخيمات هناك أكثر وضوحاً. 

ولا يكاد يخلو التقرير الشهري لـ"الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان" من أعداد قتلى في نزاعات عشائرية، حيث وثّقت طواقمها 19 حالة وفاة عام 2018 نتيجة معارك عائلية وقعت في مناطق الضفة الغربية، كما تُحقّق باستمرار في كثير من القضايا التي تحمل الطابع نفسه وتقع في قطاع غزة، وفقاً لما أدلى به مسؤولوها خلال أكثر من مناسبة عُقدت لمناقشة العنف الداخلي في فلسطين.

المشكلة قديمة لكنها تتفاقم 

لعلّ مسألة الشجارات العائلية في فلسطين والخسائر البشرية التي تنتج عنها، أمرٌ قديم يعود إلى مرحلة ما قبل الاحتلال، وفقاً لما أشار حسن جبر (90 عاماً) الذي يقطن في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، في حديثه لرصيف22، حيث يذكر أنه كان طفلاً بعمر عشر سنوات، حين نشب صراع كبير بين أبناء قريته أسدود التي هاجر منها مع أهله عام 1948، بسبب خلاف على حدود أرض.

وينوّه خلال حديثه إلى أن ذلك الخلاف نتج عنه عدد من المشكلات الاجتماعية، وتسبب في وقوع عدد من الضحايا الذين أصيبوا خلال اعتداء الشباب على بعضهم بالأسلحة البيضاء، كما أدّى إلى رحيل بعض العائلات عن القرية إلى مناطق أخرى.

ويُبيّن جبر أن أغلب الخلافات بين العائلات التي كانت تحدث قبل النكبة، تتصف بالشراسة وكثرة الضحايا، وذلك لأن العقد الاجتماعي والترابط بين العائلات والعشائر كان كبيراً جداً في ذلك الوقت.

الفصائل الفلسطينية، لا سيما حركتي حماس وفتح، ساهمت بتغذية الخلافات العائلية، منذ وصولها إلى السلطة، فدعمت عائلات في قطاع غزة والضفة الغربية على حساب أخرى، وزوّدتها بطرقٍ غير مباشرة بأسلحة ثقيلة زادت من نفوذها وتعاليها على عائلات تُعتبر صغيرة

وفي قصة أخرى، تحقق منها رصيف22 عبر الاستماع لشهادة عدد من كبار السن المهاجرين والقاطنين شمالي القطاع، تبيّن أن شاباً يُدعى موسى، من قرية هوج المحتلة، تسبب في وقوع مشكلة كبيرة بين أبناء عائلته، خلال السنوات السابقة للنكبة الفلسطينية، وذلك لأسباب لها علاقة باتهامه لبعض الأشخاص بسرقة مبلغ مالي منه، ما نتج عنه، آنذاك، خسائر كبيرة على فتراتٍ متفاوتة، كان منها عشرات الإصابات بين المواطنين وحرق عدد من المنازل والأراضي الزراعية.

وبانتقال الحديث للواقع الحالي، يظهر أن الفصائل الفلسطينية، لا سيما حركتي حماس وفتح، ساهمت بتغذية الخلافات العائلية، منذ وصولها إلى السلطة بعد  اتفاق أوسلو عام 1994، فدعمت عائلات في قطاع غزة والضفة الغربية على حساب أخرى، وزوّدتها بطرقٍ غير مباشرة بأسلحة ثقيلة أدت لزيادة نفوذها وتعاليها على عائلات أخرى تُعتبر صغيرة.

 بدورها، تشير مراجع إلى حالة العنجهية التي كانت تعيشها بعض العائلات الفلسطينية الكبيرة، فكانت تمارس أدواراً فاسدة واعتداءات سافرة بحق الأسر الأخرى، الأمر الذي كان يؤدي لنشوب صراعات طويلة، غالباً ما ينتج عنها إغلاق بلدات وقرى، وقتلى وإصابات بالعشرات.

وفي السنوات التابعة للانقسام الفلسطيني، عاش قطاع غزة حملة أمنية وعسكرية كبيرة خاضها عناصر أمن تابعون لحماس التي تفردت في حكم القطاع، هدفت إلى إنهاء حالة الفلتان الأمني التي خلّفتها السلطة الفلسطينية وحركة فتح لتركها أسلحة بكميات كبيرة لدى بعض العائلات الكبرى التي كانت تمارس بقوتها أفعالاً غير مشروعة.

تمكنت الحركة من ضبط الأمر بعد خوضها عدداً من المعارك مع تلك العائلات، خسرت خلالها العشرات من عناصرها، إضافة إلى قتلها للعشرات من أبناء تلك العائلات، وحرق الكثير من المنازل والمنشآت.

بموازاة ذلك، يُلاحظ أن أوقاتاً معينة من السنة تشهد ارتفاع وتيرة الشجارات بين العائلات والمواطنين في فلسطين، ومنها على سبيل المثال شهر رمضان الذي ترتفع فيه نسبة الشجارات بحوالي 20 في المئة عن الوضع المعتاد، وذلك وفقاً لتصريحات سابقة للناطق باسم الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية العقيد لؤي ارزيقات.

وكان ارزيقات قد عزا أسباب تلك الخلافات إلى مشكلات تتلخص في شجار بين أطفال، أو ركن السيارة، وخلافات أخرى بين شباب تتطور لشجارات كبيرة تتدخل العائلة بكاملها، ما ينتج عنها قتل وإصابات وأضرار بالممتلكات والمنازل وترويع الأطفال والنساء والشيوخ.

الحكم العشائري طاغٍ

في تصريحات صحافية سابقة، أشار الخبير القانوني حنا عيسى إلى أن عمليات القتل الداخلية في فلسطين، تعود إلى أصول تاريخية، لكنها لم تكن بالشكل الذي هي عليه الآن، حيث أن الوقت الحالي يشهد تزايداً في حالات القتل.

ويتابع: "الاحتلال الإسرائيلي خلال السنوات الماضية حاول زرع الفتنة بين العائلات الفلسطينية، ونجح في صناعة اقتتال داخلي بين عدد من العائلات، مستغلاً لأجل ذلك، أسباب كثيرة، لها علاقة بالفقر وبالطبيعة العشائرية والقبلية التي تحكم مناطق فلسطينية مختلفة".

الشجارات والجرائم العائلية دخلت، منذ بدء الانقسام الفلسطيني عام 2007، حالة المناكفة والصراع التي يعتمد عليها من يتبعون حركتي حماس وفتح، لتأجيج الصراع.

وعن الناحية القانونية يتحدث: "أشد عقوبة ممكن أن تقع بحق الجاني في جرائم القتل هي الإعدام، بحسب قانون العقوبات الفلسطيني الذي أفرد مواد متعددة للحديث عن جرائم القتل"، مستدركاً بالقول: "الكثير من القضايا تُحَلّ بعيداً عن القانون الرسمي، وذلك لأن الحكم العشائري غالباً ما يأخذ جانباً من القضية، الأمر الذي ينتج عنه التراضي بين الأطراف".

ويلفت إلى أن ذلك يُساهم في تغذية رغبة الانتقام بالقتل والشجارات لدى الجناة، لأنهم يكونون على علمٍ مسبق بأن قضيتهم قد تنتهي بجلساتٍ عائلية، وخيمٍ لـ"العطوة" العشائرية.

من جانبها، أوضحت الأخصائية الاجتماعية ياسمين مهنا، في حديثها لرصيف22، أن الشجارات وجرائم القتل لها أسباب متعددة تشمل الفقر والوضع الصعب للمواطنين والموروث الثقافي والفكري الذي تمتلئ تفاصيله بالعنف والتشوهات، لكن ذلك ليس مبرراً أبداً لارتكاب الجرائم، وفقاً لقولها.

وفي وقتٍ سابق، ازدهرت بين المواطنين في الضفة والقطاع تجارة السلاح غير الشرعية، عن طريق المجموعات الإلكترونية التي كان يظهر فيها كم الأسلحة التي يمتلكها الناس ويرغبون في التجارة بها، فيما حاولت الجهات الرسمية القضاء على تلك الظاهرة بكافة الوسائل.

والجدير ذكره أن الشجارات والجرائم العائلية دخلت، منذ بدء الانقسام الفلسطيني عام 2007، حالة المناكفة والصراع التي يعتمد عليها الناشطون والمغردون الذي يتبعون حركتي حماس وفتح، لتأجيج الصراع وانتقاد الآخر بصورةٍ سلبية. 

وكثير من حالات القتل الناتجة عن الشجارات التي شهدتها الحالة الفلسطينية، تمّ استغلالها سياسياً، وكان آخرها جريمة قتل طفل في نابلس غرد ناشطون مقربون من حماس حولها قائلين: "حتى حالة الطوارئ، لم تكبح جماح الفلتان الأمني الذي تعيشه الضفة الغربية، بسبب ضعف السلطة والأجهزة الأمنية". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard