شُبّه بأبي الفضل العباس... أسرار المشاركة الواسعة في تشييع قاسم سليماني

الأربعاء 8 يناير 202005:43 م

فاجأ مشهد المشاركة الحاشدة في تشييع جثمان قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني العالم، فقد ظهر كبطل قومي وكرمز وطني. حتى كثيرين ممَّن نددوا سابقاً بسياسات إيران الإقليمية ورفعوا شعار "لا غزة لا لبنان" لم يتوانوا عن السير خلف نعشه، بعيداً عن الخلافات السياسية الداخلية.

الإسقاطات الدينية

اكتظت خمس مدن بالحشود المشاركة في وداع سليماني، في السابع من كانون الثاني/ يناير، إلى درجة أن حالة تدافع شهدتها مدينة كرمان سجلت سقوط 56 قتيلاً وعشرات الجرحى. نجح النظام الإيراني في تحويل سليماني إلى قدّيس يتبرّك بنعشه الجمهور.

جرى ذلك مع ظهور إسقاطات دينية على شخصية القائد السابق لفيلق القدس، قارنت مقتله بمقتل أبي الفضل العباس في كربلاء. فمنذ اللحظات الأولى لانتشار صورة يد سليماني المبتورة وفي أحد أصابعها خاتمه المعروف، لامس الأمر شعور الشيعة الإيرانيين المعروفين بحبهم لشخصية العباس، ابن علي بن أبي طالب وشقيق الحسين الذي بُترت يداه في واقعة كربلاء.

قد لا يبدو الأمر منطقياً لأولئك البعيدين عن الثقافة الإيرانية، والشيعية بشكل خاص، لكن واقع تأثير هذه المشهديات لا يمكن إخفاؤها، فالتراكمات الدينية والثقافية التي تركتها واقعة كربلاء في الشخصية الإيرانية لا تقتصر على المذهبيين أو على أتباع ولاية الفقيه من المتديّنين بل تشمل كل الشعب، وتطال حتى الملحدين. وللعباس مكانة خاصة في هذا السياق لما يحمله في شخصيته، بحسب ما تُتناقل أخبارها، من قيم أخلاقية مميزة كالفداء والتضحية والنبل والشجاعة.

تربى كل إيراني تحت حكم ديني، وتحت تأثير مناهج عامة تفرضها الحكومة الإسلامية منذ أربعين سنة، فدخلت بعض القصص والرمزيات الدينية في اللاوعي الشعبي وصارت تؤثر في اتخاذ الناس قراراتهم.

مسألة طريقة مقتل سليماني وتقطّع أوصال جسده لم تغب عن انتباه الحكومة فقد استغلت ذلك جيداً ووظفت بجانبها أمور أخرى يمكن اعتبارها إضافات في مكونات المقارنة مع المشهد الكربلائي.

ابنة سليماني زينب كانت الأبرز في مشهد العائلة. ففي صبيحة اليوم الثاني للعملية الأمريكية، في الرابع من كانون الثاني/ يناير، وقبل وصول جثمان والدها إلى إيران، انتشر فيديو لها تسأل فيه الرئيس الإيراني حسن روحاني وهو يؤدي واجب العزاء في منزل الأسرة: "مَن سينتقم لدم أبي؟".

ما قامت به يشبه ما قامت به زينب بنت علي، بعد واقعة كربلاء، ودورها في تأليب الرأي العام على يزيد بن معاوية.

وإلى جانب هذا الفيديو الذي انتشر بشكل كثيف وأحدث تعاطفاً كبيراً معها، كانت هناك أيضاً كلمتها في مراسم التشييع في طهران والتي طالبت فيها بالثأر. وعلى الرغم من أن لسليماني ابن شاب، فإن زينب هي مَن ألقى كلمة العائلة في مراسم التأبين في حركة عمديّة لمضاعفة المزاوجة بين المشهد الحاضر ومشهد كربلاء.

زينب سليماني

الإسقاط الآخر الذي حاول النظام الإيراني إبرازه في إعلامه هو فكرة وجود قاسم سليماني في العراق كضيف وُجّهت له دعوة، وهكذا كان الحال مع الحسين بن علي الذي تلقى دعوة أهل الكوفة قبل أن تؤول الأوضاع إلى ما آلت إليه.

فور شيوع صورة يد قاسم سليماني المبتورة، شبهه البعض بأبي الفضل العباس. وعندما سألت ابنته زينب الرئيس الإيراني حسن رواحاني: "مَن سينتقم لدم أبي؟"، شبهها البعض بزينب بنت علي... مشهديات قارنت مقتل سليماني بواقعة كربلاء
كان لتهديد دونالد ترامب بضرب أماكن ذات قيمة ثقافية في إيران مفعول عكسي جداً، ربما أكثر من اغتيال قاسم سليماني نفسه. حتى هؤلاء المعروفين بعداوتهم للنظام والاستعانة بالغرب لم یهضموا هذه التهديدات...

العزف على وتر القومية

باستثناء الساعات الأولى عقب مقتل سليماني، لم يثبث التلفزيون الإيراني الرسمي القرآن أو أدعية التعازي، بل استثمر الشاشة في بث أغاني قومية محبوبة وأخرى أنتجت بسرعة، بعد الاغتيال، مثل أغنية "القائد الإيراني"، وأغنية "قاسم ما زال حياً" وأغنية "الشهيد قاسم مدفع الوطن والأماكن المقدسة".

ابتعد التلفزيون الإيراني عن بث الأناشيد الدينية غير المحبوبة من قبل فئات واسعة من المجتمع، ليستقطب بعزفه على وتر القومية الفئات الشابة التي كان لها حضور واسع جداً في التشييع.

غلطة ترامب غير الثقافية

وكان لتهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضرب أماكن ذات قيمة ثقافية في إيران مفعول عكسي جداً، ربما أكثر من اغتيال سليماني نفسه. حتى هؤلاء المعروفين بعداوتهم للنظام والاستعانة بالغرب لم یهضموا هذه التهديدات بل أدانوها على الفور مؤيدين موقف بلادهم.

واعتبر إعلاميون مشهورون مثل مسعود بهنود أن تهديدات ترامب جنونية ومَن يقف معه لا يحمل هوية إيرانية، فيما لم يكتفِ الوزير السابق عطاء الله مهاجراني المغضوب عليه من قبل النظام بإدانة الاغتيال فقط بل وضع على صفحته الشخصية على تويتر صورة سليماني ومرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي.

بعيداً عن كل الأسباب المفتعلة، تُعتبر جنازة سليماني استعراضاً لقوة النظام ومؤيديه، يمنح النظام وسياساته الإقليمية شرعية شعبية. وكان أهم ما نتج سريعاً عن مقتله مصادقة مجلس الشورى على منح 200 مليون يورو لفيلق القدس من صندوق التنمية الوطنية، ما يعني تقديم مخصصات جديدة لمؤسسات تشغل مؤيدي النظام والمستفيدين منه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard