"رد فعل على تفرد الشيعة"... فكرة إنشاء إقليم سني تطل برأسها مجدداً في العراق

الجمعة 17 يناير 202006:20 م

عاد الحديث مجدداً حول ضرورة تأسيس إقليم سني يشمل المحافظات الغربية ذات الغالبية السنية داخل العراق، في وقت تشهد البلاد حالة من الاضطراب السياسي والأمني نتيجة الحراك الجماهيري المتواصل منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، فضلاً عن الصراع الإيراني الأمريكي على أراضيها واختراق الطرفين لسيادة البلاد.

وحضرت فكرة الإقليم السني على طاولة النقاش في مدينة دبي التي احتضنت، في العاشر من كانون الثاني/ ديسمبر، اجتماعاً سرياً، كُشف النقاب عنه لاحقاً، وضم عدة زعامات سياسية سنية، منها رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي، ورئيس كتلة الحل النيابية جمال الكربولي، ورئيس جبهة الإنقاذ والتنمية أسامة النجيفي، والسياسي المعروف سعد البزاز ونواباً ووزراء حاليين وسابقين.

خاض المجتمعون في مستقبل الكيان السني داخل الجسم السياسي للسلطة الحاكمة في العراق، لا سيما بعد تصويت البرلمان العراقي على قرار يلزم بإنهاء الوجود الأمريكي على أراضيه. 

وكان مجلس النواب العراقي قد صوّت في الخامس من كانون الثاني/ يناير على قرار ينهي الوجود الأجنبي في البلاد، إثر الضربة الأمريكية التي أدت الى مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، قرب مطار بغداد الدولي، فجر  الثالث من الشهر الحالي.

ما دار في الاجتماع في دبي، يكشف عنه النائب أحمد المساري لرصيف22، قائلاً: "ناقشنا مظلومية المكون السني في ظل السلطة القائمة في العراق".

ويشرح النائب، وهو عضو كتلة "تحالف القوى العراقية" بزعامة الحلبوسي، الأمر بالقول: "لدينا شعور بالغبن نتيجة عدم وجود شراكة حقيقية، إضافة إلى أن غالبية مناطقنا ما زالت حتى اللحظة بعد تحريرها من دون إعمار أو خطة لإعادة العائلات النازحة إليها".

ويضيف: "إمكانية إقامة إقليم لمناطقنا كانت مدار الحديث بشكل أساسي، كما أن الأقاليم حق كفله الدستور الذي كُتب بأيدي جميع القوى السياسية الممثلة لجميع المكونات"، منتقداً "الكثير من التهويلات الإعلامية حول اجتماع القادة السنة في مدينة دبي، وقضية إنشاء الإقليم السنّي الذي بات مطلباً حقيقياً ملحاً".

تصريح المساري بشأن ما دار في اجتماع دبي، أكده النائب زياد الجنابي الذي رأى أن "فكرة إنشاء إقليم سني جاءت رد فعل على تفرد الشيعة في القرارات المصيرية، منها إخراج القوات الأمريكية من البلاد".

ويقول الجنابي، وهو نائب عن محافظة الأنبار، لرصيف22: "المطالبات بإقليم خاص بنا، لا تأتي على أساس مذهبي، إنما بناءً على ضرورة تكوين إقليم إداري لرفع مستوى محافظاتنا". 

ويتابع: "الأقاليم المذهبية لن تنجح ولا تقيم دولة المواطنة التي نسعى اليها، كما أن الأقاليم الإدارية هي حق دستوري يأتي ضمن الفيدرالية التي كفلها الدستور".

وعن نتائج الاجتماع الأخير، يقول الجنابي: "خرج المجتمعون بالتوافق السياسي على الفكرة مع ضرورة طرحها على شارعنا بصورة عامة، وعلى الشخصيات الاعتبارية من رجالات دين وشيوخ عشائرية بغية بلورة الفكرة الى مقترح قانون، يمكن طرحه من خلال الكتل السنية داخل البرلمان العراقي".

بين التأييد والرفض

ما إن طُرحت الفيدرالية في الدستور العراقي الذي كُتب عام 2005، حتى ناكف سنة العراق ذلك المفهوم المتوافق عليه شيعياً وكردياً، مفضلين التمسك بمركزية الدولة في بغداد على باقي المحافظات العراقية.

وبعد 16 عاماً من العملية السياسية، تنقسم النخب السنية بشأن الفدرلة بين داعمٍ ورافض، بعدما كان الرفض سيد الموقف لدى ساسة وجماهير المكون المعارض للعملية السياسية المنبثقة عام 2003.

يقول عضو المجمع الفقهي العراقي لأبناء السنة والجماعة في بغداد عمر الكبيسي: "المزاج السني العام هو مع الدولة المركزية، ولن يحظى الساسة بموافقة الجمهور الذي لا يزال يؤمن بوحدة الدولة وقرارها".

ويعتبر في حديثه لرصيف22 أن "السياسيين يداعبون مشاعر الناس طائفياً بغية تحصيل مكاسب انتخابية لاحقاً، وهذا ما يحصل الآن، للأسف الشديد، عبر اللعب على الوتر العاطفي والطائفي للمجتمع"، مبيّناً أن "الحراك الشعبي الأخير أثبت نضج شبابنا، وحتماً سيغير مسار كل المشاريع الداعية الى تقسيم البلاد، وتعميق الفجوة الطائفية الطارئة على المجتمع العراقي المتعايش طائفياً وقومياً".

وتلاقي منطلقات الكبيسي ومجمعه الرافض لمشروع الفدرلة السنية الفكرة النابعة من الثقافة السياسية المؤمنة بمركزية الدولة.

من جهته، يتبنى الشيخ خالد الملا، وهو رجل دين سني في تحالف الفتح (بزعامة هادي العامري) المقرب من إيران، موقفاً أكثر عدائية، فيهاجم أية خطوات سياسية تدعو الى إنشاء إقليم سني.

ويقول لرصيف22: "موافقة أبناء السنة والجماعة في العراق على الفيدرالية الداعية إلى عزلهم عن باقي المكونات العراقية ستعود بالسلب عليهم وعلى مستقبلهم"، محذراً من "الانجرار خلف الدعوات السياسية القائمة على أساس مصلحي لا غير".

"الساسة السنة لا يختلفون عن الساسة الشيعة والكرد في شيء، فالغالبية تزعجهم الهوية الوطنية الجامعة"... عودة الحديث عن تأسيس إقليم سني في العراق بعد اجتماع تنسيقي في دبي

ويؤيد الشيخ عبد الرزاق الشمري، القيادي في "تجمع القوى العراقية"، وهو تجمّع يعرّف عن نفسه بأنه "منبر إعلامي لتجمع القوى العراقية للإنقاذ ورفض التوسع الإيراني"، إنشاء الإقليم، ويقول: "لن نستطيع العيش في ظل ثقافة الانتقام الطائفي التي يمارسها الآخر علينا"، لافتاً إلى أن "الفيدرالية هي الطريق الأسلم للجميع".

"المستقبل لنا، ولن يكون لغيرنا"

لم يتفاعل مثقفو الحراك الاحتجاجي وناشطوه، ولا سيما المنتمون للمكون السني، مع المطالبات السياسية بإنشاء إقليم خاص بمكونهم، في وقت يعبّر عدد منهم عن اعتراضه على تلك الدعوات.

يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة نينوى حامد الجاف أن الذهاب إلى المسميات الفيدرالية في الوقت الراهن "محاولة لإعادة عجلة العراق إلى الوراء، لأيام الاقتتال والتطييف، لكون هذه المسميات قد شاعت بين 2006 و 2014".

ويعلل الجاف جنوح ساسة السنة إلى خيار الإقليم مجدداً برغبتهم في"تعزيزالانقسام الطائفي السنّي الشيعي، وإظهاره إلى العلن كواقع لا يمكن القفز عليه"، مضيفاً في حديثه لرصيف22 أن "ذلك سيشجع على إقامة إقليم شيعي في مواجهة الإقليم السني، أي يصبح لدينا إقليمان يحتكمان إلى الهوية الطائفية لا إلى الهوية الوطنية".

ويدعو وائل طه، وهو ناشط سني من محتجي ساحة التحرير، وسائل الإعلام إلى "عدم تغطية نشاطات السياسيين، لا سيما تلك التي تنال من وحدة العراق".

ويشدّد في حديثه لرصيف22 على "ضرورة التركيز على مستقبل العراق، الذي سيصنعه شبابه المحتجون في مختلف الساحات العراقية"، مبيّناً أن "الساسة السنة لا يختلفون عن الساسة الشيعة والأكراد في شيء، فالغالبية تزعجهم الهوية الوطنية الجامعة لكل العراقيين". 

ويرى قاسم طارق أن "دعاة الفيدرالية الطائفية باتت أيامهم معدودة في ظل التغييرات التي يناضل من أجلها شبابنا المتظاهر منذ أربعة أشهر ضد الطبقة الفاسدة الرامية إلى تمزيق البلاد".

ويضيف طارق، وهو ناشط من أهالي الأعظمية ذات الغالبية السنية، في بغداد، أن "المستقبل لنا، ولن يكون لغيرنا، ونراهن كشباب عراقي على إذابة المفاهيم الطائفية، كالدعوة الى تأسيس إقليم سنّي وآخر شيعي... وسنننجح في ذلك".

جيران العراق والموقف من الأقاليم

تحاول غالبية الدول المجاورة للعراق استمالة مكوناته على أساس طائفي وقومي، فقد دعمت إيران المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، بقيادة عبد العزيز الحكيم عبر دعوته عام 2005 إلى تكوين إقليم جنوب العراق ووسطه ذي الغالبية الشيعية، لكن المشروع فشل لوجود أطراف شيعية غير مؤمنة بالفيدرالية، وتحديداً حزب "الدعوة الإسلامية" بقيادة نوري المالكي و"التيار الصدري" بزعامة مقتدى الصدر.

"المستقبل لنا، ولن يكون لغيرنا، ونراهن كشباب عراقي على إذابة المفاهيم الطائفية، كالدعوة الى تأسيس إقليم سني وآخر شيعي... وسنننجح في ذلك"... عودة الحديث عن تأسيس إقليم سني في العراق بعد اجتماع تنسيقي في دبي

وكان الفشل حليف دعوة الحكيم في نهاية المطاف، بينما تخلت إيران عن مشروع الأقلمة الشيعية بعد الخروج الأمريكي من العراق عام 2011 واصطفاف أصحاب القرار المركزي في بغداد مع طهران.

في سياق متصل، تدعم تركيا مطالبات ساسة المكون التركماني بإقامة إقليم خاص في مدينة كركوك، المدينة المتنازع عليها قومياً مع العرب والأكراد، بغية الخلاص من هيمنة إقليم كردستان على تلك المدينة الغنية بالنفط.

أما دول المنطقة العربية، كالسعودية والإمارات والأردن، فقد دعمت مساعي قادة المكون السني إلى تأسيس فيدرالية خاصة بالمحافظات السنية. 

يقول عبدالرحمن اللويزي، وهو قائد فصيل سني في حشد محافظة نينوى، إن "الإفلاس السياسي يقف وراء كل الدعوات التي تشحن المكونات المتنوعة في العراق لكي يحصل هذا الزعيم أو ذلك على مغنمِ من مغانم السلطة في البلاد"، لافتاً الى أن "الأخوة السنة، ساسة وقادة، فشلوا في خدمة شارعهم الاجتماعي، لذا يذهبون إلى التثقيف باتجاه الأقلمة".

ويضيف النائب السابق، والمقرب من إيران، أن "السنة كانوا بمأمن بين 2011 و2014"، في إشارة إلى السنوات التي كانت فيها القوات الأمريكية قد انسحبت من البلاد قبل أن تعود مرة أخرى إثر ظهور داعش، معتبراً أن "جزءاً من دعوات الفيدرالية السنية هي تنفيذ لأجندات خارجية لتقسيم العراق".

وتعود فكرة إنشاء الاقليم السني إلى عام 2004، عندما طرحها محافظ الأنبار فصال الكعود، وسمي حينذاك "إقليم الغربية" الذي ضم محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين، لكن المشروع فشل ولم يلقَ آذاناً مصغية.

وعام 2011، توجه رئيس مجلس النواب وقتذاك أسامة النجيفي إلى واشنطن وطرح عملية تبني الفيدرالية للمناطق الغربية وضم نينوى وديالى إلى مشروع إقليم الغربية الذي طرحه الكعود عام 2004، وحصل النجيفي على مباركة الإدارة الأمريكية للمشروع لكنه فشل لاحقاً لغياب التوافق السني عليه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard