من سجون السلطة الفلسطينية وحماس... شهادات تعذيب بالضرب والشَبْح والتهديد

الأحد 8 مارس 202012:47 م

بين الحين والآخر، تخرج قصصٌ مختلفة من داخل السجون الفلسطينية الموجودة في الضفة الغربية أو قطاع غزة، لتكشف عن حالاتٍ تعرضت لتعذيب قاسٍ على يد محققين وضباط أمن فلسطينيين تفنّنوا في استخدام وسائل وأساليب تعذيب متنوعة تعتمد على التعنيف الجسدي واللفظي، دون مراعاةٍ للقوانين المحلية أو المعاهدات الدولية التي كانت فلسطين قد وقّعت عليها، وتُحرّم بشكلٍ قطعي ممارسة العنف ضد المساجين والموقوفين تحت أية ذريعة كانت.

ووفقاً لشهادات موقوفين سابقين تحدثوا لرصيف22، فإن الأجهزة الأمنية الفلسطينية تستخدم وسائل تعذيب مختلفة بحق المساجين والموقوفين، خاصة في فترات التحقيق وفي مراحل انتقال هؤلاء بين مراكز التوقيف، وتتعمّد استخدام أشكال المعاملة القاسية التي تهدف للحط من الكرامة وانتهاك الحقوق، بشكلٍ كبير.

من بين تلك الوسائل، هناك "الاحتجاز في ظروفٍ سيئة داخل غرف صغيرة مليئة بالروائح الكريهة ولا تتوفر فيها دورات مياه ومستلزمات شخصية، ومن ضمنها كذلك أسلوب الشَبْح الذي يجلس فيه المسجون وهو مغطى الرأس على كرسي صغير، وتُكبَّل يداه بحبلٍ قاسٍ يشدّه المحققون للأعلى، بينما يتعمدون توجيه الإهانات له".

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فمن بين الوسائل كذلك، الضرب بالهراوات والأخشاب والخراطيم المطاطية، حيث تتحيّن الأجهزة الأمنية وبشكلٍ وحشي الأوقات الأشد برودة لفعل ذلك، ويُضاف لها أيضاً أسلوب التعذيب النفسي إذ يتعرض المسجون لضغطٍ كبير بهدف تدمير نفسيته ودفعه نحو الإقرار بما يريده المحققون.

ويعتمد البعض من المحققين في تطبيق هذه الوسيلة على بعض الأدوات الملموسة البسيطة مثل الألوان وأدوات الرسم، وآخرين يعملون على استخدام التهديدات والشائعات وبعض الأقاويل المُختلقة التي يربطونها جيداً بما يمتلكونه مسبقاً من معلومات عن الموقوف، إضافة إلى حرمان الأخير من النوم.

تجارب قاسية 

لعل من أبرز الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي ترتكب الانتهاكات بحق المساجين المدنيين هي جهاز المخابرات و"الأمن الوقائي" التابعين للسلطة الفلسطينية التي تسيطر على الضفة الغربية، إضافة إلى الشرطة وجهاز الأمن الداخلي وجهاز المباحث التابعين لـ"حركة حماس" التي تحكم قطاع غزة. 


يقول رجب (اسم مستعار) الذي يقطن مدينة جنين، شمالي الضفة، إنه مكث قبل عامين مدة عشرين يوماً في السجون التابعة لـ"الوقائي"، وهناك واجه لمدة تزيد عن 15 يوماً أساليب تعذيب مختلفة تفنّن الضباط في استخدامها بحقه، لدفعه للاعتراف بما ادّعوا أنها تعليمات تلقاها من حماس، توجهه فيها لتنفيذ أعمال عدائية ضد الحالة الأمنية العامة في محافظته.

ويروي: "قبل توجهي لعملي اليومي في أحد متاجر المدينة، وتحديداً عند الساعة الثامنة صباحاً، حضرت قوة يزيد عدد أفرادها عن سبعة عناصر إلى منزلي، وقاموا باقتحامه دون مراعاة لأية حرمة، وفتشوه تفتيشاً دقيقاً ولم تشفع لنا عندهم توسلات والدي المريض الذي ركله أحدهم بقدمه بعدما علا صوته".

ويتابع رجب أنهم قاموا بعد ذلك باعتقاله وعصبوا عينيه بقماشةٍ سوداء وكبّلوا يديه خلف ظهره، ثم اقتادوه لمركز تحقيق لا يعلم مكانه، وهناك تعرّض للشَبْح والضرب والإهانات ومختلف أساليب التعذيب النفسي، ووجه له المحققون أصحاب الأجساد الضخمة، وفق وصفه، اتهامات مفادها أنه متخابر مع حماس.

بدوره، عاش نائل (اسم مستعار) الذي يقطن مدينة رام الله تجربة مشابهة.

يروي نائل أن اعتقاله حصل في بداية عام 2018 من قِبل جهاز المخابرات العامة دون وجود أية مذكرة إحضار قانونية صادرة بحقه. وقتها، هاجمته قوة مكونة من ثلاثة أفراد على الأقل خلال مروره عند منتصف الليل في أحد الشوارع القريبة من منزله، و اقتادوه في سيارة لونها أسود لمركز التحقيق في محافظته وهناك استرسلوا في استجوابه مستخدمين مختلف أساليب الضغط النفسي والتعذيب، لافتاً إلى أن التحقيق معه كان يدور حول علاقاته ببعض الجهات الخارجية دون تحديد اسمها.

ومكث الرجل الذي يعاني من مرض السكري، ولديه أربعة أطفال أكبرهم يبلغ عمره 10 سنوات، 13 يوماً داخل السجن، لم يتعرض خلالها للشمس بتاتاً ولم يقضِ حوائجه الخاصة بطريقةٍ إنسانية، كما يوضح مشيراً إلى أنه بعد نهاية يومه الأخير في السجن تعرض لوعكةٍ صحية شديدة وأخذ يصرخ على رجال الأمن دون أن يحصل على استجابة منهم.

في النهاية، وفق كلامه، أسرعوا إلى زنزانته وأخذوا يركلونه بأقدامهم إلى إحدى الزوايا، منوهاً إلى أن الإفراج عنه تمّ عن طريق وضعه في سيارة مدنية وإلقائه على مقربةٍ من منزله، وذلك بعد تهديده بالقتل إذا ما نقل ما حصل معه لعائلته أو أية جهة أخرى.

لا اختلاف في التعذيب والقمع

في قطاع غزة لا يختلف الوضع كثيراً، فعلى فتراتٍ متقطعة ترصد جهات مختصة تجاوزات متعددة تمارسها الأجهزة الأمنية التابعة لحماس، أثناء اعتقال أشخاص والتحقيق معهم.

يتحدث ناهض (اسم مستعار) الذي يقطن منطقة شمال القطاع عن الأيام الستة التي قضاها في سجن الأمن الداخلي، في شهر آذار/ مارس لعام 2019، حيث كان من بين مَن خرجوا للتظاهر في حراك "بدنا نعيش" المطلبي، والذي تم قمعه بأشد الأساليب قسوةً وبشاعة، وفقاً لما يقول.

لم يتحمل تلك الاتهامات وانفجر بالبكاء والصراخ لكن ذلك لم يحرّك قلوب رجال الأمن، إذ سمع أحدهم يأمر أفراداً آخرين بمتابعة التحقيق والتعذيب، وهو ما حصل فعلاً... شهادات تعذيب من سجون السلطة الفلسطينية وحركة حماس

ويكشف ناهض أن طريقة اعتقاله كانت بمثابة اختطاف، حيث هاجمته قوة أمنية بينما كان يقف مع مجموعة من المواطنين في وسط مخيم جباليا، وعلى الفور سحلته بطريقة مهينة، ونقلته إلى سيارة الشرطة الرسمية التي أوصلته لمركز التحقيق.

ويقول إن المحققين كبّلوا يديه وعصبوا عينيه بأقمشة رائحتها كريهة، ووضعوه في غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها الأربعة أمتار، ومع كل ساعة كانوا يفتحون الباب لإغراقه بالمياه، ثم يُتبعون فعلهم بالشتم بألفاظ نابية لا تشبه هوية انتمائهم الإسلامية، لافتاً إلى أنهم أجبروه على شتم شخصيات من السلطة الفلسطينية وحركة فتح، ثم دفعوه للتوقيع على تعهد يُجبره على عدم المشاركة بأي فعلٍ جماهيري، وأطلقوا سراحه بعد أيامٍ مرّت عليه قاسيةً كأنها سنوات.

في إطار شبيه، يقول محمود (اسم مستعار) إن اعتقاله تمّ عام 2017 من مكان سكنه في مدينة النصيرات، الواقعة وسط القطاع، على ذمة قضية مخدرات، وذلك من قِبل الجهاز الأمني المختص بمكافحتها، شارحاً أن الأذى النفسي الذي تعرض له في فترة حجزه أكثر من عشرة أيام كان شديد السوء ولا تزال تفاصيله عالقة في ذهنه حتى هذه اللحظة.

يوضح محمود أنه اعترف لرجال الأمن منذ البداية بأنه يتعاطى بالفعل عقار "الترامادول" المخدر، لكنهم لم يلقوا بالاً لكلامه، لأنهم كانوا مخططين مسبقاً لتعذيبه، وفقاً لتقديره، إذ أنهم وضعوه في مكانٍ مظلم لمدة تزيد عن 20 ساعة وقت وصوله، وبعدها نقلوه لغرفة التعذيب.

رغم اعترافه السريع بتعاطي المخدرات إلا أن رجال الأمن لم يُعيروا الأمر اهتماماً، فتابعوا تعذيبه وضربه متهمين إياه بالتعامل مع الجيش الإسرائيلي... شهادات عن التعذيب في سجون الضفة الغربية وقطاع غزة 

ويذكر محمود أن المحققين وجهوا له اتهامات بالعمالة لصالح جهات معادية وإسرائيل، وقالوا له: "الجيش الإسرائيلي هو من يزودك بالمخدرات وأنت تعمل لصالحهم وتراقب رجال المقاومة"، لافتاً إلى أنه لم يتحمل تلك الاتهامات فانفجر بالبكاء والصراخ لكن ذلك لم يحرّك قلوب رجال الأمن، إذ سمع أحدهم يُعطي أمراً بمتابعة التحقيق والتعذيب، وهو ما حصل فعلاً.

لم يدم الأمر كثيراً، ذلك لأن الشاب الذي كان يعاني مسبقاً من اضطرابات نفسية، أصيب بحالة مرضية صعبة وصار كثير التشنج وظهرت عليه علامات الإصابة بالصرع وما شابه، الأمر الذي دفع الجهاز الأمني لاتخاذ قرار الإفراج عنه، خوفاً من موته داخل أقبية السجن.

الوضع القانوني والحقوقي

في نهاية عام 2017، انضمت فلسطين إلى البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب، وجاء ذلك بعد انضمامها خلال عام 2014 لاتفاقية مناهضة التعذيب التي تمّ إقرارها عام 1984، وللعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي تؤكد كل مواده على مناهضة أي فعل عنيف اتجاه البشر.

على الرغم من كل الالتزامات الدولية، إلا أن ذلك لم ينعكس على الواقع الفلسطيني واستمر وضع السجون المحلية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة بالتدهور.

تطبيق القانون قاصر بشكلٍ كبير، إذ لم تتخذ الجهات الفلسطينية أي إجراءات عملية ضد أشخاص مارسوا التعذيب، على الرغم من وجود مئات الحالات المُثبتة.

من جهتها، تعكف المؤسسات الحقوقية الفلسطينية، بشكلٍ دوري، على إصدار تقارير تضم شهادات مختلفة جمعها الباحثون فيها من أشخاص تعرضوا للتعذيب والانتهاكات الداخلية التي تمارسها الأجهزة الأمنية المحلية.

وكان التقرير الذي أصدره "المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان" في نهاية العام الماضي ويحمل عنوان "جرائم التعذيب في سجون ومراكز التوقيف الفلسطينية" من بينها، حيث رصد 29 حالة تعرضت للتعذيب في الفترة الواقعة بين تشرين الأول/ أكتوبر 2017 وأيلول/ سبتمبر 2019، وتطرق كذلك إلى الإجراءات التي تقول الجهات الرسمية إنها اتخذتها للحد من الممارسات القمعية داخل السجون.

وعلى هذا الأساس طالب المركز كل من السلطة الفلسطينية وحركة حماس بالتوقف فوراً عن ممارسة التعذيب في السجون الفلسطينية ومراكز التوقيف، لما تشكله من اعتداء صارخ على الكرامة البشرية، وناشد الجهات بضرورة الالتزام بتعليمات الرئيس الفلسطيني التي أصدرها عام 2013 وطلب فيها الكف عن استعمال وسائل التعذيب، مشدداً على ضرورة التزام كل الأطراف بصورةٍ صارمة باتفاقية مناهضة العنف والمعاهدات الدولية الأخرى.

ولفت المركز إلى ضرورة عمل السلطة على سن قوانين تجرّم التعذيب وكل من يمارسه، ودعا النيابة العامة لفتح تحقيقات جديدة في القضايا التي رصدها تقريره، مشدداً على أن إعلان نتائج التحقيقات يجب أن يكون عاماً.

يُذكر أن القانون الفلسطيني جرّم التعذيب في جميع المواد القانونية الخاصة الواردة في قانوني العقوبات المطبقين في مناطق السلطة الفلسطينية، وكذلك في القانون الثوري التابع لمنظمة التحرير الفلسطيني لعام 1979، لكن الملاحظ هو تهاون تلك القوانين مع جريمة التعذيب بشكلٍ كبير، ويظهر ذلك من خلال العقوبات التي تقع على مرتكبها، إذ تتراوح ما بين أسبوع لخمسة سنوات في كل الحالات، حتى تلك التي يمكن أن يؤدي فيها التعذيب إلى الوفاة. 

ومن أوجه القصور في التعامل مع مرتكبي جرائم التعذيب أيضاً هو أن تطبيق القانون قاصر بشكلٍ كبير، إذ لم تتخذ الجهات الفلسطينية أي إجراءات عملية ضد أشخاص مارسوا التعذيب، على الرغم من وجود مئات الحالات المُثبتة، وفقاً للتقارير الصادرة عن "المركز الفلسطيني".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard