خلافات لا تنتهي في إيران... "قميص عثمان" بين روحاني والحرس الثوري

الخميس 16 يناير 202010:52 ص

شهد الأسبوع الماضي تفاقم التوترات بين مكوّنات السلطة الإيرانية. أحداث كثيرة أخرجت التشنّج العالي والقديم بين حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني والحرس الثوري الإيراني إلى العلن.

فهذا الأسبوع لم يكن عادياً في إيران، بل عجّ بالأحداث التي تدلّ على فشل السلطة وتناقضات مكوّناتها. من حادثة تدافع كرمان ومقتل 59 شخصاً في تشييع اللواء قاسم سليماني في السابع من كانون الثاني/ يناير، إلى مأساة الطائرة الأوكرانية في اليوم التالي ومقتل 176 شخصاً، ثم مقتل 20 شخصاً بحادث حافلة في طهران في التاسع منه، وصولاً إلى السيول في جنوب شرق البلاد وتأخر عمليات الإغاثة، وكشف حقيقة إسقاط الطائرة بصاوخ من الحرس الثوري... كل ذلك رفع من منسوب التشنج والاحتقان السياسي والاجتماعي في الداخل الإيراني.

ولكن يبقى الحدث الأبرز إسقاط الطائرة الأوكرانية، والذي ذكّر الإيرانيين بمأساة هجرتهم، فبعدما خسروا مجازاً أعداداً كبيرة من أبنائهم الذين رحلوا إلى عالم الاغتراب، هرباً من قمع النظام وقيوده، وجدوا أنهم يخسرونه مادياً باستهدافهم بصواريخ إيرانية، فـ146 من ركاب الطائرة كانوا إيرانيين، بعض منهم مزدوج الجنسية.

وسرعان ما تحوّلت قضية الطائرة من قضية إنسانية إلى "قميص عثمان" تلوّح به حكومة روحاني تارةً، ويلوّح به الحرس الثوري تارةً أخرى.

حكومة الاستقالات

عشية إصدار القوات المسلحة الإيرانية بيانها الذي أقرّت فيه بالمسؤولية عن إسقاط الطائرة الأوكرانية، كان المطبخ السياسي الإيراني يغلي بتناقضات طبّاخيه. لا أخبار دقيقة عمّا حدث يوم الجمعة، في العاشر من كانون الثاني/ يناير، في أروقة النظام، لكن ما خرج للإعلام يؤكد توسع الخلاف بين حكومة روحاني من جهة و"حكومة" الحرس الثوري من جهة أخرى، مع حديث عن تدخل المرشد الإيراني علي خامنئي بينهما لحل خلاف قيل إنه وصل إلى تقديم روحاني استقالته.

خبر استقالة روحاني الذي نُفي بعد يوم من شيوعه، يذكّرنا باستقالة وزير خارجية حكومته محمد جواد ظريف، إثر تهميشه من الحرس الثوري، وعدم إبلاغه بزيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى إيران في شباط/ فبراير 2019، قبل تراجعه عنها بعد تصريحات وتوضيحات من قيادات الحرس الثوري وعلى رأسهم قاسم سليماني. استمرت شائعة استقالة روحاني ساعات قبل أن تنتهي مع إصداره بياناً علّق فيه على بيان القوات المسلحة وإقرارها بإسقاط الطائرة.

المسؤولون في حكومة روحاني أكدوا أن الحكومة لم تعرف بسبب سقوط الطائرة الحقيقي، أي أنها أسقطت بصاروخ "بالخطأ"، ما يعني أنهم كانوا غير مطلعين على تفاصيل قرار ضرب قاعدة عين الأسد الأمريكية في العراق، القرار الذي اتخذه ونفّذه الحرس الثوري، بعيداً عن أعين وزارة الدفاع، وهو ما لم يكتشفه الشارع الإيراني إلا بعد سقوط الطائرة وانكشاف عدم التنسيق بين منظمة الطيران الحكومية وبين الحرس.

الحرس: خائنون يتعاملون مع أمريكا

أول اعتراف للحرس الثوري بإسقاط الطائرة الأوكرانية كان على لسان قائد القوة الجو-فضائية فيه، العميد أمير علي حاجي زاده، الذي أقرّ بأن المسؤولية تقع بالكامل على الحرس دون تورط أية جهة أخرى في الحكومة.

لكن في اليوم التالي، خرج قائد الحرس حسين سلامي، أمام مجلس الشورى، ليرفع مسؤولية عدم تعليق الرحلات الجوية عن الحرس ويلوم جهات لم يحددها على تقصيرها. وفي الوقت ذاته، بدأ الحرس بنشر شائعات عن وجود مؤامرة خلف سقوط الطائرة وعن خائنين في حكومة روحاني يتعاملون مع أمريكا.

روحاني بدوره، قال في 15 كانون الثاني/ يناير، إن تصديق مسألة وقوع الطائرة بالقرب من المطار عن طريق الخطأ غير ممكن، في إشارة واضحة إلى تعمّد قصف الطائرة المدنية من قبل حرس الثورة، ما يعني إلقاء اتهامات جديدة عليه.

خلافات قديمة متجددة

بدا من الواضح أن حادثة الطائرة الأوكرانية، بغض النظر عن ملابسات وقوعها، ستعمّق الخلافات بين الحكومة والحرس الثوري، بطريقة يستغل فيها كل طرف دماء المواطنين الأبرياء لحسابه الخاص.

شهد الأسبوع المنصرم تفاقم التوترات بين مكوّنات السلطة الإيرانية. أحداث كثيرة أخرجت التشنّج العالي والقديم بين حكومة حسن روحاني والحرس الثوري إلى العلن
سرعان ما تحوّلت قضية الطائرة الأوكرانية من قضية إنسانية إلى "قميص عثمان" تلوّح به حكومة حسن روحاني تارةً، ويلوّح به الحرس الثوري تارةً أخرى

الخلافات بين الطرفين لا تغيب عن كل قضية داخلية أو خارجية في السياسة الإيرانية، كما حدث سابقاً في مشهد مشابه حين اختلف الحرس الثوري وروحاني حول هوية مَن أصدر أمر الهجوم الصاروخي على دير الزور، انتقاماً للمقاتل الإيراني محسن حججي في حزيران/ يونيو 2017. فحينذاك، صرّح روحاني بأن الضربة كانت بقرار من المجلس الأعلى للأمن القومي، أي بعلمه كونه أحد أعضائه بصفته رئيساً للجمهورية، لكن الحرس لم يتوانَ عن تكذيبه وتأكيد أن الهجوم الصاروخي كان بقرار من القوات المسلحة وقيادتها العامة، أي المرشد الإيراني، ودون تدخل روحاني.

جنازة محسن حججي في أصفهان

لا تقتصر الخلافات بين حكومة روحاني والحرس على ملف عسكري أو سياسي بل تتعداها إلى ملفات بيئية وخدمية كخلافهم على تفجير الطرقات لتغيير مسار السيول في نيسان/ أبريل 2019 والذي انتهى بملاسنة بين الطرفين أمام الإعلام، وتجسد في إنتاجات تلفزيونية كان أشهرها مسلسل كاندو.

هذا الخلاف المتجذر بين الجانبين هو استمرار للخلاف بين التيارين المتشدد والإصلاحي، والذي ظهر إلى العلن مع وصول الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي إلى سدة الرئاسة عام 1997، ومنحه للمواطنين حريات وقيامه بإصلاحات لم تعجب المتشددين ومنهم الحرس الثوري، فأرسلوا لخاتمي رسالة تهديد، بعد أحداث السكن الجامعي عام 1999 وهي انتفاضة طلابية على خلفية إغلاق صحيفة إصلاحية انتهت بمهاجمة قوات من الباسيج للمنتفضين، وكانت الرسالة أشبه بتحذير من انقلاب عسكري موقَّع من قيادات الحرس وعلى رأسهم محمد علي جعفري وقاسم سليماني ومحمد باقر قاليباف وغيرهم.

محمد خاتمي

في زمن خاتمي، أخذ الحرس الثوري يعزز مؤسساته ويبني دولة داخل الدولة وتدخل مباشرة في قمع الثورة الخضراء عام 2009. ومع وصول محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة، وبقائه ثماني سنوات فيها، تمكن الحرس من الحصول على ميزانيات أعلى مكّنته من التوسع في كل أنحاء إيران وخارجها.

وشكلت المفاوضات الإيرانية الأمريكية، وتغيير خامنئي سياساته السابقة وإطلاقه سياسية "الليونة البطولية" التي أعطى فيها الضوء الأخضر للمفاوضات، مرحلة مهمة في تنامي الخلافات بين الحرس المتشدد والحكومة المعتدلة.

فالتغيير في سياسة خامنئي أغضب الحرس لأنه جاء لصالح الإصلاحيين الراغبين في الانفتاح على الغرب، فبذل كل ما في وسعه لإفشال روحاني، واستفاد من انقلاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الاتفاق النووي ليرفع من قيمة أسهمه، على اعتبار أن نظريته حول عدم جواز الثقة بـ"الشيطان الأكبر" أثبتت صحتها.

ولا تزال الخلافات في المنهج والسياسة والمصالح مستمرة بين الحكومة والحرس الثوري ويشبه الأمر البورصة، فحيناً ترتفع أسهم طرف وتهبط أسهم الآخر، ثم يجدث العكس، في دورة تتقلب مع تقلب علاقة إيران بالقوى الداخلية والخارجية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard