كان لا بدّ لنا من وقفة... ماذا يفعل كتّاب عرب في الحجر الصحي؟

الخميس 2 أبريل 202005:12 م

دخل العالم حجراً صحيّاً كبيراً بعد انتشار فيروس كورونا المستجدّ عليه؛ يسود الصمت في الشوارع العامة، وتغلق المطاعم والمقاهي في المدن أبوابَها، وتؤجّل النشاطات الثقافية والأدبية والفنية في النوادي والمسارح حتى إشعارٍ آخر، أسبوعاً أو شهراً، وربما شهرين وثلاثة، ولا أحد يعلمُ إلى متى سيستمرّ هذا الوباء الجديد بالعالم.

الحياة تغيب عن وجوه الناس الذين تركوا أعمالهم وقوت يومهم، وعادوا إلى بيوتهم التي أصبحت تسمّى كمصطلحٍ صحيٍّ حديثٍ بـ“محجرٍ صحيِّ"، وتحت شعارٍ موحّدٍ بـ"خليك بالبيت"؛ هذا البيت الدافئ الذي يجمع أفراد العائلة جميعها تحت سقفٍ واحدٍ، وهناك السلبيات وهناك الإيجابيات في هذا الأمر؛ الكثير منهم كانوا يفتقدون هذا الوقت الطويل الذي يجمعهُم مع عوائلهم، ومنهم من أصبحوا يبتكرون وسائلهم الخاصة كي يقاوموا الضجر في هذا المسمّى "الحجر الصحي". منهم من يمارسون الرياضة اليومية، ومنهم الغناء والرقص، ومنهم يشاهدون التلفاز ويتابعون المسلسلات اليومية، ومنهم القراءة والمطالعة.

أمّا الكتّاب والشعراء في عالمنا العربي أيضاً يقضون أوقاتهم على طريقتهم في هذه العزلة الأدبية الثمينة. يقول الشاعر والكاتب المغربي د. عمر الراجي لرصيف22 حول حجرهِ الصحي الخاصّ: "لا أبحث عن فعل شيءٍ محددٍ. أسلم نفسي لسلطة الفراغ الكبير؛ فمرةً أجدني في غمرة الكسل اللذيذ، أعيد الاستماع إلى أغاني الزمن الغائب، ومرةَ أجدني أتلذّذ بقطعة حلوى على وقع مكالمة هاتفية طويلة مع صديق. وفي لحظة أخرى أقرأ قراءة خفيفة في مجالات اجتماعية، مع قليل من الأدب الروائي. عموماً لا أؤمن بالقدرة على تنظيم الوقت أو تنظيم القراءة في فترة الوباء. الوباء حالة حصار وليس عطلة استجمام في منتزهات الجبل."

هكذا يتعامل عمر مع حجرهِ الصحي وعزلتهِ الخاصة، ربما مثلما يتعامل مع نصّهِ. لا يستطيع كبح جموح الوقت وتنظيمهُ، لكنّهُ يتعامل معها كمراقبٍ لأحوال الخارج من داخله.

أمّا الشاعر اللبناني حسن المقداد، تحدّث لرصيف22 قائلاً: "بين القراءة والكتابة والتأمل والميديا، كانت فرصة جيدة بالنسبة لي للابتعاد قليلاً عن الصّخب والواجبات التي تفرضها الحياة الحديثة، ولا أحبّها، على عكس المتوقع. هذا الوضع مناسب تماماً لي، وبما أنني أعرف أنه سينتهي بعد فترة تطول أو تقصر، فأنا مشغول باستغلاله."

عموماً لا أؤمن بالقدرة على تنظيم الوقت أو تنظيم القراءة في فترة الوباء. الوباء حالة حصار وليس عطلة استجمام في منتزهات الجبل

وتابع المقداد لرصيف22: "ببساطة، التحكّم بظرف كهذا خارج عن إرادتي. القلق والتوتر ردة فعل عبثية لا معنى لها. افترضتُ في بداية الحجر أن الأمر سيطول. توقعت ذلك، وحضّرت نفسي لاختلاف متوقّع في نمط الحياة. ركّزت على إيجابيات الأمر، وفكرت طويلاً في عبثية الأحداث وسخرية العالم الذي نعيش فيه، فتعاملتُ مع الأمر ببرودةٍ؛ ظرف طارئ لا نملك التأثير فيه إلا بشكل طفيف. عموماً لا تشكل فكرة الانقراض إزعاجاً شخصيّاً لي، ولكنني أخشى الفقد وأخشى التورط في القتل، لهذا أحرص على ألّا اكون ناقلاً للمرض."

هذا عن الكاتب اللبناني حسن المقداد، أمّا عند الشاعرة والكاتبة الفلسطينية سمية وادي، فقد تحدّثت لرصيف22 حول تجربتها مع الحجر الصحي، تقول: "في الحقيقة، بالنسبة لي كفتاة فلسطينية لديها الكثير من المهامّ الحياتية، توزّعتُ بين عملي كمعلمة، وأمّ لطفلة وكاتبة للشعر، ومشاركة لأنشطة عديدة في الثّقافة والأدب. فقد كان الحجر الذي فُرض علينا في قطاع غزة مناسباُ لعمل فترة نقاهة بيتية، وعزلة خاصة لي. فظروف الحياة وملهياتها أبعدتني قليلاً عن أجواء التأمّل والاسترخاء، وهذه فرصة مناسبة للعودة إلى الكتابة والقراءة الفعلية، ويومي موزّعٌ بين القراءة ومحاولات كتابية ومهامّي الأخرى. كما أنني أحاول التخصّص في القراءة والتعمّق في كتب تراجم أدبية."

مدّة الحجر الصحيّ هذه فترة شيّقة لننتبهَ أكثر لما في دواخلنا

هكذا رأت الكاتبة وادي من قطاع غزة المحاصر في فلسطين، كأنّها تقاوم عدوّين في آن؛ الاحتلال الذي يحاصر الأرض، والفيروس الذي يحاصرها من ناحيةٍ أخرى.

وتحدّث لرصيف22 الكاتبُ المصري أحمد اللاوندي، حول تجربته مع الحجر الصحي: "أستغلّهُ في القراءة والاطّلاع. أتعامل معه بشكلٍ طبيعيٍّ جدّاً، ولا أخاف منهُ على الإطلاق. أتبع تعليمات الصّحة، وأطبقها بكلّ جدية، لأن الأمر يجب أن ننتبه إليه دون استهتار. يجب أن نتعامل معه كما المثل الصيني الذي يقول: (أن ننظر إلى الآخر بأنه مصاب، كذلك هذا الآخر يجب عليه أن ينظر إليّ أنني مصاب. لو طبقنا هذا لتوصّلنا إلى نتائج جيدة، فينحسر المرض ولا يمكن أن ينتشر. أبقى في حجري الصحيّ بين الكتب والقراءة والتأمل والموسيقى الهادئة، ريثما ينتهي هذا الوباء، ويذهب إلى غير عودةٍ إن شاء الله."

بالنسبة لي كفتاة فلسطينية لديها الكثير من المهامّ الحياتية، توزّعتُ بين عملي كمعلمة، وأمّ لطفلة، وكاتبة للشعر، ومشاركة لأنشطة عديدة في الثّقافة والأدب

وأخيراً نضيء على تجربة الشّاعرة والكاتبة العراقية أفياء الأسدي التي رأت في حجرها الصحي، إضافات عديدة على تفاصيل يومياتها، ولاسيما في القراءة والكتابة. تقول أفياء لرصيف22: "لطالما كان البشر يخشون فكرة السّجن والقضبان، وكلّ ما يهدّد الحرّية، لذلك أصبحتْ هنالك سجون للعقوبة التي يفقد بها الآدميّ معنى أن يذهب حيثما تأخذه قدماه. هذا التهديد أصبح حقيقة في فترة الحجر الصحيّ هذه، ما يجعلنا نتعامل معه بأنّه قد أصاب الجميع، وجعلنا ننظر إلى بعضنا بعضاً بنفس الصّبر والحكمة في التّعامل مع فيروس قاتل يهدّد حياة عوائلنا وأحبابنا."

وتضيف: "في الوقت نفسه إن مدّة الحجر الصحيّ هذه فترة شيّقة، تمنحنا الوقت لننتبه أكثر لما في دواخلنا؛ للأمور المعتمة البعيدة التي لم يصلها النور منذ وقت طويل، منذ أن انكفأ الدّور على النار، وسال الزبَد من أصابع البحار، وحُوِّرتْ المدافئ إلى الجدران دون الخشب. كان لا بدّ لنا من وقفة مع كلّ ما أخذناه على عَجَلٍ. كان لا بدّ أن نرتّب الأوراق ببطء لنعرفَ ما فيها. تمنّينا لو كان الأمر باختيارنا."

وتتابع الأسدي: "لكنني أرى الجيّد في السيّء، وآمل أن تعطينا هذه الفترة راحة من المحيط المنهِك، من محاولات إرضاء الجميع، من التغلّب على غفراننا لأخطائهم وأخطائنا، من مرارة الأيام التي لا نجمع منها غير التجاعيد والقصائد التي تذكّرنا بهذه التجاعيد وتلك. لا سلطان لنا على شيخوخة القلب، لكن هذه الرّاحة الإجبارية قادرة على إزاحة السِّتار عمّا أهملناه أو عاملناه كمقبرةٍ في الرّوح. لا نراها حقّاً ولا نتعامل معها، لكن أرواحنا تدري بوجودها وعاجلاً أو آجلاً سيتسرّب منها النمل الذي ينخر استقرارنا المزيّف."

وتختتم: "نحن مُكرهون على معالجة ذواتنا التي غفلنا عنها وسط الضجيج. مجبرون على وضع خطة صالحة للمقبل من الأيام، منذرون للحقيقة منذ اللحظة الأولى التي جلسنا فيها مع سيجارة وكوب شاي وصفحة بيضاء وقلنا: هذا السّجن سيحرّرنا، لا بدّ أن نتجرّع الحزن ليصبح للسعادة معنى."

يبدو أن تجربة الكتّاب والشعراء من الوطن العربي في الحجر الصحي التي حجرهم في منازلهم، يمكن اعتبارها فرصة لصناعةِ الإبداع الحقيقي كي يُربّوا الأمل على طريقتهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard