كيف مات إبراهيم حمودة مرتين؟

الخميس 23 يناير 202004:58 م

في 93 دقيقة، هي مدة عرض فيلم "عايدة"، بطولة أم كلثوم، والذي أنتج عام 1942، كُتبت شهادة الوفاة الأولى لإبراهيم حمودة، صاحب إحدى أهم الحناجر الغنائية المصرية، والذي كان منافساً بقوة لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، من حيث الجماهيرية الغنائية في أربعينيات القرن الماضي.

في خضم هذه العشوائية في حماية التراث، لا مكان إذن لواحد مغمور كإبراهيم حمودة، إذا ما قورن بأم كلثوم وغيرها.

فشل الفيلم بسبب ما تشبعت به أغانيه، التي لحن غالبيتها محمد القصبجي، من تجريب موسيقي لصناعة أوبرا مصرية... صبّت الست غضبها على "القصبجي"، ونال إبراهيم حمودة توابع هذا الغضب، فلأول مرة تفشل "الست"، ولم تكن لتتغاضى عن لحظة سقوط بسبب هوس المجرّب داخل "القصبجي"، ولعلها قالت لنفسها: "غلطة ومش هتعود".

على هامش إبعاد "القصبجي" عن عالم التلحين للست بقرار منها، مع استمراره عازفاً بفرقتها، هناك من خفت نوره، وهو بطل الفيلم، الوحيد في العالم العربي الذي شارك كوكب الشرق في أغنياتها، فبدلاً من أن يكون قد نال فرصة العمر لينطلق إلى نجومية أكبر وأوسع، لم يسمع به أحد بعدها، إلا قليلاً، والتهمته أشباح النسيان، خاصة مع إصدار شهادة وفاة ثانية له، بظهور جيل جديد من المطربين تزعمهم عبد الحليم حافظ، مطلع الخمسينيات، ليكمل الرجل ما تبقى له من سنوات الظهور كحيوان يستعد للانقراض.

حين تقرأ عن سيرته لن تجد الكثير... لم يعرفه الإعلام بالقدر الذي ينبغي لواحد من أهم مطربي مصر وأحسنهم صوتاً... اختفى تماماً منتصف ستينيات القرن العشرين، بعد إصابته بحادث سير بمدينة الإسكندرية، وأدى العلاج الخاطئ إثر الحادث إلى إصابته بشلل، ومات في منتصف الثمانينيات بالسرطان، حتى أنك لتدهش حين تعلم أنه لا يوجد له إلا لقاء وحيد مسجل مع التلفزيون المصري، قبيل وفاته بفترة قصيرة.

فشل فيلم "عايدة" بسبب ما تشبعت به أغانيه، التي لحن غالبيتها محمد القصبجي، من تجريب موسيقي لصناعة أوبرا مصرية... صبّت الست غضبها على "القصبجي"، ونال إبراهيم حمودة توابع هذا الغضب، فلأول مرة تفشل "الست"

الرجل المولود في حي باب الشعرية بالقاهرة، ربما على بعد أمتار من مسقط رأس موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، في 13 آب/ أغسطس 1913، وعاش في 44 شارع النزهة بحي الظاهر في القاهرة، كان أبوه منشداً في جامع الخازندار، فانضم الابن لفرقة أبيه للإنشاد الديني، ثم التحق بمعهد الإذاعة العربية ثم بمدرسة فن الاستعراض، وتتلمذ على يد "عبدالوهاب ومصطفي رضا وصفر علي"، وغنى في الملاهي وتنقل بين المسارح الاستعراضية، كمسرح "بديعة مصابني"، وشارك في أوبريتات، منها "شهرزاد" أمام المطربة رجاء عبده، وشارك في بدايات السينما المصرية في بطولة أفلام: "ليلى بنت الصحراء، نداء القلب، شهداء الغرام، قصة غرام، الصبر طيب، الدنيا بخير، معروف الاسكافي، كلام الناس، ليلة غرام والعلمين".. نصيب الرواد دائماً أن يُدفنوا في تراب التجارب الأولى.

أزمة غياب التوثيق

لا أعرف إن كنا سنستطيع توثيق غنائنا العربي الذي نسمعه حالياً أم لا، رغم ما نملكه من أدوات توثيق تكنولوجية جبارة، صوتاً وصورة، لكن الأكيد أن ضعف فكر التوثيق لمطربينا وتراثنا الغنائي، وراءه أسباب عديدة تستحق منا البحث، وإلا سينتظر حاضرنا نفق النسيان، مثلما التهم ماضينا الثرى، ومثلما كان إبراهيم حمودة وغيره كثيرون ضحايا لسوء التوثيق والتأريخ.

لا أعرف إن كنا سنستطيع توثيق غنائنا العربي الذي نسمعه حالياً أم لا، رغم ما نملكه من أدوات توثيق تكنولوجية جبارة، صوتاً وصورة، لكن الأكيد أن ضعف فكر التوثيق لمطربينا وتراثنا الغنائي، وراءه أسباب عديدة تستحق منا البحث، وإلا سينتظر حاضرنا نفق النسيان

وسواء تعلق الأمر بالنجوم الكبار على غرار أمّ كلثوم، أو أولئك الأقل شهرة، فإنّه من الصعب العثور على الموسيقى العربية التي يُحتفى مؤخراً بإعادة اكتشافها... لعلنا نرى كبار المنتجين الأوروبيين يعملون على إصدار أعمالهم السابقة عبر نُسخ أكثر فخامة وجودة، فضلاً عن إصدار كتيبات تتحدث بالتفصيل عن فريق العمل ومكان ويوم كل تسجيل، إلا أنه من الصعب إيجاد أمر معادل لهذا بالنسبة للموسيقى العربية، رغم أن فيها أم كلثوم التي لا مثيل لها، ويقف السبب الاقتصادي بالدرجة الأولى وراء هذه الأزمة، إذ يصعب بيع هذه الموسيقى على المستوى الأوروبي والأمريكي، فيما تعاني السوق العربية من انعدام عائد الأعمال الموسيقية، وذلك أن السوق اليوم ملغوم بأعمال القرصنة وبالخلافات بين أصحاب الحقوق واختفاء علامات تجارية عدة، وبغياب تحصيل حقوق المؤلفين.

وقد اعتنت مؤسسة البحث وتوثيق الموسيقى العربية إصدارات جديدة لمطرب ينتمي إلى بدايات القرن العشرين، وهو يوسف المنيلاوي، وقد قُرصِن العمل على نطاق واسع، وتم بيعه في أوروبا أكثر بكثير من العالم العربي، كما أن العمل لم يُبَع بالقدر الكافي الذي يشجع المؤسسة على الانخراط من جديد في مشروع كهذا.


في خضم هذه العشوائية في حماية التراث، لا مكان إذن لواحد مغمور كإبراهيم حمودة، إذا ما قورن بأم كلثوم وغيرها، وكأننا على أعتاب النسيان كلما أنتجنا وكلما تكدس في ماضينا النغم، فعما قليل ربما لن نتذكر عمرو دياب وتامر حسني وحميد الشاعري، سواء اتفقنا مع ما يقدمونه أم لا، وستُنسى فرق الغناء التي ظهرت بعد الألفية الثانية.

ولا شيء يمنع، ونحن نحتفي بذكرى واحد من المغنين الكبار في مصر الأربعينيات، أن نتخيل أننا نندثر كلما تقدمنا في الزمن، لا رصيد من الماضي ينتظرنا، ننمحي تدريجياً كلما عشنا، نحن حقاً أقل من الديناصورات التي تركت حفرياتها في باطن الأرض دليلاً على وجودها يوماً ما، وإن استمر بنا الحال على هذا المنوال أظننا سنتحول إلى أطلال أمة، فبلا توثيق أنت بلا جذور ولا تعلم لك مستقبلاً، ومن الناحية الفنية لن يكون هناك تراكم كمي لما قدمته، وبالتالي لا سبيل إلى تطوير ما يحدث في موسيقاك، بناء على تراثك المكدس في وجدانك.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard