مهرّبو بشر بين سوريا وتركيا يروون قصص عملهم وسط التغيرات السياسية والعسكرية

الاثنين 17 فبراير 202005:47 م

"كل ما حصل ويحصل على الحدود السورية كان إما نتيجة للسياسة أو جزءاً منها، فقد أثّرت على كل شيء هنا، حتى على حياتي"، يقول سامر (اسم مستعار)،  وهو شاب عراقي في أواخر العقد الثاني من عمره يعمل كمهرّب على الحدود السورية - التركية.

عاش سامر لسنوات لاجئاً في سوريا بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ثم عاد بعد ذلك مع عائلته إلى الموصل ليُتابع تعليمه الجامعي في كلية الحقوق، من دون أن يتخيّل حينها أن ينتهي به الحال مهرباً يتنقل بين الحدود ويعيش خارج القانون.

تدرّج سامر خلال عمله في التهريب من سمسار يجمع الزبائن المحتملين إلى مساعد دليّل ثم إلى دليّل. والأخير هو الشخص الذي ينتدبه المهرّب ليرشد الأفراد إلى الطريق أثناء عملية عبورهم الحدود، ثم يستقل بعد ذلك ويبني مجموعته الخاصة التي يُشرف عليها لنقل البشر والبضائع بشكل غير شرعي بين سوريا وتركيا.

وغالباً ما تتألف شبكة التهريب من سمسار أو أكثر يجذب الأفراد الراغبين بعبور الحدود ويصلهم مع المهرّب، وتضم كذلك دلّيلاً أو أكثر تحت سلطة المهرب الذي تكون وظيفته الإشراف على عمل المجموعة والتنسيق بين أفرادها.

يقوم المهرّب كذلك بالتنسيق مع من يتواجدون على الطرف التركي من الأتراك الذين يتعاون معهم لاستكمال عملية التهريب بنقل الأفراد إلى منازل آمنة على الأراضي التركية حتى لا يُكشف أمرهم، كما يقوم بتحصيل المال من العملاء ثم إعادة توزيعه على مجموعته بعد حسم نفقاته وأرباحه، إضافة إلى تأمين الوسائل والأدوات الضرورية للتنقل والتواصل على طرفي الحدود.

لم تساعد ظروف الحياة سامر ليتابع تعليمه الجامعي كما كان يحلم، فوجد نفسه مضطراً إلى العمل بعد نزوحه إلى ولاية شانلي أورفة التركية في نهاية عام 2013، بسبب سيطرة داعش على المنطقة التي كان يقيم فيها، لكنه تعرض لعملية احتيال خسر نتيجتها ما كان يملك من مال فأجبرته تكاليف المعيشة والحاجة إلى الطبابة أن يسجل نفسه لاجئاً سورياً مستخدماً بعض الوثائق المزورة.

هكذا وجد سامر نفسه في ما بعد وقد أصبح يعمل في شبكة لتزوير الأوراق السورية في مدينة أورفة، مستغلاً خبرته في مجال الطباعة والتصميم واطلاعه على عالم التقنيات والحواسيب، لكن عمله في التزوير لعدة أشهر أدخله في الكثير من المشاكل والمشاجرات، حتى ألقت الشرطة التركية القبض عليه بسبب بلاغ من أحد عملائه.

سُجن عدة أيام ثم جرى ترحيله إلى سوريا بحجة الإقامة، ورغم محاولته جاهداً إقناع الشرطة التركية أنه يحمل الجنسية العراقية عارضاً جواز سفره العراقي، إلا أن ذلك لم يُجده نفعاً فنقلوه إلى الطرف السوري من الحدود.

يقول الشاب الذي يتذكر القليل من دراسته وحياته السابقة إنه تأقلم مع عمله الجديد الذي يحقق له أرباحاً وصفها بـ"الجيدة"، رغم ما فيه من مخاطر وما يفرضه عليه من تنقل مستمر خوفاً من منافسيه في "الكار"، إذ أن "الصراعات التي تدور أحياناً بين شبكات التهريب أو مع بعض عناصر الفصائل المسلحة في المنطقة لا ترحم أحداً".

متابعة مستمرة

يبدو سامر مهتماً بالتطورات العسكرية التي تشهدها الحدود السورية، فهي "تنعكس على العمل بشكل مباشر"، كما يقول.

يتفحص هاتفه الشخصي بعجالة بين الفينة والأخرى ليراقب آخر الأخبار، بينما يبدو مصمماً على المضيّ قدماً بعمله رغم كل شيء، فـ"التهريب كان قبل الحرب وسيستمر بعد الحرب وفي ظل كافة الأوضاع".

يتفحص هاتفه الشخصي بعجالة بين الفينة والأخرى ليراقب آخر الأخبار، بينما يبدو مصمماً على المضيّ قدماً بعمله رغم كل شيء، فـ"التهريب كان قبل الحرب وسيستمر بعد الحرب وفي ظل كافة الأوضاع".

ويشير سامر إلى "صعوبة ضبط الحدود السورية التركية التي تمتد على مسافة 822 كيلومتراً، ومع ذلك هناك المئات الذين يحاولون قطع الحدود بشكل يومي ولأسباب مختلفة منها إنسانية وعسكرية واقتصادية وأمنية"، موضحاً أن الحاجة إلى المهربين لن تنتهي لقيامهم بدور مهم على الحدود فهم كما يصفهم "جزء من تفاصيل المكان ويومياته منذ إنشاء الحدود قديماً".

من جهة ثانية، يعتبر سامر أن ترحيله إلى سوريا هو جزء من السياسة كذلك، نافياً أن يكون ما جرى معه حالة فردية، إذ يقول إنه التقى خلال عمله في التهريب العديد من الأجانب الذين ألقت بهم تركيا على الطرف السوري من الحدود رغم أنهم أكدوا للأتراك أنهم ليسوا سوريين.

وكان عدد من الأشخاص الذين التقيناهم في وقت سابق، من جنسيات مختلفة، زعموا أن حراس الحدود الأتراك والمسؤولين عن عمليات الترحيل أخبروهم عند إرسالهم الى الجانب السوري أن بإمكانهم العودة ثانية عن طريق التهريب.

تطور الوسائل

توسع ميدان التهريب في سوريا خلال سنوات الحرب، بسبب غياب الرقابة والقانون في المناطق الحدودية، كما أن أدواته الخاصة تطورت لتشكل مهنة متكاملة لها شروطها وخصائصها المادية والإنسانية.

يشير سامر إلى أن تضخم حجم عمليات التهريب وتقلصها خاضع للقرارات السياسية التركية، معتبراً أن ذلك بدا واضحاً قبل الاتفاق الأوروبي التركي وبعده عام 2016، حيث أقفل الجانب التركي معظم معابر التهريب على الحدود وأخذ بتشديد إجراءاته تجاه السوريين.

"نحاول أن نجري تحديثاً يومياً لآخر المستجدات على الحدود ونقاط المراقبة، وهناك من يتعاون مع المهربين من الجانب التركي، منهم بعض الحراس الذين يسمحون لهم بالمرور مع مجموعاتهم مقابل مبالغ مالية، وأيضاً بعض أهالي القرى القريبة من الحدود"

وكانت التغيرات السياسية والعسكرية في الداخل التركي تنعكس على التهريب بشكل مباشر عبر إجراءات حرس الحدود، فيشير سامر مثلاً إلى أن فترات مثل الانقلاب التركي عام 2016 والانتخابات الرئاسية عام 2018 رافقها تعزيزات على الحدود التركية، بينما كانت التغيرات السياسية والعسكرية في سوريا تنعكس أيضاً على عدد الأفراد الراغبين بالعبور كما حدث أثناء فترات التصعيد العسكري مثل قتال داعش عام 2016 والعمليات العسكرية في عفرين والغوطة ودرعا وإدلب التي ضاعفت عدد الأفراد الراغبين بالعبور.

يُضاف لما سبق الظروف الاقتصادية في الداخل السوري التي دفعت مئات الأفراد إلى التوجه لهذا السوق الجديد (التهريب) نظراً لسهولة الربح وحجمه، فأسعار التهريب تبدأ من 300$ وترتفع حتى 2500$ بحسب المكان وسهولة العبور ومسافة المشي.

يكشف سامر أن هذا المبلغ يُقسم على عدة أفراد هم المهرّب والدلّيل وأجرة آليات النقل، بالإضافة إلى حصة من يشارك في عملية التهريب من الجانب التركي كحرس الحدود والشخص الذي يستقبل الأفراد أو كما يسميهم المهرّب بـ"النفرات" (جمع نفر) على الجانب التركي.

يراجع سامر مجموعة الواتساب التي يشترك فيها مع بعض المهربين لمعرفة أوضاع الحدود و التطورات. ويقول: "نحاول أن نجري تحديثاً يومياً لآخر المستجدات على الحدود ونقاط المراقبة، وهناك من يتعاون مع المهربين من الجانب التركي، منهم بعض الحراس الذين يسمحون لهم بالمرور مع مجموعاتهم مقابل مبالغ مالية وهو ما يطلق عليه بحسب لغة المهربين (إذن ضابط)، وأيضاً بعض أهالي القرى القريبة من الحدود الذين يرغبون بحصة من أرباح التهريب فيزودون المهربين بأوقات دوريات الحراسة والمناوبات ونقاط التشديد".

عوامل مؤثرة

شاب آخر يعمل في مجال التهريب هو بلال (اسم مستعار يعتمده في عمله) الذي يعيش في مخيم مجاور لبلدة أطمة الحدودية في ريف إدلب.

يتمتع بلال الذي لم يبلغ عقده الثالث بعد بنفوذ واسع في المنطقة بسبب علاقاته مع الفصائل المسلحة الموجودة فيها كجبهة النصرة والجبهة الشامية، ويستغل ذلك لتسهيل عمله في التهريب، كما أنه لا يتنقل إلا برفقة عدد من اليافعين الذين يعملون معه.

"الأوضاع هنا تفرض علينا أن نكون مستعدين لجميع الاحتمالات، ولذلك أحمل مسدساً وبندقية كلاشنكوف وعدداً من القنابل أينما أذهب"، يقول بلال مؤكداً أن السياسة والتغيرات العسكرية تفرض نفسها على عمله.

"علاقات الفصائل بين بعضها البعض ومناطق سيطرتها وتحالفاتها هي التي تتحكم في المنطقة، وخاصة في ما يتعلق بالتهريب الذي يدر الكثير من الأموال، لذا حرصت بعض الفصائل على السيطرة على منافذه للحصول على حصتها، فمنها من فرض إتاوات معينة على المهربين الذين يستخدمون مناطقها كما يجري في مناطق الجبهة الشامية مثل ديرالبلوط وجنديرس في ريف حلب"، حسب بلال الذي يضيف "أما الفصائل الكبيرة، مثل جبهة النصرة، فقد أسست نظامها الخاص لإدارة التهريب والإشراف عليه بشكل مباشر، محددة مجموعة من القوانين والعقوبات الخاصة به".

"الأوضاع هنا تفرض علينا أن نكون مستعدين لجميع الاحتمالات، ولذلك أحمل مسدساً وبندقية كلاشنكوف وعدداً من القنابل أينما أذهب"... مهرّبو بشر بين سوريا وتركيا يكشفون تفاصيل عملهم في ظل التغيرات السياسية والعسكرية

يلفت بلال إلى أن "الجبهة نظمت عمليات التهريب من خلال فرض قوانين معينة وتحديد مكاتب مختصة وعناصر مشرفة، ولذا يلجأ كل مهرب إلى أعداد قوائم بأسماء الأفراد الراغبين بالعبور يقدمها لعناصر الجبهة ولا بد له أيضاً من الحصول على وصل عن كل فرد يقوم بتهريبه قيمته 25$ للمنافذ العادية و50$ للمنافذ الأكثر أماناً، وأيضاً إبراز البطاقات التعريفية عن الأفراد العابرين، أما من لا يمتلك مثل هذه البطاقة فهو مجبر على استصدار واحدة من مكتب مختص تديره عناصر تابعة للجبهة".

وبحسب بلال، يجري ذلك بعلم الأتراك الذين ينسقون إدارة المنطقة عبر غرف مشتركة مع الفصائل المحلية.

علاقات ضرورية

بدأ بلال عمله في التهريب منذ عدة سنوات، بعد نزوحه من جسر الشغور التي كانت السيطرة فيها لمجموعة من العناصر المسلحة، متوجهاً إلى العمل في التهريب "لأنه أكثر ربحاً وأبعد عن خلافات الفصائل".

لدى بلال شبكة علاقات واسعة في المنطقة بين فصائل مختلفة ومناطق متعددة في ريف حلب وإدلب، لكنه يقول إنه يُحدّث باستمرار علاقاته على الطرفين السوري والتركي حسب تغير الجهات المسيطرة.

لدى بلال شبكة علاقات واسعة في المنطقة بين فصائل مختلفة ومناطق متعددة في ريف حلب وإدلب، لكنه يقول إنه يُحدّث باستمرار علاقاته على الطرفين السوري والتركي حسب تغير الجهات المسيطرة.

"العلاقات الجيدة مع الأتراك هي سر البقاء والاستمرار ومفتاح توسع النفوذ والقوة"، وفق بلال الذي يشير إلى من يسميهم "نجوم" عالم التهريب في الشمال السوري، مثل "أبو علي سجو" الذي حسب وصفه هو شخصية أمنية وعسكرية وأحد زعماء الفصائل المشهورة بفسادها وسيطرتها على مناطق التهريب في ريف حلب الشمالي، وقد تمتع بنفوذ قوي على معبر باب السلامة الحدودي، ومنهم كذلك شخص آخر يدعى "الخال" في ريف إدلب.

في منزل بلال، يجتمع سبعة من الشباب بانتظار اللحظة المناسبة للعبور، ومنهم أحمد (22 عاماً) وهو شاب من ريف دير الزور كان قد غادر منطقته بعدما أنهى دراسته في المعهد الصناعي المتوسط هرباً من التجنيد الإجباري، وأملاً بالوصول إلى أوروبا لبناء مستقبله.

يقول أحمد إن الأوضاع الأمنية والاقتصادية تؤثر بدورها على المهاجرين أيضاً، فهي من تدفعهم للجوء وترك مناطقهم الأصلية وسلوك طرقات غير شرعية، وهي التي تحدد أعدادهم كما تنعكس بدورها على تكاليف التهريب.

تغير الأولويات

يقول الصحافي محمد هويدي المقيم في إسطنبول إن موجات التهريب ارتفعت مع التصعيد العسكري في سوريا ما بين عامي 2014 و2015 اللذين شهدا تعزيز التدخل العسكري الروسي الإيراني في الصراع السوري، فازدادت حركة تهجير مناطق كانت خاضعة لسلطة المعارضة بعد سيطرة قوات النظام عليها مثل درعا وحلب وديرالزور والغوطة.

ويلفت الهويدي إلى أن أرقام الوافدين غير المسجلين الذين ألقت السلطة التركية القبض عليهم والصادرة عن دائرة الهجرة التركية تشير إلى ذلك، إذ أُلقي القبض على حوالي 25 ألف وافد سوري غير مسجل عام 2014 وهو رقم يتجاوز ما شهدته السنوات التي سبقت منذ عام 2011 وحتى عام 2013، بينما ارتفع هذا العدد إلى حوالي 75 ألف وافد عام 2015.

ارتفاع كبير لم يستمر لفترة طويلة إذ تقلصت أعداد العابرين بشكل تدريجي وتدهورت مهنة التهريب نسبياً مقارنة بما قبل 2016، حيث انخفضت أعداد الوافدين الذين ألقي القبض عليهم بعد ذلك بحسب دائرة الهجرة التركية إلى حوالي 70 ألف وافد عام 2016 واستمر بالتقلص حتى وصل إلى حوالي 22 ألف وافد فقط عام 2019، رغم استمرار العمليات العسكرية في بعض أجزاء سوريا.

ضغوط داخلية تركية

يُرجع أغلب الذين تواصلنا معهم من السوريين والأتراك أسباب انخفاض أعداد السوريين الداخلين إلى الأراضي التركية إلى أسباب سياسية وعوامل داخلية تركية حددت أولويات السياسة في أنقرة.

يرى إبراهيم، وهو شاب تركي يعمل في منظمة تركية تقدم جزءاً من خدماتها للسوريين في ولاية شانلي أورفا، أن "السياسة التركية تغيرت نحو التشدد تجاه دخول المزيد من السوريين إلى البلاد بسبب ضغوط خارجية من المجتمع الدولي خوفاً من انتقالهم إلى الأراضي الأوروبية".

ويضيف: "حصلت كذلك مطالبات داخلية من المجتمع التركي الذي لم يتقبل السوريين كما توقعت الحكومة، إذ شهدت بعض المدن التركية حالة من التوتر تجاه السوريين، فضلاً عن مواقف الأحزاب السياسية التركية المعارضة من التواجد السوري في تركيا".

وقد شهد عدد من المدن التركية احتجاجات شعبية متقطعة ضد تواجد السوريين فيها منذ عام 2016 وحتى اليوم، تحوّل بعضها الى أعمال عنف وشغب استهدفت ممتلكات السوريين ومنازلهم كما حدث في ولايات شانلي أورفا وعنتاب ومرسين وإسطنبول، كما تصدر وسم "ليرحل السوريون عنا" على منصة تويتر عدة مرات خلال عام 2019 .

*تم إنجاز هذه المادة في إطار برنامج التدريب الذي ينظمه مكتب العلاقات الخارجية في "الجامعة الأمريكية في بيروت" بالتعاون مع "مؤسسة دعم الإعلام الدولي". اضغط هنا للمزيد من المعلومات حول البرنامج.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard