حين يُصبح القبرُ ترفاً... مصير جثث ضحايا الكورونا في العراق يُثير المخاوف

السبت 28 مارس 202001:50 م

لم يخرج أبناء مدينة النهروان (35 كيلومتراً، جنوبي شرقي بغداد) للاحتجاج هذه المرة، تنديداً بسوء الخدمات والإهمال على جاري عادتهم خلال السنوات الماضية، بل كان الهدف من تجمّع المئات منهم في ساحات وشوارع النهروان هو منع جهات حكومية من دفن رفات المصابين بفيروس كورونا في مقبرة اختارتها الحكومة على أطراف المدينة.

خيار الحكومة بدفن جثث مصابين في النهروان، جعل أبناء المدينة ووجهاءها يستشيطون غضباً، بعدما بثّ الخوف في نفوسهم.

يقول أبو نور (39 عاماً) متذمراً من محاولة دفن الموتى المصابين في منطقته: "الحكومة لا تتذكر النهروان إلا في المصائب، فقبل سنوات جاءوا بمشروع الطمر الصحي ووضعوه في النهروان، واليوم يأتون بموتى الوباء لدفنهم في نفس المدينة"، معبّراً عن استغرابه من "إصرار الحكومة على الإضرار بأهالي هذه المنطقة التي عانت من سوء الخدمات ومن تفشي الأمراض لسنوات عدة، دون أن تذكرها الجهات الرسمية لتساعدها".

المصائب تجمع

يتشارك أبناء النهروان الهموم نفسها منذ سنوات طويلة، فالمدينة التي يقطنها اليوم نحو الربع مليون مواطن، يتوسط شوارعها ممرٌ فرعي مكشوف دون غطاء، تملؤه مخلفات المياه الثقيلة، وهو بحد ذاته مصدر كاف للكثير من الأمراض.

يقف أبو حيدر (33 عاماً) بالقرب من الممر، ويتساءل بحسرة: "هل تعلم وزارة الصحة أن مدينتنا تعاني من نقصٍ في المستشفيات والمدارس والمراكز الصحية للمعالجة، وأننا نعيش في بيئة مُتخمة أصلاً بالوباء، فلماذا تصر الوزارة والحكومة على زيادة الطين بلة؟".

يعترض أبو حيدر على ما أبلغت به بعض الجهات في وزارة الصحة السكان بأن الفيروس يموت بعد ساعات من وفاة المصاب، ويقول: "إذا كان الفيروس يموت بعد 12 ساعة كما أبلغتنا الصحة ووزيرها، فلماذا لا يتركوه لأيام لديهم في المستشفى حتى يختاروا رقعة بديلة بعيدة عن مناطقنا السكنية المأهولة بالناس ويجنّبوننا الإصابة وتأثيراتها مستقبلاً؟".

جثث مجهولة القبر معلومة الوباء

بعد يومين من الاحتجاجات المستمرة، تمكّن أهالي النهروان من إجبار الجهات الحكومية على التراجع عن قرارها بدفن ضحايا الفيروس في المدينة، رغم تأكيد الأهالي أن جثة واحدة تم دفنها هناك.

يبقى مصير تلك الجثث مجهولاً في ثلاجات المستشفيات الحكومية التي تعيش اليوم في مواجهة حادة مع تجربة التصدي لوباء كورونا الذي أصاب دول العالم ومنها العراق، وهو ما يدفع الكثيرين للسؤال عن مصير تلك الجثث والرقعة الجغرافية التي ستحط رحالها فيها، بعد رفض أغلب المدن استقبالها للدفن.

وبحسب آخر الإحصائيات التي سجلتها وزارة الصحة العراقية، هناك 42 ضحية، لا يزال أغلبها متروكاً في ردهات الثلاجات في المستشفيات الحكومية، دون تخطيط واضح لتخصيص مقبرة لضحايا الفيروس، باستثناء جثة واحدة سُرّب مقطع فيديو على مواقع التواصل لطريقة دفنها بصورة تتنافى مع معتقدات احترام الميت، ما تسبب بردود فعل شاجبة لطريقة الدفن، ومُطالِبة الحكومة بمراجعة طرقها في دفن جثث المصابين بالفيروس.

تضارب سياسي حول مقابر ضحايا الكورونا

لم يترك الوباء أثره من هلع عام واحتجاجات في بعض المناطق وحسب، بل انتقل ليشكل السؤال عن مصير جثث المتوفين به مصدراً للتجاذب السياسي، بين المطالبة بمراعاة حرمة الميت والتسريع في دفنه وبين مراعاة الصحة العامة واحترام أهالي المناطق التي تنوي الحكومة دفن الجثث فيها.

من جهته، ناشد عضو مجلس النواب السابق والقيادي في التيار الصدري حاكم الزاملي الحكومة بالتحرك سريعاً لدفن الجثث المكدسة في المستشفيات، والتي وصلت حسب قوله إلى حد التفسخ.

كما طالب الزاملي بالالتفات إلى معاناة ذوي المتوفين بالوباء، والذين لا يزالون بانتظار معرفة مصير جثث أبنائهم، قائلاً: "وجَدَت محافظة بغداد مقبرة مناسِبة تبعد 30 كيلومتراً عن أقرب تجمع سكاني، لكن أهالي المنطقة رفضوا الأمر وتظاهروا ضده، مع ذلك أصبح لزاماً على الحكومة أن تجد المكان المناسب لدفن الجثث لأن تكدس الجثامين ووجودها في المستشفيات سيتسبب بأزمة صحية".

"الحكومة لا تتذكر النهروان إلا في المصائب، فقبل سنوات جاءوا بمشروع الطمر الصحي ووضعوه في النهروان، واليوم يأتون بموتى الوباء لدفنهم في نفس المدينة"... تظاهرات في النهروان ضد دفن ضحايا الكورونا، وجدل حول مصيرهم 

مناشدات الزاملي كانت بعيدة كل البعد عن مطالبات النائب السابق رياض غالي الذي ينتمي للتيار الصدري بدوره، إذ يختلف الاثنان حول مصير الجثث.

يرفض غالي الذي يسكن النهروان وكان من المشاركين والمنظمين للاحتجاجات التي انطلقت فيها وضع تلك الجثث قرب مناطق مأهولة، حسب ما يوضح قائلاً: "يجب ألا يدفنوا الجثث في هذا المكان وعلى مقربة من أراضي زراعية وسكنية، لأن الموضوع سيترك آثاراً مستقبلية لا تُحمد عقباها".

ويُضيف: "بصراحة، وضعتنا خلية الأزمة في موقف مربك دفعت أهالي النهروان وأنا منهم للخروج بهذه الصيغة والدفاع عن أنفسنا، فهذا الوباء عالمي وخطير وله تأثير على الأرض والنبات، والأهم على الإنسان".

الموقف الديني... "لا ضرر ولا ضرار"

من وجهة نظر دينية، تُعتبر سرعة دفن الميت أمراً واجباً، لكن البعض من رجال الدين لا يحبّذون تطبيق هذا الواجب في الوقت الحاضر، على مبدأ دفع البلاء.

هذا هو موقف رجل الدين والخطيب الشيخ محمد دواي الذي توجهنا له بالسؤال عن نظرة الشرع حول التعامل مع تلك الجثث ورفض الأهالي لدفنها بالقرب منهم، ليرد موضحاً: "لاشك أن إكرام الميت سرعة دفنه، وهذه قاعدة دينية، لكن إذا كان الميت موبوءاً فهل يجوز شرعاً وضعه قرب المناطق السكنية؟ في الإسلام هناك قاعدة أصولية تنص على ′لا ضرر ولا ضرار′، أليس كذلك؟ إذاً لا بد أن تُبعَد هذه الجثث عن المناطق السكنية".

وأردف: "مسؤولية وزارة الصحة ووزارة البيئة أن تُعالجا الموضوع دون خلق مشاكل مع الناس في هذا الوقت، مع مراعاة الضوابط الدينية التي تطالب بسرعة الدفن مع إبعاد الضرر عن العباد إن كان الميت حاملاً للوباء".

الصحة تنفي مسؤوليتها

بعد هذا التضارب وتبادل المسؤوليات وتعدد المناشدات، كان لا بد من التوجه إلى وزارة الصحة لمعرفة ردها حول ما جاء من اتهامات شعبية لها بتعمد اختيار مناطق دون غيرها لدفن تلك الجثث، وعدم توخيها الحيطة في هذه المسألة.

أتى جواب "الصحة" على لسان مدير الصحة العامة في بغداد الكرخ والعضو في خلية الأزمة الدكتور نازك الفتلاوي الذي نفى كل ما ورد من اتهامات، مشدداً على عدم مسؤولية الوزارة وكوادرها عن اختيار الرقع الجغرافية لدفن ضحايا الوباء.

وتساءل الفتلاوي: "الميت عند دفنه على بعد أكثر من مترين تحت سطح الأرض، من سيُعدي؟ هل سيصيب الميت الآخرين بالعدوى؟ أنا أتمنى من الأشخاص المعترضين أن يسألوا الأطباء أو يسألوا أصحاب الاختصاص حول إمكانية أن ينقل الميت العدوى".

"إذا كان الميت موبوءاً هل يجوز شرعاً وضعه قرب المناطق السكنية؟ في الإسلام، قاعدة تنص على′لا ضرر ولا ضرار′. لا بد أن تُبعَد الجثث عن المناطق السكنية"... مصير ضحايا الكورونا في العراق لا يزال مجهولاً، وسط جدل حول طريقة ومكان دفنهم

وأضاف: "أؤكد أنه لا ينقل العدوى حتى وإن تم دفنه في المقابر الاعتيادية، كما أود أن أوضح للجميع أن نقل الجثث أو الذهاب للمقبرة ليس من مسؤوليتنا، فنحن كأطباء مسؤوليتنا تتجسد في معالجة المصاب بالوباء والاعتناء به، بينما تنقطع علاقة الطبيب بالمريض عند وفاته".

مصير الجثث المبهم

تُسجّل آخر الإحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة حتى إعداد هذا التقرير إصابة 506 حالات ووفاة 42 ضحية من المصابين، وعلى الرغم من ازدياد عدد الإصابات والوفيات يوماً تلو آخر، يبقى مصير الجثث مجهولاً ليشكل عقدة جديدة من عقد مواجهة انتشار الفيروس في العراق.

يأتي ذلك وسط ضعف الإمكانيات الصحية التي تعاني منها البلاد أصلاً وتعلن عنها الجهات الرسمية تكراراً، فالأحياء في العراق يعانون من قلة الرعاية الصحية، وذوو الضحايا يعانون مع الآخرين من الأوبئة، ومن همّ معرفة المثوى الأخير لذويهم المتوفين.

ذوو الضحايا يناشدون

كان من الصعوبة الوصول إلى ذوي الضحايا، فكثر منهم انتقلت إليهم العدوى وتم حجرهم للعلاج في المستشفيات المجهّزة من قبل الحكومة، لكن أحد أبناء ضحايا الفيروس اختار المناشدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، للمطالبة بالسماح له بمغادرة حجره لدفن والده سلمان مجيد، المتوفي قبل أكثر من أسبوع ولم تدفنه الحكومة حتى اليوم.

عبد الهادي الذي نُشرت مناشدته على صفحة مدير صحة الكرخ جاسب لطيف علي الحجامي توسل السماح له بدفن والده بعد أن بدأ الأخير يزوره في المنام بشكل يومي، حسب قوله، وأيضاً بسبب شعوره بالحزن والألم لبقاء جثة والده عالقة دون رحمة قبل مواراتها الثرى، منتقداً في الوقت ذاته الرافضين دفن الضحايا أو من يتهم ذويهم بالتخلي عنهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard