الكوميديان الفلسطيني علاء أبو دياب لرصيف22: "السياسة عند العرب تابو مثل الجنس والدين"

الاثنين 10 فبراير 202003:44 م
لم يكن من ضمن خطط علاء أبو دياب، أن تتحول طاولات المقاهي التي جلس حولها مع أصدقائه في القدس وحيفا وعكا، والتي كان عنوانها الضحك فقط، إلى خشبات مسارح يقف فيها وحيداً هو والميكرفون، وضوء خافت وأصوات قهقهة من الجمهور.

علاء أبو دياب، الكوميديان الفلسطيني، الذي كشفت غربته في السويد الغطاء عن موهبته، بدأ باستخدام شبكة الإنترنت من أجل بثّ فيديوهات طويلة، تحاكي قضايا عديدة بأسلوب ساخر، ما جعله مع الوقت و"دون أن يقرر مسبقاً"، فناناً يستحق أن يقال عنه ستاند أب كوميديان، بامتياز.

في حوار أجريته مع علاء أبو دياب خلال تواجده في العاصمة الأردنية عمان، وقبل موعد عرضه "عالطيارة" بخمس ساعات، اتفق معي على ما يشاع عنه كثيراً: "علاء لم يخطط أن يصبح ستاند أب كوميديان، نحن أصدقاؤه ومتابعوه على الفيسبوك من قررنا ذلك".

ورغم حرصنا على أن نتجاوز السؤال الصحفي الرتيب: احكيلنا عن بداياتك، إلا أن "فتحة عداد" الحوار كما أسماها علاء، فرضت علينا أن نمر على بداياته، التي من الواضح أنه حريص على الاستمرار بتذكرها، لأنها تُظهر مدى تعلقه بأصدقائه في فلسطين، الذين بالكاد يغيبون عن لسانه طوال الحوار.

"صارت فيديوهات الفيسبوك علاجي من الاكتئاب".

فمع أن كل محاولات أصدقاء علاء في إقناعه بأن يستثمر خفة دمه ويجعل منها مهنة ستاند كوميديان، باءت بالفشل، إلا أنها سرعان ما عادت إليه عندما اغترب من مدينته القدس إلى السويد، ويضيف: "فالغربة صعبة والسويد مش شبهنا بالمرة عكسنا تماماً، الناس في السويد مش دافين زيّنا"، كما يقول علاء.

ويتابع: "أنا شخص تافه ما كنت أعرف شو يعني اكتئاب"، لكن يبدو أن السويد علمته ماذا يعني اكتئاب، ويضيف: "طلعت من القدس رجل ورا ورجل قدام على السويد، غير إني طلعت كبير بالعمر، يعني مش طالب، غير إنهم باردين، ولأني شخص اجتماعي، هناك عرفت معنى الاكتئاب وحولني إلى شخص بليد لا بشتاق ولا بحزن ولا بفرح".

الغربة وحلول لعلاج الاكتئاب

"صارت فيديوهات الفيسبوك علاجي من الاكتئاب"، يضيف علاء، عائداً بذاكرته إلى أوّل فيديو ساخر نشره عندما استقر في السويد، تهكماً على شيخ قرر أن الأرض مسطحة، ويضيف: "كان هدفي في هداك الفيديو مش كمية الضحك بقدر إنه أحكي يا صحابي أنا هون لساتني معكم… ما بدي أنسلخ عن البلد يا غادة".

وفي سياق حديثه عن الغربة واشتياقه لأصدقائه وللبلد، أشار علاء إلى زاوية حقيقية جداً، بأنه في بداية غربة أي شخص يحاول إثبات وجوده وأنه غير بعيد عن عالمه، ويوضح: "يعني أول ما سافرت بتبقى تبعت لصحابك آه شو صار بسيارتك؟ وصاحبي بسألني شو أبو العلا كيف أمورك؟"، ثم رغم الغربة، تبدأ محاولات إثبات الوجود، والتي تتلاشى وحدها.

"لو لساتني بالبلد مستحيل كان كملت استثمار موهبتي ومستحيل كانت تحولت إلى مهنة".

"بس لما بديت أنشر فيديوهات صرت حرفياً أحس إنه صحابي قاعدين معي على نفس الطاولة"، يقول علاء وعلامات الفرح ظاهرة عليه، عائداً بذاكرته أيضاً إلى فيديو آخر نشره عن روما، حين كان متواجداً فيها، وأنه صوّر أقفال العشاق هناك ودعا كل من يريد أن يفتح روما أن يزيد من عدد المفاتيح، لغاية فتح أقفال العشاق أيضاً.

الفراغ في الغربة هو الذي ساعد علاء على الظهور بحسب قوله، معترفاً بشيء مهم قاله: "لو لساتني بالبلد مستحيل كان كملت استثمار موهبتي ومستحيل كانت تحولت إلى مهنة".

وهنا يوضح: "في مجتمعنا الشخص يعطي رأيه بدون ما تطلبه، وإذا قدمت محتوى ساخر فمن البديهيات أنهم سيسخرون منك، مثلاً لو أنا نشرت فيديو أقفال العشاق الموجودة في روما في البلد، كان سمعت عبارة سخرية من أحدهم إيش يا علاء فتحت روما ولا لسى؟ هاهاها هياتنا خبينالك المفتاح".

هل فعلاً كنت ستتأثر من هكذا عبارة؟ سألته، وأجاب: "أكيد كنت رح أتأثر، أنا بعترف إني شخص بتحسس كتير، وأنا مش من جماعة لي حلم سوف أحققه رغم الظروف، يعني لو أنا جوا البلد وحدا تمسخر على فيديو إلي كان فوراً وقفت وما كملت".

طريق رام الله القدس

وخلال الحوار، دخلنا في محور فلسطين والقدس، ورداً على سؤال ما يشاع أنه زعلان من رام الله؟ أجاب: "يا حرام، رام الله هي أكبر ضحية للي صار وبصير، أنا مو زعلان منها أنا زعلان عليها، نعم رام الله تشوهت كمركز حكم لكن كمدينة يجب علينا جميعاً أن نعتذر لها فهي اللي أكلت الضربة، وأكثر مدينة تعاقبت، كانت مدينة بتكبر القلب، أما اليوم رام الله مول مشوّه، فيها ناس حلوة بحبها كتير".

أما في حديثه عن القدس، قال: "لو عنا دولة، كانت أعلنت القدس منطقة منكوبة مثل اللي ضاربها زلزال، اللي بسووه الإسرائيليين غير إنساني، بسكّنوا الناس فوق بعض، الناس بتبني فوق بعض، وهاد بيأثر على البنية التحتية، وعلاقات الناس مشحونة مع بعضهم... ممكن الواحد يقتل جاره مشان موقف سيارة".

وينهي حديثه عن القدس: "بجزم أنه ما في حدا بحبهاش... منحبها بهبل ومنخسر في كل مقارنة معها، حب القدس مثل حب المراهقة".

علاء أبو دياب، الذي كشفت غربته في السويد الغطاء عن موهبته، بدأ باستخدام شبكة الإنترنت من أجل بثّ فيديوهات طويلة، تحاكي قضايا عديدة بأسلوب ساخر، ما جعله مع الوقت و"دون أن يقرر مسبقاً"، فناناً يستحق أن يقال عنه ستاند أب كوميديان، بامتياز

الشارع الفلسطيني وصفقة القرن

هل ترى ردود الفعل في الشارع الفلسطيني يتناسب مع هول الحدث فيما يتعلق بصفقة القرن؟ سألته وفضّل أن يوضح شيئاً عن صفقة القرن، فهي من وجهة نظره تشبه الجاهة، ويقول: "بتصير الجاهة ووالد العروس من قبل موافق ومتفقين على كل شي ويمكن العريس كاين متعشي عندهم قبل بيوم، كيف وقت الجاهة لما يعلن الأب إنه موافق بدخلوا القهوة البقلاوة والحلو؟ هيك صفقة القرن، بس يخلص ترامب حكي دخلوا القهوة".

وعن حجم ردود الشارع الفلسطيني، فهي شعور انتصاره بأنه كان على حق عندما قال إن مشروع السلطة سوف يفشل، ويتابع: "الشارع الفلسطيني كأنه كان بالسيارة والسلطة هي الشوفير وداعسة قوي على النزول، والفلسطينيين كانوا يقولوا رح ننزل بالوادي، رح ننزل بالوادي، ولما نزلوا عالوادي فرحوا وقالوا: ها... كلامنا طلع صح".

"مش إحنا اللي فشلنا، إنتو كمشروع سلطة اللي فشلتوا"، يوجه علاء حديثه إلى السلطة الفلسطينية، مستبعداً أن تكون هناك ردود فعل قوية في الشارع الفلسطيني ذلك لأنه لا توجد قيادات "قد الثقة" حتى تواجه "صفقة القرن".

السياسية تعيش داخل كل عربي

في حديثنا عن الفن والسياسة، قال علاء: "إذا بقدر يجرب الفنان العربي إنه ينفصل عن السياسة، بقدر يجرب، بس إحنا مو بالنرويج"، مشيراً إلى أنه إذا كانا ينفصلان عن بعضهما، فالسياسة تعيش داخل كل إنسان عربي، هي في حياة الفنان والخباز أيضاً.

واعتبر أن الثورات العربية الحالية كشفت وجوه فنانين عرب مثل ما حدث في ثورات الربيع العربي، معتبراً أن هناك فنانين لا يحتاجون بيع مواقفهم، بل هم على قناعة ذاتية أن ما يحدث من ثورات هي مؤامرة، ويعود ويقول فصل الفن عن السياسة كذبة، ويضيف: "لكن مش ضروري عمرو دياب يغني سياسة مثلاً... شو بده يغني سياسة دخلك؟".

لكن الغناء لا ينطبق على الكوميديا وتحديداً السياسية، فمن الصعب أن تنفصل الكوميديا عما يحدث من ثورات، ناهيك، وبحسب رأي علاء، أن السياسة عند العرب تابو مثل الجنس والدين، والشعب العربي يحب أن يسمع سياسة على اعتبار إنها تابو.

ويتابع: "أنا مثلاً بعمل 10 فيديوهات اثنين منهم سياسة، الناس بتنسى الـ 8 فيديوهات وبتضلّ متذكرة فيديوهات السياسة، مع العلم أنني وعلى المسرح أفضل ألا أتحدث سياسة احتراماً للشخص الذي دفع حق تذكرة ليشاهد عرض، ليس بالضرورة كل من يحضر لعروضي يحبون أو لديهم ثقافة سياسية".

هذا أولاً، أما ثانياً وعن سبب عدم حديثه في الشأن السياسي في عروضه على المسرح، يقول: "قضية فلسطين بطلت القضية المركزية، وبطلت تضحك، أنا لو نكتت عن أبو عمار من عشرين سنة الناس رح تفهم وتضحك من الرباط إلى البحرين، لكن اليوم إذا نكتت عن أبو مازن ممكن في الأردن ما يفهموا".

اعتبر علاء أبو الدياب الثورات العربية الحالية كشفت وجوه فنانين عرب مثل ما حدث في فترة الربيع العربي، معتبراً أن هناك فنانين لا يحتاجون بيع مواقفهم، بل هم على قناعة ذاتية أن ما يحدث من ثورات هي مؤامرة، مشيراً إلى أن فصل الفن عن السياسة كذبة

لبنان "كلاسيكو" الوطن العربي

في إجابة عن ملاحظتي وسؤالي: "تفاعلت كثيراً مع الثورة اللبنانية أكثر مما يحدث في عواصم عربية أخرى.. اشمعنا لبنان؟"، قال علاء: "القرب هو السبب".

ويتابع: "غير أن لبنان ومنذ عقود كان محط نظر الجميع، وكان كل الوطن العربي يتابع الأحداث السياسية هناك وخلافات الأحزاب فيها... هي باختصار كانت كلاسيكو الوطن العربي، إحنا من زمان حافظين أسماء السياسيين فيها منعرف وليد جنبلاط، رفيق وسعد الحريري وغيرهم وتوجهاتهم، لكن اليوم مثلاً إذا بدي أعرف شو بصير في ليبيا بفوت بدوّر مين حفتر ومين هدول؟ وطبعاً بهتم جدا بالشأن المصري بحكم مركزيتها، مصر إذا بتطلع منطلع واذا بتنزل مننزل".

وأشار علاء أنه منحاز دائماً إلى حراكات الشعوب العربية، ويدرك أنه لو كان في أي بلد فيها ثورة كان سينزل إلى الشارع، وهو على يقين أنه غير ممول كما يقال عنهم، ويتابع: "إذا الثورة بدها تعطيني كرامة وحرية طبعاً حنزل لو شو ما يصير... أكتر من القرد الله ما سخط".

وعن المادة الدسمة الموجودة في الأردن والتي تكون محور عروضه، قال علاء: "صرت أفضل ما أحكي عن المدينة التي أقدم عرض فيها، أفضل أن أقدم في العرض ما لا يتوقعه الجمهور، فلأني في عمان يتوقع الجمهور أني رح أحكي عن الباص السريع وعن الأزمة مثلاً، لكنني أنا معك الآن وقبل العرض بخمس ساعات لم أحضر حتى اللحظة إيش بدي أحكي عن عمان في الدقائق القليلة المخصصة لذلك، لكني رح أجمع ما رصدته من مشاهدات منذ وصولي إلى المطار".

أشار علاء أبو دياب إلى أنه منحاز دائماً إلى حراكات الشعوب العربية، ويدرك أنه لو كان في أي بلد فيها ثورة كان سينزل إلى الشارع، وهو على يقين أنه غير ممول كما يقال عنهم، ويتابع: "إذا الثورة بدها تعطيني كرامة وحرية طبعاً حنزل لو شو ما يصير... أكتر من القرد الله ما سخط"

هل فعلاً عمّان تُشبه رام الله؟

عن هذا السؤال، يجيب علاء: "لا رام الله بتحاول تكون عمان، عمان مش شبه إشي، هي حالة غريبة... مدينة بس مش مدينة، الناس إجوا من كل محل عليها قرروا إنهم عمانيين بدون وجود عماني أصلي يتعرصن عليهم، حتى أنهم لم يسمحوا لها ببناء شخصيتها وهويتها".

وعن رأيه بأن يتحول الكوميدي إلى موظف، أيد فكرة أن الشباب العرب الذين يملكون حساً كوميدياً يفقدون موهبتهم عندما يصبحون موظفين في قنوات فضائية، ففي هذه الحالة يصبح الكوميدي "بايخ"، لكن الجانب المادي الذي تقدمه لهم تلك القنوات يغريهم ويعصرهم ويجعلهم يفقدون كوميديتهم، حسب تعبيره.

في إجابة على السؤال: "هل ساعدت سخريتك من أبو مازن على شهرتك؟"، يقول: "لا ليس بالضرورة... لكن نعود لفكرة لأنها سياسة يعني تابو، كأنني أتحدث عن الجنس أو الدين، لا أحب أن أكون (هاد الي بنكت على أبو مازن) مثل المغني اللي انعرف على أغنية وحدة يذهب إلى حفلة ساعة والجمهور ينتظر أغنيته التي ضربت، وأحاول أن أخرج من هذا الإطار، لكن الناس يجذبها أنه حكى عن اللي ما بقدر حدا يحكي عنه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard