هل تساعد الميديا بالحماية من الأوبئة أم تساهم ببثّ رعب "نهاية البشرية"؟

الاثنين 27 يناير 202005:20 م

مع الإعلان عن وباء فيروس كورونا، بدأ الهلع ينتشر بين الناس، بسبب الحملة الإعلامية المكثفة التي أخذت تحذّر منه. رعب يطالعنا من خلال صفحات التواصل الاجتماعي، الجرائد والمحطات التلفزيونية والإذاعية. تحذير عالمي تقوده الميديا، يمتد من الصين إلى كندا، الولايات المتحدة، فرنسا والعالم العربي، يترافق مع حالات جديدة، محدودة العدد من الإصابات، يتم الكشف عنها حول العالم.

لا يبحث هذا المقال عن أسباب هوس الميديا بنشر الذعر من الأمراض، فليست نظرية المؤامرة ما يحرك أسئلتنا تجاه هذا الهوس، بل الطريقة التي تتعاطى بها الميديا مع هذا النوع من الأحداث.

تبدأ الحملات بلوم الضحايا على معاناتهم، فكثير من المقالات أخذت بتنميط الصين كبلد متسبب بانتشار الأوبئة والآفات، وكأن بقية دول العالم تخلو من الأمراض. يتجلى الخوف باستجابة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، الذين بات بعضهم يطالب بمنع المسافرين القادمين من الصين من دخول الدول الأخرى، كما بدأت الحملة بلوم إحدى المطاعم الصينية التي تقدم حساء الخفافيش كمسؤول أول عن انتشار الوباء، وتهزأ من تناول الصينيين للفئران والخفافيش، وكأن الأبقار والخنازير والطيور لم تسبب بدورها بنقل الأمراض التي عانينا منها في السابق.

في التعليقات لمتابعي صحيفة Le Parisien الفرنسية على النت، نجد البعض يحذّر من نهاية محتومة بشّرت بها أفلام هوليود، والبعض الآخر يسخر من دول العالم الثالث وتسببها بنقل أمراض لدول العالم الأول، وبذلك يتناسى هؤلاء حقيقة أن الرجل الأبيض قد تسبب بإبادة مجتمعات كاملة من السكان الأصليين في أمريكا، من خلال الآفات التي حملها معه لقارة لم تعهد هذا النوع من الأمراض، فالأمراض وتداولها بين البشر ليس حكراً على شعب أو بلد.

تكثف الحملات الإعلانية تسليط الضوء على الوباء حتى يصبح شغلنا الشاغل، ويعزو البعض ذلك لرغبة شركات الدواء العملاقة بالاستفادة من بيع الأدوية. لا ينفي هذا الدافع حقيقة انتشار الوباء، لكن لا يتساوى حجم الحملة الإعلانية مع الأرقام التي تبين عدد المصابين والمتضررين من الوباء، بالتالي، فإن القلق والخوف الناتجين عن هذا النوع من الحملات، وحالات انعدام الأمن النفسي أكبر من الأذى الذي يسببه الفيروس. توضح بعض الدراسات أن خوفنا لا يتماشى مع حجم الخطر المحدق بنا، ففي حالات أمراض مثل إيبولا وزيكا، تجاوز حجم عدوى الخوف أعداد الإصابات بالمرض.

ما يحزنني في مثل هذه الحالات من الهوس الجمعي بالأوبئة والخوف منها هو ضعف ذاكرتنا، التي تنسى مرورنا بتجارب مشابهة، وعدم مقدرتنا على استخلاص العبر من هذه التجارب.

لم يكن الألم الناتج عن إصابتي بإنفلونز الخنازير ما أضناني، بل كانت ردة فعل بعض من حولي هي الصدمة الكبرى... آلمني تجريدي من إنسانيتي، وتحويلي إلى زومبي قد ينقض على من حوله وينشر المرض، لم يستطع من حولي التعامل بمنطقية مع حالتي، الأمر الذي أعزوه لما تسبب به الإعلام من هلع

ففي ربيع 2009، ومع انتشار الهلع من فيروس إنفلونزا الخنازير H1N1، بات العالم بحالة رهيبة من الرعب والقلق تتجاوز حجم المرض الذي نواجه. بحكم عملي في مجال الطيران كنت أكثر عرضة للإصابة بالمرض، وكنت حريصة على اتباع طرق الوقاية، من غسل اليدين، التعقيم وغيرها، لكن ذلك لم يحمني من الإصابة بالمرض الذي شعرت بأن أحد الركاب مصاب به، بسبب الأعراض التي بدت عليه، من سعال وتعرّق وإنهاك. لم أتهاون في التعامل مع الأمر وتوجهت مباشرة للطبيب. فشل المشفى بالكشف عن حالتي مبكراً، واستغرقهم الأمر أسبوعاً كاملاً لإبلاغي بأني مصابة بمرض H1N1. ورغم ذلك كنت في تلك الفترة قد التزمت بحجر صحي ذاتي فرضته على نفسي، فلم أخرج من المنزل ولم أتصل بأي شخص، وقد ساهم بذلك الألم المضني الذي عشته بسبب المرض، والذي كنت أواجه وحيدة، مع فشل الأطباء بتحديد حالتي، إلى أن شارفت على التعافي.

لم يكن الألم الناتج عن هذا المرض هو ما أضناني، بل كانت ردة فعل بعض من حولي هي الصدمة الكبرى، فعند إدراك الأطباء متأخرين، بناء على التحليل الذي أجريته قبل أسبوع، إصابتي بالعدوى، قرروا القيام بعزلي، وهو إجراء منطقي بالنسبة لي رغم قدومه متأخراً.

ولكن قبل وصولي المستشفى، ومع انتشار خبر إصابتي، كانت بعض زميلاتي في العمل قد أخذن بالصراخ والجري بعيداً، وبدأت إحداهن برش مادة معقمة على وجهي وعيني كادت أن تتسبب باختناقي. أستطيع أن أفهم ابتعادهن عني وقيامهن بتغطية وجههن (وهو مالم يحدث في حقيقة الأمر)، لكن ما الفائدة المرجوة من الصراخ أو من محاولة قتلي بالمعقمات!؟

آلمني تجريدي من إنسانيتي، وتحويلي إلى زومبي قد ينقض على من حوله وينشر المرض، لم يستطع من حولي التعامل بمنطقية مع حالتي، الأمر الذي أعزوه لما تسبب به الإعلام من هلع. تم لومي كضحية، وتم التعامل معي كمسبب لوقوع كارثة إنسانية. في عزلتي، خنقتني وحدتي وتنمّر بعض زملائي عليّ ولومي لظهور إصابات أخرى بين زملائنا. لكن في تلك الأثناء، استمرت زميلاتي المقربات بدعمي ومد يد المساعدة لي، وهو ما أقدره حتى هذه اللحظة. أشارك هذه الذكرى على أمل ألا يمنعنا الخوف من تذكر دعم مصابي الأمراض، وعدم التنمر عليهم ولومهم على مصابهم الذي يكفيهم ألمه.

من الضروري التحذير ونشر الوعي، أما التضخيم هو ما يستلزم البحث والدراسة. بحسب منظمة الصحة العالمية فإن التبغ يقتل ما يصل إلى نصف مستخدميه، ما قد يتجاوز 8 ملايين شخص كل عام. أكثر من 7 ملايين من هذه الوفيات ناتجة عن الاستخدام المباشر للتبغ، في حين أن حوالي 1.2 مليون من هذه الوفيات ناتجة عن غير المدخنين الذين يتعرضون للتدخين غير المباشر. في 2009 تسبب مرض إنفلونزا الخنازير بوفاة ما يصل إلى 203،000 شخص في جميع أنحاء العالم، وفقاً لتحليل جديد أجرته مجموعة دولية من العلماء. لا تهدف هذه المقارنة للاستهانة بالأوبئة التي قد تسبب بخسارة من نحب، لكن تهدف لوضع لجام على الخوف غير المنطقي المتضخم في دواخلنا.

ضمن هذه الدوامة التي تتغافل عن صالح الإنسان، والرعب التي تتسبب به من تنميط، إساءة للضحايا ومضاعفة خوف عوائلهم على مصيرهم، يبقى التسلح بالوعي واتباع طرق السلامة حلاً لهوسنا الجمعي بنهاية البشرية، على طريقة أفلام هوليود

لوري غاريت، الكاتبة والصحفية في المجالات العلمية، الحاصلة على جائزة بوليتزر لتغطيتها لانتشار مرض إيبولا في زائير عام 1996، تبين أهمية الصحافة في توضيح خطر الأمراض والتوعية حولها. فتقدم غاريت مدينة كيكويت في زائير، كمثال لما يحدث في مجتمع يواجه كارثة دون أي وسائط، وتقول: "كيكويت مدينة فقيرة بشكل يائس، ويبلغ عدد سكانها حوالي 400000 نسمة، تفتقر للمياه الجارية، نظام الصرف الصحي، الكهرباء، الهواتف، الطرق اللائقة، الراديو، التلفزيون أو الصحف. تم نقل جميع المعلومات حول فيروس إيبولا بطريقتين: الشائعات المتداولة من شخص لآخر، أو صيحات تقليدية حزينة للموتى، يتردد صداها في المدينة ليسمعها الجميع. أصيب السكان بالرعب بسبب إشاعة تبين أن بعض الأرواح الشريرة 'لاندا' قد انطلقت لتعيث فساداً، ادعى الكثير من السكان أن الأطباء في كيكويت كانوا يقتلون مرضاهم لبيع الماس المستخرج جراحياً من بطون المهربين المحليين، لأنه لا توجد مصادر محلية موثوقة للمعلومات".

هذا المثال يبين أهمية عمل الإعلام لرفع الوعي، ومنع وقوع المزيد من الضحايا بسبب الجهل. لكن هذا الدور يجب ألا ينحاز للترويج والتضخيم بهدف البيع والربح، فالصحفية غاريت تناقش حال الميديا التي يملكها مستثمرون يضعون نصب أعينهم تحقيق الأرباح من العمل الصحافي، بالمقابل لا تبدو الحالات التي يعمل فيها الإعلام على كتم حقائق ترتبط بأمراض معينة لمصالح جهات مستفيدة، أكثر إيجابية، ضمن هذه الدوامة التي تتغافل عن صالح الإنسان، والرعب التي تتسبب به من تنميط، إساءة للضحايا ومضاعفة خوف عوائلهم على مصيرهم، يبقى التسلح بالوعي واتباع طرق السلامة حلاً لهوسنا الجمعي بنهاية البشرية، على طريقة أفلام هوليود.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard