"تعرّضنا للإهانة ونعيش في ظروفٍ لاإنسانية".... شهادات من داخل الحجر الصحي في غزة

الخميس 19 مارس 202003:00 م

يقضي الثلاثيني محمد ساعات يومه في الحجر الصحي الإجباري الذي اختارت الحكومة في غزة أن يكون داخل مدرسةٍ تقع في محافظة رفح. في الغرفة، يتبادل أطراف الحديث مع زملائه البالغ عددهم ستة أشخاص، يشتكون من الوضع الصعب الذي يحيط بهم، والذي أُجبروا على معايشة تفاصيله، على الرغم من أن النتائج الطبية أظهرت عدم إصابتهم بفيروس كورونا.

يقول في حديثٍ لرصيف22: "نحن لسنا ضد فكرة الحجر الصحي الذي يضمن السلامة لنا ولأهلنا في القطاع، لو كانت الظروف المهيأة له أفضل من الحالة المليئة بالإهانة والذل والمخاطر الصحية التي يمكن أن تسبب لنا أمراض أخطر بكثير من الكورونا"، موضحاً أنهم طلبوا من الجهات المسؤولة السماح لهم بإدخال بعض الاحتياجات على نفقتهم الخاصة، لكنها رفضت ذلك، بدعوى الحفاظ على سلامتهم.

وكانت "الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان" قد طالبت في خطاب أرسلته للجهات المسؤولة في قطاع غزة بضرورة نقل الأشخاص المطبق عليهم قرار الحجر الصحي إلى أماكن مجهزة بما يتناسب مع المعايير التي أقرتها منظمة الصحة العالمية في هذا الشأن، لتحقيق الهدف المرجو من الحجر الصحي، مبينةً أنها رصدت نقل المواطنين المطبق عليهم قرار الحجر الصحي بحافلات مكتظة وغير معقمة.

ورصدت الهيئة افتقار الأماكن التي خُصّصت للحجر (مدارس: المأمونية، غسان كنفاني، الصفوة) لغرف ملائمة منفردة ومؤهلة للمحجورين، بينما يتواجد في الغرفة الواحدة ما يقارب ثمانية أشخاص، من دون أسرّة، ولا مرافق صحية مجهزة كالحمامات حيث أنها مشتركة بين المواطنين المحجورين، ولا تراعي خصوصية المرضى والأطفال وكبار السن، كما لا توجد إمكانية للاستحمام داخل الحجر.

"لسنا ضد فكرة الحجر الذي يضمن السلامة لنا ولأهلنا في القطاع، لو كانت الظروف المهيأة له أفضل من حالة الإهانة والذل والمخاطر الصحية"... غزيون يشكون من ظروف التعامل معهم في الحجر الإلزامي

بدورها، تروي الشابة أمل بريكة التي خضعت للحجر الصحي في مدرسةٍ وسط القطاع أنها وصلت إلى غزة قبل يومين برفقة مجموعة من المسافرين، وتمّ نقلهم على الفور إلى الحجر الصحي، دون أن يخضعوا لفحصٍ طبي داخل المعبر، ودون أن تُقدم لهم الجهات المسؤولة أية أدوات خاصة بالتعقيم والنظافة الشخصية، منوهةً إلى أنّهم فوجئوا من المشهد عندما وصلوا إلى المكان الذي سيمكثون فيه لمدة 14 يوماً، لا سيما وأن رحلتهم كانت مرهقة.

وتصف بريكة في حديثها لرصيف22 الوضع قائلةً: "الجهات المسؤولة لم تكن على قدر الحدث والمسؤولية، فلا وجود لحماماتٍ نظيفة صالحة للاستعمال الشخصي، والغرفة تضم أكثر من خمسة أسرّة، وقد يبيت فيها حوالي عشرة أشخاص"، مشيرةً إلى أنها تقر هي ومن معها من المسافرين بضرورة الحجر الصحي، ولا مشكلة لديهم مع الفكرة، لكن الأمر كان من الممكن أن يتم بشكلٍ أفضل، لو أخذته الجهات الحكومية منذ البداية على محمل الجد.

وكان الناطق باسم الصحة في غزة أشرف القدرة قد صرّح في الملخص اليومي لأوضاع القطاع الصحية في ظل أزمة كورونا أن عدد الأشخاص المتواجدين داخل ثمانية مراكز للحجر الصحي بلغ 787 حالة، من بينهم 100 حالة لديهم أمراضي، تم توفير أماكن خاصة مجهزة لهم، كما أشار إلى أن ما يتوفر في القطاع من إمكانيات صحية يتناسب مع "الصدمة الأولى" لكورونا، ولفت إلى أن 2700 حالة لا زالت في الحجر المنزلي، حتى هذا الوقت.

ظروف غير إنسانية

قبل عدة أيام، تزايد الحديث عن الأماكن المخصصة للحجر الصحي، وذلك حين حوّلت الجهات الرسمية في قطاع غزة عشرات المسافرين العائدين إلى إحدى المدارس التي تقع في محافظة رفح. حينذاك، نشر مغردون صوراً من داخل المدرسة، ظهر فيها أشخاص يدوسون بأقدامهم على الفراش المخصص للمحجورين، كما بدت الغرف المخصصة للحجر غير مجهزة للمبيت، ولا تتوفر فيها أجواء مناسبة للحياة الآدمية الكريمة.

وفي صبيحة اليوم التالي لنشر تلك الصور، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بتفاصيل شهادةٍ لإحدى السيدات نقلتها الصحافية منى خضر، وظهر فيها مدى استهتار الجهات المسؤولة بأمر المحجورين وإجراءات حجزهم، فقد ورد في شهادة السيدة أنه تم الاعتداء عليها هي وباقي الأشخاص وكيلت لهم الاتهامات والشتائم من عناصر الأمن، وحين وصلوا للمدرسة المخصصة للحجر، دفعهم رجال الأمن للداخل، وقالوا لهم إن كل غرفة مخصصة لـ8 أشخاص.

وأضافت "في المساء أحضروا لنا وجبة عشاء صغيرة لا تكفي لطفلٍ صغير، وتشبه إلى حدٍ كبير تلك التي تقدم للمساجين"، مشيرةً إلى أنهم رفضوا تناول تلك الوجبات، إلا أن الأمن أعادها لهم ثانيةً"، وروت أن إحدى السيدات أُغمي عليها بسبب نقص السكر في جسمها، فطلب لها من معها دواء "الأنسولين" الذي اعتادت على تناوله، فأخبرهم الطبيب المناوب في المدرسة أنه غير متواجد لديهم، وطلب منهم أن يقدموا لها حبّة "مسكن".

وبعد موجةٍ واسعة من الانتقادات، أسرعت الجهات الحكومية والأهلية والمؤسسات التجارية لتدارك الموقف، فأصدرت الحكومة في غزة بياناً بدت فيه صيغة الاعتذار واضحة، ووعدت بتحسين الأمر.

وفي صبيحة اليوم التالي، أعلنت حركة حماس أنها بدأت العمل في مشروع إنشاء مركزين للحجر الصحي يضمان ألف غرفة، في شمال القطاع وجنوبه، كما عكف عدد من الشركات بصورة عاجلة على تقديم بعض المستلزمات للمحجورين، فأعلن صاحب فندق "الكومودور" الواقع وسط مدينة غزة وضعه تحت تصرف الحكومة؛ لاستعماله كمكانٍ للحجر الصحي.

"لا نعلم كيف يمكن أن نمضي 14 يوماً في هذا المكان، ومقر الحجر لا يضم أجهزة تكييف أو تدفئة"... شهادات من داخل أماكن الحجر الحكومية في غزة حول الاستهتار بالصحة ونقص الغذاء وعدم تأمين أدوية ضرورية وانعدام الخصوصية

وفي تصريحات منفصلة، أكد الناطق باسم وزارة الصحة في غزة أشرف القدرة على أن أماكن الحجر أضحت مطابقة لكل المعايير الصحية، وجرى تجهيزها طبياً بشكل ملائم، حسب الأبجديات الدولية المتبعة في مثل هذه الحالات، والتي تهدف لمنع وصول المرض للأصحاء، وتعمل على الحد من انتقاله إذا ما تم اكتشاف وجوده.

حالة غضب وإهانة

من جانبه، ينوّه الشاب محمود ياسين إلى أن حالة غضب شديدة سادت الأجواء التي رافقت دخول الفوج الأول من المسافرين الذين تقرر تحويلهم للحجر الإجباري، وذلك بسبب المعاملة السيئة التي قابلتهم بها الجهات الرسمية، شارحاً أنهم طالبوا من رجال الأمن الذين استقبلوهم فور وصولهم من الجهة الرسمية للمعبر، توضيح بعض النقاط لهم حتى يفهموا ما يتوجب عليهم فعله، لكنهم تعاملوا مع مطالبهم باستهتار، ولم يلقوا تجاوباً حتى من الكوادر الطبية التي تواجدت في المعبر.

وعن الأجواء داخل مقر الحجر الصحي الذي استقر فيه في مدينة دير البلح، وسط القطاع، يسرد ياسين أن الوضع العام للمحجورين سيئ، ومعظمهم لديه احتقان من الواقع الذي تعرضوا لهم وأُجبروا على عيشه، والبعض لديه مشاكل صحية لا يستطيع التعامل معها، قائلاً: "لا نعلم كيف يمكن لنا أن نمضي مدة الـ14 يوم في هذا المكان، خاصة وأن الجو بارد حالياً في البلاد، ومقر الحجر لا يضم أجهزة تكييف أو تدفئة".

من جهتها، تشير نبيلة الشاعر التي خضعت للحجر الصحي في "مقر رفح" إلى أنها لم تكن تتخيل أن تعيش هذا الوضع الذي تمتلئ تفاصيله بالإهانة واللاإنسانية، معلقة بالقول "لو كنت أعلم أن الأمر سيصير كذلك، لما فكرت في الخروج من القطاع أصلاً".

تشكو الشاعر كذلك من عدم حصولها على أدوات تعقيم ولا على طعامٍ مناسب، كما أن الأمر الأكثر إزعاجاً بالنسبة لها هو انعدام الخصوصية.

وفي بيانٍ له، أعرب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عن قلقه إزاء أوضاع المحجورين في غزة، إذ أكّد تلقيه شكاوى وإفادات متطابقة من المواطنين، تفيد بأنهم يقيمون في مراكز الحجر الصحي جنوب قطاع غزة التي تفتقر لأدنى معايير السلامة والصحة العامة، منبهاً إلى أن هناك مرضى في الحجر يعانون من أمراض السرطان والكلى والشلل النصفي، كانوا يتلقون العلاج في مشافي الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة والمشافي الإسرائيلية، وجميعهم خضعوا للفحص الطبي وتعهدوا الالتزام بالحجر المنزلي لمدة 14 يوماً.

وأفاد عدد من المحجورين الذين تواصل معهم رصيف 22 بوجود مشكلة في عملية التخلص من النفايات في مراكز الحجر، إذ يتعاملون معها ذاتياً من خلال تجميعها في مناطق تقع على الأطراف، وفي ما يتعلق بمركز الحجر الواقع في فندق "الكومودور" وسط مدينة غزة، فقد نشرت البلدية صوراً لطواقمها وهي تعمل على التخلص من النفايات بطريقةٍ سليمة.

ويرى المختص في الشأن البيئي أحمد حلس أن على الجهات المختصة التسريع في أمر التعامل مع النفايات الصلبة الناتجة عن مراكز الحجر، وذلك عبر اتباع الإرشادات الخاصة بذلك الشأن والتي أصدرتها الجهات الدولية، والتي تختص بأمر التعامل مع النفايات الصلبة الطبية، أو تلك التي يُشتبه بتلوثها بالفيروسات والميكروبات، مشيراً إلى أن الاستهانة في ذلك قد تؤدي إلى عواقب وخيمة مضرة جداً، لا سيما وأن القطاع الصحي المحلي، لا طاقة له على تحمّل أعداد كبيرة من المرضى.

وفي تصريحٍ نشرته صحيفة "العربي الجديد" اللندنية، أوضح نائب مدير مكتب منظمة الصحة العالمية في قطاع غزة عبد الناصر صبح أن المنظمة الدولية اعترضت على مركزي الحجر الواقعين في مدرستي "مرمرة و"غسان كنفاني"، غير المؤهلتين، كما قدمت اعتراضات وملاحظات لوزارة الصحة في غزة عليهما، وطالبت إما بتحسين الوضع فيهما، أو نقل المحجورين لأماكن أفضل.

ماذا لو وصل الفيروس لغزة؟

منذ بداية شهر مارس الحالي، دخل قطاع غزة بشكلٍ تدريجي في حالة الطوارئ، بعد الإعلان عنها في الضفة الغربية لمدة شهرٍ كامل، ومنذ ذلك الحين تسيطر على المواطنين والجهات الرسمية مخاوف حقيقية من خطر الفيروس، ومن النتائج الكارثية التي سيخلفها إذا ما وصل لمنطقةٍ مكتظة بالسكان مثل غزة، لا سيما وأن القطاع يعيش حالة حصار وانهيار اقتصادي وصحي ومجتمعي.

غالبية المواطنين يتعاملون حتى هذا الوقت باستهتارٍ ظاهر مع أمر الفيروس، حيث واصل كثر عاداتهم المشاركة في الأفراح وبيوت العزاء التي تشمل تجمعات تضم أحياناً مئات الأفراد. 

وأعلنت الجهات الحكومية في القطاع أكثر من مرّة عن وضعها خططاً تشمل أكثر من مرحلة، بدأت أولها من خلال التعامل مع المسافرين القادمين من خارج القطاع، من خلال إخضاعهم للحجر الصحي المنزلي والإجباري لحصر وجود الفيروس إذا ما كان أحدهم مصاباً به، مبيّنةً أن المرحلة الثانية تبدأ إذا ما تم اكتشاف حالات إيجابية حاملة للفيروس، وتشمل تلك المرحلة إعلان حالة الطوارئ القصوى.

وفي خطواتٍ متباينة، اتبعت مؤسسات وعائلات إجراءات احترازية بهدف الوقاية من المرض، وكان من ضمنها الإعلان عن تعطيل الدوام الجامعي والمدرسي وتعطيل الكثير من المناسبات والفعاليات، كما أن هناك بعض المؤسسات اتجهت لإلغاء استخدام "جهاز البصمة" الذي يستعمله الموظفون لتسجيل الحضور والانصراف من الدوام، إضافة إلى اعتماد بعض المؤسسات العمل من المنزل.

وعلى الرغم من تلك الإجراءات التي تمّ اتخاذها، إلا أن غالبية المواطنين يتعاملون حتى هذا الوقت باستهتارٍ ظاهر مع أمر الفيروس، حيث واصل كثر عاداتهم المشاركة في الأفراح وبيوت العزاء التي تشمل تجمعات تضم أحياناً مئات الأفراد، كما أن البعض لا زال غير ملتزم بتعليمات الصلاة في المسجد التي أصدرتها وزارة الأوقاف، إضافة إلى زيارة الآلاف للأسواق والتجوّل في الشوارع أكثر من مرة يومياً.

من جانبه، يقول الناشط رائد العطل إن الفيروس أقوى من الإمكانات المحلية، ويحتاج لتأسيس دائرة خاصة به، يشترك بها علماء من داخل وخارج فلسطين ورجال أعمال وأصحاب الشركات الكبيرة، يكون هدفها وضع خطط وموازنات كافية لتجاوز تلك الأزمة، مشيراً إلى إمكانية تشكيل وحدة أمنية مخصصة تتكفل بإدارة حالة الطوارئ واتخاذ القرارات المتعلقة بإنشاء مناطق الحجر الصحي وتعليق الدراسة وإغلاق المساجد وغيرها من أماكن التجمعات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard