اليوم أدركت أن حدبتي كانت من خوف

الجمعة 6 مارس 202005:17 م

حسنا، ماذا الآن؟ أنت رحلتي، ولم يعد لدي ما أخشاه. لم يعد لدي ما أخاف خسارته. لا قلق يشل أطرافي ولا أرق يسرق النوم من عيني. أمشي بظهر مستقيم ورأس لا تلتفت... أذكر جيداً أنني كنت دائماً، قبل أن أغادر البلد، أحني ظهري، وظننت أن السبب في ذلك استخدامي الطويل للحاسوب، وتسمري لساعاتٍ أمام شاشته. لطالما أزعجني انحنائي، فقصدت نادٍ للرياضة ورحت أتدرب بانتظام، لأشد عضلات الرقبة وأحصل على الرأس المرفوعة التي أريد.

واليوم بعد سنوات، أقف أمام المرآة أجهز نفسي للخروج مع الأصدقاء بينما أستمع لنشرة الأخبار بحكم العادة. شريط أحمر مفاجئ يتوسط الشاشة.. خبر عاجل: "النار تلتهم كنيسة نوتردام!".

ياه! تخيفني النار وهي تلتهم برج الكنيسة الأثري بينما أتذوق طعماً مراً في حلقي، لا أدري.. لعل للخسارة طعم مر، لكنني أتجاهله وأشفق على كوازيمودو، هو طفل أحدب لقيط قبيح المظهر، ابن عائله غجرية أتت إلى نوتردام بهدف السرقة، ولكن فرولو أمسك بهم وهربوا، وبقي كوازيمودو معه ليربيه القس في كنيسة نوتردام.

مع احتراق الكنيسة، أصبح كوازيمودو بلا وطن، مثلي تماماً، لكن هل يعني ذلك موته أم تحرره؟ فكوازيمودو غدا عندها أحدباً فقط، محرراً بعدها من قيد المكان، مجرد مسخ ككل المسوخ! فربما ليست المشكلة أن تكون أحدباً بل كل المأساة تأتي من أن تكون مسخ مكان ما؛ ذلك سيجعلك موصوماً بشكل أو بآخر. ففي نهاية المطاف كلنا مسوخ أمام وحش "اللازم"، أو داخل القالب المعد لنا مسبقاً لنكون مثاليين، أو خلال سعينا لنكون ذلك بأقل تقدير.

لكل منا حدبته: البعض في قلبه، البعض في عينيه، وآخرون في أرواحهم. ذلك المسكين نمت حدبته في ظهره لتعري اختلافه للعيان، لكن ما أدرانا أن تلك الحدبة هي تشوه في ظهره؟ لعلها ندبة في القلب تضخمت وزاد ثقلها لتصل أحد الكتفين وتكوره؟ فمن منا لا يتكور إذا ما طُعن؟

لكل منا حدبته: البعض في قلبه، البعض في عينيه، وآخرون في أرواحهم. ذلك المسكين نمت حدبته في ظهره لتعري اختلافه للعيان، لكن ما أدرانا أن تلك الحدبة هي تشوه في ظهره؟ لعلها ندبة في القلب تضخمت وزاد ثقلها لتصل أحد الكتفين وتكوره؟ فمن منا لا يتكور إذا ما طُعن؟

نحن القادمين من بلاد الشمس، من مجتمعات تتخمنا بالحب المصمم على شكل سجون، نعرف التكور ونتقنه جيداً، فنحن دائماً في خوف من أن نخسر من نحبهم خوفاً من طعنة ما.

تجدنا نقلم أطراف رأينا ليكون على مقاس قبولهم، أي "سجونهم"، لا نريد أبداً أن نسبب لأحدهم الألم فنعطيه القلم ليلوّن مرآتنا بما يرتئيه.

لكن من يرتدي وجهين سرعان ما ينسى أيهما وجهه الحقيقي. مع الوقت ننسى من نكون ونعتاد ارتداء الآخرين المنصّبين كحكام، نرضى برضاهم عن ذاتنا.

واليوم بعد أن احترق البلد وهربنا كل وحدبته، اكتشفنا أثناء ركضنا ثقلها، ونحن لا نستطيع المضي بثقل كهذا، لذا رميناها كحجر، رجمنا به وهم المرآة وخرجنا منها إلينا، فارتفعت رؤوسنا.

وللمرة الأولى صار السؤال عن الهوية لا يعني البطاقة الشخصية بل أصبح يعني: من تكون؟

اليوم عندما أقف وأجد نفسي قد صرت أطول مما كنته، أدرك أن حدبتي كانت من خوف: خوف خسارة من أحب، خوف الاختلاف عن النمط والارتجال عن اللحن الرتيب.

ومن طبع السجين ألا يُدافع عن سجنه، السجن الحقيقي هو حدود العقل، والعقل القائم على لون واحد ينتج تفكيراً مقيداً، لقد بنونا كمساجين لا كأفراد، وإن لم تحصرنا جدران زنزانة. بنوا سجناً في روح كل منا، ولا زلنا إلى اليوم نكسر أنيابه غير المرئية داخلنا

شعوري اليوم بالخفة ليس لأني هنا بالتحديد، بل كل ما في الأمر أنني لست هناك، فأنت حين تحمل رأسك وحده تملك الجهات، على عكس الثبات يوم حملت رؤوس القبيلة، واليوم صرنا نعرف أن للحب مفهوماً مختلفاً تماماً عن التبعية، فإن تخسر جزءاً منك لتكسب القبول فلا أنت حر ولا الآخر محب، فالعاطفة لا تكون مشروطة، وإن كانت كذلك فهي محض استنزاف، تسحب طاقتك وتتركك فريسة لجلد الذات. ربما تركنا البلد وهي تحترق، ليس فقط هرباً من الموت الجسدي، بل من احتضار أرواحنا في سجن القالب الواحد المعد لكل السوريين، لم نكن نحن من في الداخل، كانت مسوخنا.

ومن طبع السجين ألا يُدافع عن سجنه، السجن الحقيقي هو حدود العقل، والعقل القائم على لون واحد ينتج تفكيراً مقيداً، لقد بنونا كمساجين لا كأفراد، وإن لم تحصرنا جدران زنزانة. بنوا سجناً في روح كل منا، ولا زلنا إلى اليوم نكسر أنيابه غير المرئية داخلنا. الوطن ليس مكاناً فقط بل محيطاً وفكراً وفردية، واليوم أجدني أراقب أصدقائي، الكثير منهم يتجنب من عاش وسط آخرين سنوات طويلة، ويغربل صفحته على فيسبوك من معظم أقاربه أو جيرانه... فلماذا؟

ومتى نكون غرباء، الآن أم في السابق؟ هل اللغة هي من تحدد انتماءنا أم قدرتنا على قول الحقيقة متى وأمام من نريد؟

الثورة لم تنته، الثورة حدثت داخل كل شخص منا، ولا زالت مشتعلة. أظن أننا يوماً ما سنلتقي وكل منا قد اجتاز حروبه، لا يبدو ذلك بالغد القريب ربما، لكن سيحدث، وحينها سنتعرف على بعضنا كسوريين في كل مكان. لذا لا تخاف الوحدة يا أحدب نوتردام، فالغربة يا صديقي، أن تكون أحدب نوتردام بدلاً من أن تكون أحدباً فقط يعيش في نوتردام.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard