سباق محموم مع الزمن... هل اقترب العلماء من اكتشاف لقاح لوباء كورونا؟

الخميس 26 مارس 202004:00 م

اجتاح فيروس كورونا العالم بأسره، فتسبب في شلّ حركة الحياة، فيما يواصل يومياً حصد المزيد من الأرواح حول العالم، من هنا، فإن الأنظار كلها شاخصة اليوم نحو الباحثين الذين دخلوا في سباق محموم مع الزمن، لاكتشاف لقاح يضمن الوقاية من هذا الفيروس الذي صنفته منظمة الصحة العالمية بأنه "جائحة".

فهل سيتمكن العلماء فعلاً من وضع حدّ لهذا الوباء العالمي في المستقبل القريب، بخاصة وأن تطوير لقاح ليس بالأمر السهل، لأنه يستوجب إجراء اختبارات دقيقة، كما أنه يتطلب فترة زمنية معيّنة من أجل رصد ما إذا كان سيؤدي إلى حدوث أي مضاعفات جانبية؟

تضافر الجهود

حالة تخبط كبيرة يعيشها العالم حالياً بسبب فيروس كورونا، والآمال معقودة على الباحثين والمختبرات، بحيث أن اللقاح وحده يستطيع أن يكبح جماح الوباء الذي ينتشر بسرعة كبيرة بين الناس.

وفي هذا الصدد، تتسابق حوالي 35 شركة ومؤسسة أكاديمية لتطوير مثل هذا اللقاح، وقد أعلنت 4 جهات حتى الآن أنها تقوم حالياً باجراء اختباراتها على الحيوانات، وكشفت شركة موديرنا للتكنولوجيا الحيوية، والتي تتخذ من بوسطن مقراً لها، أنها ستبدأ التجربة على جسم الإنسان في القريب العاجل، وتحديداً في شهر إبريل.

وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية، يعود الفضل في هذه السرعة غير المسبوقة إلى الجهود الصينية، التي كشفت في أوائل شهر يناير، عن تسلسل المادة الوراثية لـ Sars-CoV-2، وهي المسبّبة لفيروس Covid-19، وهو ما سمح للباحثين في جميع أنحاء العالم أن يقوموا بتشكيل الفيروس داخل المختبر، ودراسة كيفية غزوه للخلايا البشرية والتسبب بالمرض.

حالة تخبط كبيرة يعيشها العالم حالياً بسبب فيروس كورونا، والآمال معقودة على الباحثين والمختبرات، بحيث أن اللقاح وحده يستطيع أن يكبح جماح الوباء الذي ينتشر بسرعة بين الناس

وكشفت الصحيفة أن هناك سبباً آخر يقف وراء هذا السباق المحموم، وهو التجارب العلمية السابقة المرتبطة بالفيروسات التي ساهمت في ظهور متلازمة الجهاز التنفسي الحادة (Sars) في الصين، بين عامي 2002-2004، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (Mers) التي بدأت في المملكة العربية السعودية في العام 2012، بحيث شكلت هذه التجارب السابقة، قاعدة بيانات ساعدت الشركات للعمل على تطوير اللقاح.

وتعليقاً على هذه النقطة، قال ريتشارد هاتشت، الرئيس التنفيذي لمنظمة تحالف ابتكارات التأهب للوباء (Cepi)، المختصة في التعامل مع الأوبئة، ومقرها أوسلو: "السرعة التي قمنا بها بتطوير لقاح، مبنية إلى حد كبير على الاستثمار في فهم كيفية تطوير لقاحات ضد الفيروسات الأخرى"، أي أن العلماء نجحوا في التوصل إلى لقاحات خلال مدة وجيزة، وذلك لأنهم استفادوا من بحوث سابقة حول فيروسات تنتمي إلى عائلة كورونا، مثل عدوى سارس ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، حيث جرى التعامل مع هاتين الحالتين من خلال المسارعة إلى تطوير اللقاح، لكن سرعان ما توقفت المساعي إثر انحسار المرضين.

واليوم، في ظل أزمة كورونا المستجدة، أعادت شركة نوفافاكس الأميركية، استخدام اللقاحات السابقة التي جرى تطويرها لأجل الوقاية من Sars-CoV-2، كاشفة أن لديها العديد من المتطوعين المستعدين للخضوع للاختبارات البشرية في الربيع المقبل.

وفي الوقت نفسه، بنت شركة موديرنا تجاربها الحديثة، على العمل الذي جرى إنجازه بشأن فيروس Mers، في المعهد الوطني الأميركي للحساسية والأمراض المعدية.

مسار اللقاح

تعمل جميع اللقاحات وفق مبدأ واحد: "تحفيز الجسم لإنتاج أجسام مضادة للمرض، والتي تشكل نوعاً من الذاكرة المناعية، التي بعد استخلاصها مرة واحدة، يمكن تحريكها بسرعة مرة أخرى، إذا تعرّض الشخص للفيروس في شكله الطبيعي"، بمعنى آخر، إن اللقاح يقوم على فكرة استخدام جزء من الفيروس نفسه وتعطيله عبر الحرارة أو المواد الكيميائية، إلا أن هذه الأساليب لا تخلو من بعض العيوب، بحيث من المحتمل أن يستمر الفيروس في تطوير نفسه وجعل المتلقي مريضاً، بحسب ما تؤكده الغارديان.

وفي العادة تجري التجارب على أي لقاح وفق ثلاث مراحل:

تشمل المرحلة الأولى، اختبار اللقاح على عشرات المتطوعين الأصحاء، من أجل رصد تأثيره على سلامة وآثاره الجانبية، وفي المرحلة الثانية تتوسع الاختبارات لتشمل مئات الأشخاص، وذلك بغية النظر في مدى فعالية اللقاح، بينما في المرحلة الثالثة، تتم تجربة اللقاح على عدة آلاف من الناس، بانتظار النتائج.

ولكن هناك مستوى مرتفع من حالة الاستنزاف التي تصاحب مرور اللقاحات عبر هذه المراحل، إذ يقول بروس غلين، الذي يدير برنامج التحصين العالمي، لمنظمة غير ربحية مقرها واشنطن: "ليست كل الخيول التي تغادر البوابة تنهي السباق"، إذ من الممكن أن تخلص النتائج إلى أن اللقاح غير آمن أو غير فعال، أو الاثنين معاً، ولهذا السبب لا يمكن تخطي التجارب السريرية أو التعجيل فيها، مع العلم أنه يمكن تسريع الموافقة، إذا وافق المنظمون على لقاحات مماثلة من قبل.

وفي حين أن لقاح الإنفلونزا السنوي، على سبيل المثال، هو نتاج خط التجميع المصقول جيداً، حيث يجب تحديث وحدة واحدة أو بضع وحدات كل عام، فإن Sars-CoV-2، على النقيض من ذلك، هو مرض جديد يختبره البشر، والعديد من التقنيات المستخدمة لبناء اللقاحات له غير مجربة نسبياً أيضاً.

"يجب أن يكون للقاح أساس علمي أساسي. يجب أن يكون قابلاً للتصنيع. يجب أن يكون آمناً. قد يستغرق هذا الأمر عاماً ونصف العام، أو أكثر من ذلك بكثير"

وعليه، سوف يتم التعامل مع فيروس كورونا الجديد على أنه لقاح جديد تماماً، وفق ما يؤكده غلين: "في حين أن هناك ضغطاً لإنجاز الأمور بأسرع ما يمكن، من المهم حقاً عدم الاستعجال".

وفي السياق نفسه تؤكد أنيليس ويلدر سميث، أستاذة الأمراض المعدية الناشئة في مدرسة لندن لطب المناطق الحارة، أن نجاح اللقاح يحتاج الى فترة زمنية ليست بقصيرة: "مثل معظم أخصائيي اللقاحات، لا أعتقد أن هذا اللقاح سيكون جاهزاً قبل 18 شهراً".

وردّاً على دعوات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بتسريع عملية تطوير العلاج للحدّ من انتشار فيروس كورونا، كتب إتش. هولدن ثورب، رئيس تحرير مجلة ساينس: "يجب أن يكون للقاح أساس علمي أساسي. يجب أن يكون قابلاً للتصنيع. يجب أن يكون آمناً. قد يستغرق هذا الأمر عاماً ونصف العام، أو أكثر من ذلك بكثير"، وتابع قائلاً: "المسؤولون في قطاع صناعة الأدوية يملكون كل المحفزات للتوصل إلى لقاح بسرعة، فهم سيبيعونه في النهاية، ولكنهم لحسن الحظ يعرفون أيضاً أنه لا يمكنهم خرق قوانين الطبيعة لإنتاجه".

ما العراقيل الأخرى أمام اللقاح؟

بمعزل عن طول المهلة الزمنية، هناك مشكلة محتملة أخرى قد تؤخر إنتاج اللقاح، فبمجرد الموافقة على اللقاح، سيكون هناك حاجة لإنتاجه بكميات كبيرة، في حين أن العديد من الشركات التي دخلت في سباق تطوير اللقاح ليست لديها القدرة الإنتاجية اللازمة.

السياسة والاقتصاد يمكن أن يشكلا عائقاً إضافياً أمام اللقاحات

وبشكل عام، يعتبر تطوير اللقاحات أمراً محفوفاً بالمخاطر، وعليه سعت منظمة "تحالف ابتكارات التأهب للوباء" والمنظمات المماثلة، لتحمل بعض هذه المخاطر، من خلال التخطيط للاستثمار في تطوير لقاح Covid-19 وتعزيز القدرة على تصنيعه.

وفي معرض الحديث عن التحديات والعوائق التي تصاحب عملية الموافقة على لقاح كوفيد-19، يعتبر خبير الصحة العالمية، جوناثان كويك، من جامعة ديوك في كارولينا الشمالية، وصاحب كتاب The End of Epidemics، أن "السياسة والاقتصاد يمكن أن يشكلا عائقاً إضافياً أمام اللقاحات".

هذا وتكمن المشكلة أيضاً أنه في حالة الوباء، يتعين على البلدان التنافس فيما بينها للحصول على العلاج اللازم، بحيث أن البلدان الفقيرة، التي لديها أنظمة رعاية صحية هشّة، ستواجه مشكلة في الحصول على اللقاح، من هنا تسعى منظمة الصحة العالمية مع الحكومات والمؤسسات الخيرية وصانعي اللقاحات، للاتفاق على استراتيجية توزيع عالمية عادلة، تضمن وصول لقاح كورونا إلى كل من يحتاج إليه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard