"الرعب" الذي تخلقه الحلمات

الأربعاء 22 يناير 202002:39 م

ولد الشاب خايرو بلا حلمتين، لاحقته كاميرا الفينزويلي هيكتو سيلفا نونيز في شريط "الجسد الغريب"، للبحث في أصل معاناته، هو إنسان مختلف عمن حوله، الإناث يقرفن من جسده والذكور يسخرون من نقصه، لا يستطيع تحديد "دوره"، نقص خلقي أو خطأ في انقسام الخلايا جعل "لحمه" لا يتطابق مع "صورة" الآخرين، المشكلة أن حلمات الذكر ليست "فاحشة"، لكن غيابها هدد تعريفه لذاته، بل أنه ذهب لطبيب تجميل كي يحصل على حلمات جديدة.

حلمات خايرو ورحلة البحث عنها لا تشكل إلا جزءاً طفيفاً بل وهامشياً من صراع الحلمات المُجنسن، الذي يتحرك بين جواز ظهورها إن كانت للذكور، ووجوب إخفائها إن كانت تعود لجسد مؤنث، حرب الحلمات علامة على صراع نسوي ضد الأخلاق العامة الذكورية، تلك التي تجنسن ما تراه معيباً، وتحوله إلى موضوع لذة لابد من إخفائه، حتى إن كانت هذه الحلمات بوظيفتها البيولوجية الدقيقة، لابد أن تكون مخفية، كما في حالة الإرضاع العلني الذي حورب في الكثير من البلدان بوصفه فاحشاً ومخلاً بالآداب العامة، في مقاربة غريبة لا يمكن تفسيرها مبدئياً سوى بهوس من نوع ما، فلا مشكلة في أن نَعُبَ شفاه وريق أحداهن أو أحدهم، لكن غضباً عارماً يشتعل في حال قام طفل بالرضاعة من حلمة والدته.

عن الحلمات، المحرمات، المشتهاة، مفسدات الأخلاق الهشة

لا يقدم أرسطو شرحاً عن سبب وجود الحلمات لدى الرجال، ولا يحدد وظيفتها، بعكس الثديين المؤنثين اللذين برأيه يعملان كحماية للقلب، ووسيلة لإطعام الأجيال المستقبلية، وكأن حلمات الرجال زائدة أو دون معنى، في حين أن المؤنثة ذات وظيفة دقيقة، ولا ذكر لوظيفتها الجنسية "إن وجدت"، ذات الأمر في قانون ابن سينا الذي يتحدث عن وظيفة الحلمات التغذوية، وبالإمكان ذكر سلسلة طويلة من الاقتباسات والحكايات للدلالة على وظائف الحلمات دون إشارة إلى جنسنتها.

المثير للاهتمام هو اللحظة التي تحولت فيها الحلمات إلى "عضو" محرّم الظهور علناً، لكنه مباح في اللوحات والفنون العلنية، وكأننا أمام تاريخين، فيزيولوجي وآخر جمالي/ شهواني تحركه اللياقة العامة، هذا "التحريم" ثقافي أكثر منه "تطوري"، فـالغوريلا الشهيرة كوكو، والتي تعلمت لغة الإشارة، كانت تعجب بـ"حلمات" بعض المدربات اللاتي نزعن ثيابهن أمامها إثر ضغط من مدربة الغوريلا فرانسيس باترسون، حسب الدعوى القضائية المرفوعة، الأهم، أن باترسون قالت: "إن ما حدث مكون طبيعي لخلق علاقة عاطفية مع الغوريلا، دون أي دلالات جنسية".

يقول بيت الشعر الشهير لكريستوفر مارلو، أن ألف سفينة إغريقية تحركت لأجل "وجه" هيلين، لكن يوربيدس اليوناني يذكر في مسرحية أندروماكي أن مينلاوس لم يقتل هيلين (العاهرة) حين وقعت عيناه على (صدرها)، بل رمى سيفه وتركها تقبله، سحرية الحلمات هذه حاضرة في الفن الكلاسيكي، وتظهر في لحظات الصراع بوصفها "اعتيادية"، وكأن "المنطقي" أن يكون الصدر مكشوفاً والحلمات ظاهرة حين نصور الكائنات "اللا حقيقية".

التقسيمات الطبقية جعلت كشف الحلمات مرتبطاً بالانتماء، فلا مشكلة في ظهورها لدى الطبقات الأدنى أو الموسومة أخلاقياً، ففي التراث الإسلامي، "الأمة" لا تتحجب ولا تضرب على جيبها، وحادثة عمر الشهيرة الذي نزع فيها حجاب أمة تشهد على هذا، بل أن بعض المذاهب ترى أن عورة الأمة كعورة الرجل، من السرة للركبة، أي يجوز لها كشف حلماتها، ذات الأمر في عشيقات البلاط الإنكليزي، اللواتي كن يمشين وحلماتهن مكشوفة، وكأن هناك حكماً أخلاقياً ذكورياً على المرأة، يوجب أن تكون عليها علامة واضحة تدل على أنها "أدنى" أو "أقل".

لا مشكلة في أن نَعُبَ شفاه وريق أحداهن أو أحدهم، لكن غضباً عارماً يشتعل في حال قام طفل بالرضاعة من حلمة والدته.

الحلمات ضد الجدية

صعود الأخلاق الدينية وهيمنتها غيّر من تعريف الحلمات، وجنسن ظهورها لارتباطه بالعشيقات، وكأن هناك حدوداً جسدية يجب أن تظهر وتختفي بحسب التصنيف الأخلاقي، كما في القول المأثور عن إن ما فوق السرة للحبيب وما تحتها للزوج، وكأن الحلمات تنتمي إلى مساحة اللعب واللاجدية، التي تمارس فيها لذة عابرة لا يمكن لها الاستمرار، وهذا ما يظهر ولو بمقارنة بعيدة ضمن كرنفالات العصور الوسطى، تلك الأزمنة التي تنفي العالم الجدي بكل مكوناته، لتعيد توليده، وضمنها نرى أزياء تتحرر فيها الحلمات وتظهر للعلن في أوقات اللعب، ضمن صيغة تهدد رصانة العالم الجدي، وتقدم شكلاً لحمياً مكشوفاً، تتداخل فيه السوائل لتولد من جديد، وكأن كشف النهود ارتبط بأخلاق الكرنفال، حيث تنقلب الأدوار والقوى.

زمن الاحتفال أو اللعب يمكن أن يعيدنا إلى طقوس الحج قبل الإسلام، إذ كانت اللواتي يأتين للحج يطفن عراة حول الكعبة، مع الصفر والتصفيق، ويأتي العري هنا للاختلاف عن القرشيين القائمين على الكعبة. لا نحاول المقارنة هنا بين الكرنفال وطقس الحج، لكن يمكن القول إن ظهور القسم الأعلى من الجسد يرتبط بزمن مختلف عن الزمن الجدي، نتلمس خصائصه الطبقية عبر الثياب وطبيعة ما يكشف وما يستتر، وهذا ما يتضح لاحقاً في الجنة والمتخيلات المرتبطة بها، فكل من فيها عار لا يستره شيء، وكأنهم في زمن المتعة واللعب.

الرعب الذي تخلقه الحلمات يهدد الوقت الجدي وتقسيمات الأدوار الصارمة، وربما كان ذلك سبباً في محاربة ظهورها، لأنها تعيد تعريف مفاهيم اللياقة والأدب والتقسيمات الاجتماعية المرتبطة بها، صحيح هي مجنسنة، لكن ذلك لا يبرر السعي لإخفائها، وكأنها إن ظهرت تنفي نظام الأزياء الذكوري، ذلك الذي يتنكر ضمنه الرجال بالبدلات، وتشد أجساد النساء لغواية أولئك المتنكرين.

هناك وجهة أخرى بخصوص الحلمات، هي تخلق رعباً لحظة الانفصال عنها وعدم ملئها للـ"فم"، وكأن الحلمتين أشبه بعيني ميدوزا اللتين تزرعان الرعب بعين الناظر، ذاك المنفي لحظة "الفطام" أو الانفصام الكلي عنهما، فالحلمة آخر نقطة اتصال بين لحم "الطفل" ولحم "الأم"، وبعد الفطام، يختلف الطفل عن جسد الأم وتتكون ذاته، يكشف أنه وحيد، وأن الصورة التي يمتلكها عن جسده ليست حقيقة، خصوصاً أن الأم "ترميه" كـAbject، ليعيد تكوين صورته عن ذاته، وكونه "ذكر" هو لا "يختلف" عن شبيهه، بل عن جسد الأم، الخَصبِ، المُطعم، الذي لا يمكن له التطابق معه، فيقرر معاداته ومحاربة آخر نقطة التقاء معه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard