رؤية كونية دامية ونارية... كيف قدّم شريعتي محمّد إقبال للناطقين بالفارسية؟

الأربعاء 1 أبريل 202004:33 م

صرّح أحدهم في أحد المجالس فرِحاً: طرحتُ أربعة عشر برهاناً في إثبات وجود الله، فردّ عليه شمس تبريزي قائلاً: أتقدّم إليك بالشكر الجزيل بالنيابة عن حضرة الله. يا رجل! أجدرُ بك أن تبرهن على نفسك، فالله ليس بحاجة لبراهينك.

اعتبر علي شريعتي مقولة شمس هذه بمثابة قانون عام ودائم: الله، الدين، الحضارة، الثقافة، الأيديولوجية، المعارف، المسؤوليات، السبل والأهداف، الحقوق، وكذلك مناقشة أحوال الرجال والمذاهب الفكرية الكبرى في عالمنا وتاريخنا، كلّ هذه يمكن ألا تكون مجرّد ترف فكري أو إكليل علمي، لعبة ذهنية فارغة ومعارف عبثية، معاناة غير مثمرة وجهد ونقد واجتهاد بلا هدف، انتقالات عقلية وفنون لفظية وتظاهر حقير بالفضيلة، وألا تكون بعيدة أو غريبة عمّا يدور في أعماق الواقع وصميم الحقيقة ونبض الزمان والحياة والإنسان والآلام والمتطلبات الحقيقية لجيل معين.

الشعب الإيراني يتعرف على شخصيته

عندما نقوم، أولاً وقبل كلّ شيء، بالبرهنة على ذواتنا، ونكتشف من نحن، وأن نعرف بدقة ماذا نريد؟ ومن هنا انطلق شريعتي ليعرّف بمحمّد إقبال، استجابة لدعوة مؤسسة حسينية الإرشاد في عام 1970، التي عقدت مؤتمراً في ذلك الوقت، هدفه التعريف بـ"الصورة الكاملة لإقبال"، موجّهة الدعوة إلى أصحاب الاختصاص من المفكرين الإيرانيين والأجانب، ليقوم كلّ منهم بتسليط الضوء على أحد الجوانب المشرقة في روح شخصية عظيمة، منحت المسلمين العزة والفكر والوعي، لتتيح للشعب الإيراني، الذي اعتاد أن تكون الدراسات مقتصرة على الشخصيات الغربية وأن يشخص ببصره صوب الآخرين، أن يرى ذاته في هذه المرآة الصافية والصادقة، ويتعرّف إلى ثقافته وروحه وشخصيته وإيمانه، فيعلم أنّ بمقدوره أن يصبح إقبالاً، ويسترجع بدين إقبال إيمانه المفقود.

وجد شريعتي نفسه أمام مهمّة تقتضي منه أوّلاً أن يبدد الأوهام العالقة في ذهن شيعة أهل البيت عن محمّد إقبال، وكان من جملتها أنّ إقبال في ذهن أغلبهم مخاصم للشيعة ومهاجم لرموزهم، فراح شريعتي يدفع هذه التهمة عن إقبال، مثبتاً له بعض الأشعار التي يشيد فيها بنموذج المسلم الكامل، عليّ، فاطمة والحسين، ويجمع من خلال من تعرّفوا على إقبال من إصدقائه بعض الأدلة التي توضّح صورة إقبال الحقيقية. ولا أظنّ هذه النقطة هي ما توضّح علاقة شريعتي بفكر إقبال، أو تُبين عن عنوان كتابه "نحن وإقبال"، ذلك أن الهمّ المذهبي حجب كثيرين عن معرفة حقيقية الشخصيات التي يكتبون عنها، ومن هنا أتت كتاباتهم قاصرة، ويمكن أن يصلح مثال على ذلك، تقديم زكي الميلاد لمحمّد إقبال.

نقد إقبال اليوم

اختار زكي الميلاد عنواناً لكتابه "نقد إقبال اليوم"، والكتاب بمثابة وجبة يمكن التهامها بسهولة، ويمكن اعتباره مدخلاً لقراءة بعض أفكار محمد إقبال. يدافع فيه الميلاد أكثر من أن يوجّه نقداً لفكرة أصيلة أو يحاول تطويرها. يذكر الميلاد أنّ عبد الوهاب عزام، أول ناشر مصري لفكر إقبال ومترجم أشعاره، ولم يحل ولو مرة واحدة بالخطأ، إلى كتابات عزام وغيره من أعلام الدارسين المصريين لإقبال، رغم ضرورة الإحالة إلى تلك الدراسات لتقاطع أغلب الأفكار التي يطرحها مع معالجات الأساتذة المصريين قديماً أو حديثاً.

على سبيل المثال، حديث الميلاد عن أثر الحضارة الأوروبية على فكر إقبال ومساجلته لها، تناول ذلك عبد الوهاب عزام قديماً، وحديثاً سليمان بشير ديان، فكرة تجديد الفلسفة الإسلامية تناولها حامد طاهر بشكل جيد في كتابه عن الفلسفة الإسلامية، ومن قبله ماجد فخري، فكرة تجديد التفكير الديني تناولها كلّ من كتب عن إقبال، وترجمت إلى العربية دراسات خُصصت لمناقشتها، فكرة نقد الحضارة الغربية خصص باحثٌ هندي دراسة ضخمة لها واستبعدها الميلاد بالطبع، كما لم يعد الأستاذ الميلاد لأية دراسة عن إقبال أُنجزت في أقسام الدراسات الشرقية في مصر، على كثرة هذه الدراسات وأهميتها، من ذلك دراسات حسين مجيب المصري، الذي خصص أكثر من كتاب لدراسة أفكار إقبال مع مقارنتها بأفكار غيره، ومن تلك الدراسات دراسة سمير عبد الحميد نوح، وهي دراسة هامة لديوان أثار جدلاً فكرياً واسعاً في بلاد الهند، ومن الغريب استبعاده لدراسة حسن حنفي (فيلسوف الذاتية) إذا كنّا نتحدث عن نقد بناء.

يضاف إلى ذلك، تجاوز الدراسات المغربية والجزائرية بشكل خاص عن إقبال، والتحدث عن بكورية دراسته هو عن مالك بن نبي، دون الرجوع لما أنجز في الجزائر حول هذه النقطة على كثرته.

ومن النقاط الغريبة في دراسة تطالب الجماهير العربية بتغيير نظرتها لإقبال، خشية الميلاد، من بداية كتابه إلى نهايته، من أن ينطق بكلمة عن تصوف إقبال، أو ينسى ويذكر عن طريق الخطأ مرشد إقبال الأبرز، جلال الدين الرومي، لذا فالطريق طويلة أمام وعي حقيقي، ينسى فيه الكاتب قبل القارئ ما ورثه من مذهبية وعصبية، فضلاً عن مطالبة الغير بتطوير وعيه أو ممارسته لنقد من أجل البناء!

كان محمّد إقبال يفكّر مثل برغسون، يعشق مثل الرومي، ينشد الشعر لإيمانه مثل ناصر خسرو، ويهدف مثل مارتن لوثر وكالفن إلى "تجديد الفكر الديني" في دينه وإحداث "نهضة إسلامية" في هذا العصر، ويحارب الاستعمار من أجل تحرير الشعوب الإسلامية مثل جمال الدين الأفغاني

محمّد إقبال وجمال الدين الأفغاني

بحسب شريعتي، كان محمّد إقبال يفكّر مثل برغسون، يعشق مثل الرومي، ينشد الشعر لإيمانه مثل ناصر خسرو، ويهدف مثل مارتن لوثر وكالفن إلى "تجديد الفكر الديني" في دينه وإحداث "نهضة إسلامية" في هذا العصر، ويحارب الاستعمار من أجل تحرير الشعوب الإسلامية مثل جمال الدين الأفغاني. وعلى مدار القسم الأوّل من كتابه "نحن وإقبال" يربط شريعتي محمّد إقبال بالأفغاني، فمرّة يصرّح بأن " إقبال هو عنوان فصل، وإننا من خلال معرفتنا به أو بالأفغاني نغوص في كتاب عنوانه هذه الشخصيات، ونصّه نحن، أفكارنا، مشاكلنا، حلولنا. من هنا نقول إنّ معرفة جمال الدين الأفغاني وإقبال، هي في الحقيقة، معرفة الإسلام والمسلمين والحاضر والمستقبل". ومرة يصف إقبال بالمفكّر العبقري الذي "واصل مسيرة الشيخ جمال الدين الأفغاني، في حركة العودة إلى الذات في أوساط هذه الأمة الإسلامية". وهو الذي "أضفى على النهضة الثورية للشيخ جمال الدين الأفغاني قالباً أيديولوجياً، وجعل من دوحته المثمرة الوارفة ذات جذور فكرية عميقة".

إنّ مثل هذه الأوصاف التي أطلقها شريعتي على إقبال، والتبجيل الكبير الذي تردد صداه في كتابه كلّه للأفغاني بحاجة للمناقشة، ولا يمكن قبولها بعد صدور العديد من الدراسات عن الأفغاني التي أبانت عن جهوده في النهضة والتجديد. فإذا كان إقبال قد ذكر الأفغاني في مواضع من كتبه "جاويد نامه" و"تجديد التفكير الديني" إلا أنه لم يواصل طريق الأفغاني، ومن الغبن لحركة التجديد الإسلامي في الهند أن نربط بين إقبال والأفغاني، مع خصومة الأخير لحركة تجديد عليكرة، ووصمه للسيد أحمد خان بالملحد! فأغلب أفكار إقبال الإصلاحية مدينة لمؤسس عليكرة وسلفه الصوفي. ومن جهة أخرى نتوقف في قبول تمجيد شريعتي للأفغاني، بعد قراءتنا للوثائق والكتابات التي أوردها الأستاذ محمّد الحداد الذي تخصص في درس حركة الإصلاح ممثّلة في تيار الأفغاني ومحمّد عبده.

يقدّم إقبال رؤية كونية خاصة ورائعة، تنطوي على الجدّة والحداثة وبنفس المقدار تضرب بجذور عميقة في ثقافتنا وإيماننا العريقين... ونلمس فيها جوهر الإشراق الشرقي وعمق النظرة العرفانية ورقّتها ووحدتها، والتفاؤل والوضوح والواقعية الإسلامية

ما الذي يمكن أن نقتبسه من إقبال لتلبية متطلباتنا في هذا العصر؟

إذا كنا نعترف حقاً أنه يجب قبل كل شيء، وعلى حدّ قول شمس تبريزي، البرهنة على وجود الله، أو بلغة عصرية، قبل البرهنة على حقيّة أو بطلان أي دين أو مذهب، وقبل الكشف عن أي أيديولوجية، اختيار أي طريق أو الإقدام على أي عمل، لا بدّ لنا أن نبرهن على ذواتنا أوّلاً، وأن نتعرّف على وضعنا الإنساني، أن نحدّد حيثيتنا ليمكن بهذه الوسيلة الوصول إلى شخصيتنا الوجودية.

كخطوة أولى، يقدّم إقبال رؤية كونية خاصة ورائعة، يعدّ فهمها بالنسبة للمتنوّر الجديد في المجتمع الإسلامي صعباً وحيوياً في آنٍ واحد. تنطوي هذه الرؤية على الجدّة والحداثة وبنفس المقدار تضرب بجذور عميقة في ثقافتنا وإيماننا العريقين، وتنهل من أقدم الينابيع الروحية في تراثنا. ونلمس فيها جوهر الإشراق الشرقي وعمق النظرة العرفانية ورقّتها ووحدتها، والتفاؤل والوضوح والواقعية الإسلامية، في عقل استمدّ نموه وتطوره من التعرّف على حضارة العالم المعاصر وذرى المعرفة الغربية، وقد طرح رؤيته على نحو جمع فيها النسق المنطقي والتوالف الطبيعي من جهة والأصالة من جهة ثانية. رؤية ترتبط بمتطلبات الإنسان فيما يخصّ حركة التاريخ وآلام الأمم، وهذا هو الفرق الذي يميّز الرؤية الكونية الدينية الأصيلة عن الرؤى الفلسفية والروحانية.

إنّنا بحسب شريعتي، نقف إزاء رؤية كونية دامية ونارية عند إقبال، نتكلم عن عمل وليد انفجار الألم واضطرام العشق. إذ يطرح إقبال مفهوماً عن العمل غاية في الدهشة بالنسبة لأولئك الذين لا يفهمون هذه المفردة إلّا في إطار التكنولوجيا البورجوازية أو الشيوعية الماركسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard