“لا فسحة على البحر ولا في الحديقة“... أين يلتقي الأحباب في اليمن؟

الخميس 26 مارس 202004:47 م

"يا نصفي الثاني وكلي

عندي طلب حالي مُسلي

مادمت أنا في القلب حَلّي

لقد فتحت الوتس قُلي".

تكشف هذه الأغنية التي كتب كلماتها الشاعر أحمد الديلمي، باللهجة الصنعانية، وغناها العديد من الفنانين اليمنيين، عما يمثّله برنامج التواصل الاجتماعي "واتس أب" من وسيلة للترويح عن النفس وقضاء الوقت، حيث باتت دردشاته هي الفسحة، والملتقى بالنسبة للمُحبِّين والعُشَّاق، يتبادلون عبره مشاعرهم وأحلامهم، ويقضون ساعات طوال في الكشف عن همومهم ومشاكلهم اليومية.

"نكتفي بالنظرات في الجامعة"

الشاب موسى محمد (22عاماً) أحب زميلته في الجامعة، ولكنه لا يستطع أن يلتقي بمحبوبته، فالشارع اليمني المحافظ يجرّم المواعيد الغرامية، ويجرّم أيضاً حتى الحديث العابر في الشارع بين شاب وفتاة.

بعد أن ينهي موسى مراجعة دروسه الجامعية، يتجه نحو محادثة صديقته على واتس أب، في محاولة لتفريج الكرب عن نفسه، والبحث عن التسلية والسعادة.

يخرج موسى لها مكنونات نفسه، ما يواجهه طوال يومه، ويعبر لها عن طموحاته وأحلامه.

"كثير من الوقت ينتهي، الحديث معها يُذهب أحزاني وهمومي"، يقول موسى الذي يدرس بكلية الإعلام في جامعة صنعاء.

"أحب زميلتي لكنني لا أستطيع أن ألتقي بها، ونكتفي بتبادل النظرات داخل قاعة المحاضرات وفي ساحات الجامعة، لكننا نقضي الكثير من الوقت نتحدث على الهاتف أو واتس آب"

يقول موسى لرصيف22: "أحب زميلتي لكنني لا أستطيع أن ألتقي بها، ونكتفي بتبادل النظرات داخل قاعة المحاضرات وفي ساحات الجامعة، لكننا نقضي الكثير من الوقت نتحدث على الهاتف أو واتس أب".

يحدد موسى مع صديقته وقتاً للدردشة على الهاتف، ويظل ينتظرها بفارغ الصبر، فتغمره السعادة عندما يبدآن في الحديث، ويغرقان في سيل من الرسائل المعبرة، حتى ساعات متأخرة من الليل.

وليس هذا حال موسى فقط، بل حال المئات من القتيات والشباب في اليمن، حيث تقف عدة معوقات بينهم وبين من يحبون، أهمها الحرب والفقر والعادات والتقاليد، فيتجهون إلى مواقع التواصل الاجتماعي، للترويح عن أنفسهم، وتبادل رسائل الحب والغزل، والنكات المختلفة مع أصدقائهم.

"الرسم والموسيقى بدلا من التمشية"

استبدلت أمل القانصي هوايتها المفضلة في التمشية صباحاً على صوت فيروز، بأنشطة فنية داخل بيتها، وعادتها في التنزه مع صديقاتها، إلى تبادل الزيارات داخل بيوتهن.

"سلام عليك أيام الرفاهية والليالي المقمرة، كانت أيام وليالي قلبي المترفة"، بهذه الكلمات الشاعرية تتذكر الشابة العشرينية أمل القانصي السعادة التي سلبتها الحرب منها.

كانت متعة أمل اليومية، التمشية صباحاً، مستمعة لأغاني فيروز، ولكنها ذات صباح فوجأت بـ"عزف من لحن آخر"، كانت أصوات الصواريخ التي علت سماء صنعاء.

وتابعت أمل القانصي: "منعتني الحرب من رؤية صديقاتي، لكنها لم تمنعني سماعهن، والحديث معهن هاتفيا، بالإضافة إلى أننا رغم مآسي الحرب نجتمع في المنزل، وتتناول الحلوى، ونسمع الموسيقى".

"نجتمع مع صديقاتي في المنزل نتناول الحلوى ونسمع الموسيقى".

وتحاول أمل استعادة ما سلبته الحرب منها بممارسة بعض هوايتها، والترويح عن نفسها، من خلال الرسم، والعزف، وكتابة الشعر، والجلوس مع الأطفال.

ويتوق محمد مصلح هو الآخر للجلوس مع صديقه سلمان، الذي رافقه أثناء دراسته الثانوية العامة، فجلستهما كانت تبدأ بعد صلاة العصر، بتناول الحنظل مع عدد من أكواب الشاي.

يشتاق محمد، ذو الخمسة والعشرين عاماً، إلى صديقه الذي فارقه، وانتقل للدراسة في محافظة أخرى قبل ثلاث سنوات، فيما يعمل محمد في توزيع المشروبات على متن دباب في محافظة أب، وسط اليمن.

"كنا لا نمضغ القات فنشتري كيساً مليئاً بالحنظل، ونعمل على صنع ثلاجة شاي، ثم نجلس في أحد أركان المجلس نقرأ النكات من أحد جروبات وتس أب، ونضحك حتى المساء".

ويطلق محمد تنهيدات طويلة أثناء حديثه لرصيف22، مقارناً بين ماضيه السعيد، وبين حياته الآن والتي أصبح العمل يأخذ الجزء الأكبر منها، ثم يعود قبيل العصر للجلوس في المنزل وحيداً، يمضغ أوراق القات.

وفي الوقت الذي استهدفت الحرب وتبعاتها كل مساحات الحياة الترفيهية في اليمن، فلا فسحة على البحر ولا موعد في الحديقة، بات الكثير يفضل البقاء من منزله، وقضاء وقته أمام شاشة التلفاز أو على مواقع التواصل الاجتماعي.

"الحرب قضت على الفسحة العائلية"

كان إبراهيم الجبلي، الموظف في التربية، يقضي إجازاته مع أسرته على ساحل البحر الأحمر، في محافظة الحديدة غربي اليمن، وأحياناً يتجه نحو مدينة عدن جنوب البلاد، لقضاء عدة أيام في السباحة واللعب بالرمال، لكنه منذ ست سنوات لم يغادر العاصمة صنعاء في أي رحلة سياحية أو ترفيهية.

أصبحت الطرق غير آمنة بسبب المواجهات العسكرية بين حكومة هادي والحوثيين، ناهيك عن الصراع في مدينة الحديدة بين الطرفين، بالإضافة إلى تدهور الأوضاع الأمنية في عدن، ومنع دخول المواطنين القادمين من شمال اليمن إليها، عقب سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي على المدينة، الأمر الذي جعل إبراهيم وغيره من اليمنيين، يعزفون عن الذهاب إلى الشواطئ اليمنية، ويفضلون البقاء في مناطقهم.

ويلفت إبراهيم (38 عاماً) إلى تدهور الحالة الاقتصادية، فأصبح يعمل على متن سيارته لتوفير احتياجات الأسرة بعد انقطاع تسليم المرتبات، فلم يعد الترفيه والسياحة من أولوياته، كما كانت قبل الحرب.

يقول إبراهيم لرصيف22: "أصبح سعر البترول مرتفعاً، وأيضاً أسعار المواد الغذائية، فتكلفة الرحلة الآن إلى الحديدة تضاعفت ثلاث مرات على ما كانت عليه قبل الحرب، وبالكاد أتمكن من توفير المال لشراء الطعام والاحتياجات الأخرى".

 "أصبح سعر البترول مرتفعاً وأيضاً أسعار المواد الغذائية، فتكلفة الرحلة الآن إلى الحديدة تضاعفت ثلاث مرات على ما كانت عليه قبل الحرب، وبالكاد أتمكن من توفير المال لشراء الطعام والاحتياجات الأخرى"

وبعد إنهاء عمله، يوقف إبراهيم سيارته أمام منزله بالعاصمة صنعاء، ثم يبدأ بمضغ أوراق القات، ويفتح مسجلة سيارته للاستماع للأغاني اليمنية، ثم يفتح هاتفه ليتنقل بين صفحات التواصل الاجتماعي، يتابع المنشورات والتغريدات الجديدة، ويتواصل مع أهله وأصدقائه.

ولم يعد أغلب السكان في اليمن، خلال هذه السنوات العجاف من الحرب، يفكرون بالترفيه والترويح عن النفس، بقدر ما يفكرون بالحصول على قوت يومهم.

"الحصول على الطعام والشراب بدون عناء هو الترفيه".

"لا يوجد أنشطة ترفيهية بالمعنى الحقيقي في اليمن، فالدولة لا تهتم بالترفيه، وحتى المواطنون أنفسهم قد يكون حصولهم على الطعام والشراب بدون عناء هو الترفيه بحد ذاته"، يقول عبد الرحمن الشيباني، كاتب يمني في الشؤون الاجتماعية والسياسية.

ويضيف عبد الرحمن لرصيف22: "لا يوجد حدائق أو متنزهات أو مدن ألعاب مقارنة بالمدن العربية والعالمية، ففي العاصمة صنعاء هناك حديقة السبعين التي باتت مقصداً للمئات من سكان العاصمة، وهناك مدينة الألعاب ماجيكل سيتي، لكنهما للقادرين على دفع المال فقط".

ويشير عبد الرحمن، من واقع تجربته ومعايشته للمجتمع اليمني، أن معظم النساء والرجال يقضون ساعات كثيرة من أوقاتهم في مضغ أوراق القات في مجالس خاصة، أو مع أهلهم، حيث يجعلهم القات يشعرون بالارتياح والسعادة، ويخفِّف من أحزانهم وهموهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard