حلم فتاة مغربية بارتداء تنورة قصيرة قد يكون بعيد المنال

الاثنين 13 يناير 202004:19 م

ارتداء تنورة قصيرة بمثابة حلم صعب المنال لدى سمية، التي أكملت دراستها الجامعية بنجاح، وحققت ذاتها في سوق العمل كمديرة تسويقية في إحدى الشركات الخاصة في الدار البيضاء، بالإضافة إلى تمكنها من التحدث بأكثر من لغة أجنبية.

رغم كل ما حقَّقته، يظلّ حلمها البسيط بارتداء تنّورة قصيرة يبدو لها صعب المنال في المغرب، فأشقاؤها يرفضون ذلك بشدة، في مجتمع لايزال قطاع عريض من النساء فيه يعاني من تحكم الذكور، الإخوة والأزواج.

"لا أستطيع مواكبة الموضة"

تقول سمية (38 سنة)، لرصيف22، إنها تجد صعوبة في ارتداء ما ترغبه من لباس عصري يواكب الموضة.

والسبب، بحسبها، ليس مادياً أبداً، فالشابة الثلاثينية مديرة في شركة خاصة "تمنحها راتباً محترماً جداً"، لكن الواقع أن سبب عدم مواكبتها للموضة، هو أشقاؤها الذكور الذين يمنعونها بطريقة أو بأخرى من ارتداء ما ترغب به، مثل تنورة قصيرة أو فستان عصري.

هذا الأمر يضايق سمية بشدة ويتعبها نفسياً، لدرجة أنها فكرت جدياً بالتوجه إلى طبيب نفسي، لكي تفرغ هذا الغضب الداخلي التي تعاني منه.

تقول سمية: "أقارن نفسي مع زميلاتي، لا يجدن أية مشكلة في ارتداء ما يرغبن فيه، لكن في حالتي الأمر ممنوع، وهذا ينعكس سلباً على نفسيتي وثقتي في نفسي".

تتابع سمية حديثها بحماس: "لا أنكر أبداً أنني أقيّم الأشخاص من خلال ملابسهم، ولا أعتقد أن هناك أي سبب آخر يجعلني لا ألتفت لملابس الشخص"، مشيرة إلى أن "الإنسان لديه رغبة دائمة في مواكبة التطورات، ومن ضمنها الموضة والصرعات الحديثة، لكن في بيئتي هذا شبه مستحيل".

سمية عينة من النساء المغربيات اللواتي يواجهن المشكل ذاته، لكن رجاء استطاعت التمرد على أشقائها ووالدها، بنزعها غطاء الرأس الذي فرضوه عليها منذ الصغر.

تشرح رجاء، مهندسة معمارية تسكن الدار البيضاء، لرصيف 22، كيف استطاعت أن تتخذ هذه الخطوة التي لم تأت صدفة أبداً.

تقول رجاء (35 سنة) إنها ارتدت الحجاب وسنها لا يتجاوز 15 سنة، بحكم عادات أسرتها، و"الفكر الإسلامي المتشدد" الذي يتبناه والدها.

درست رجاء وتعلمت واقتنعت أن لها رأياً، وشخصية، وفكراً، وبالتالي من الممكن أن تصرخ بأعلى صوتها وتقول "لا"، سواء لوالدها أو شقيقها، أو المجتمع بأكمله.

تضيف رجاء أن استقلالها المادي ساعدها في مواجهة ما تسميه "تسلط والدها"، الذي غضب منها كثيراً بعدما أزالت غطاء رأسها دون أن تستشيره في ذلك.

تمكّنت الشابة الثلاثينية المغربية منال من التقدم في دراستها الجامعية، وارتقت في عملها لتحتل منصب مديرة، ولكنها لا تستطيع ارتداء تنورة قصيرة، وعصرية، كما تحلم، بسبب تعنت أشقاءها الذكور
"استقلالي المادي ساعدني في مواجهة تسلط والدي، الذي غضب كثيرا بعدما أزلت غطاء الرأس الذي فرضوه علي منذ الصغر، ولم أستشر أحداً في ذلك"

تحكي رجاء بأن والدها صُدم في البداية، ورفض الحديث معها، لكنه أخيراً اقتنع أنها تغيَّرت، ولم تعد تلك الفتاة الصغيرة، مشدِّداً على أشقائها بألا يعترضوا طريقها، وأن يتجنبوا الصدام معها، فقد اضطرت مؤخراً، بسبب كثرة المشاحنات، ألَّا تجلس معهم على نفس مائدة الطعام، أو مشاركتهم الحديث.

"علاقتي بوالدي متوتّرة"

تقول رجاء عن تأثير قرارها على علاقتها بوالدها: "بعد نزعي غطاء الرأس، دخلت مع والدها في نقاشات دينية، لكنه مقتنع برأيه، وفي المقابل لمس أنني مقتنعة بوجهة نظري في اختيار ما أود لباسه، بعد ذلك أخبرني بأنه لن يتدخل في شؤوني، ولا أنكر أنه للآن علاقتنا متوترة، ولم تعد كما كانت في السابق".

تُمثّل سمية ورجاء ما يمكن أن نعتبره نمطين في كثير من شرائح الطبقة المتوسطة في المغرب، في تعامل المرأة مع تعنّت الأهل فيما يتعلق بحرية اختيار الزيّ.

في دراسة مثيرة، نُشرت نتائجها أواخر العام 2019، أوضحت منظمة "أوكسفام"، أن خمسة من أصل عشرة رجال مغاربة تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، ممن قابلتهم "أوكسفام" يعتقدون أنَّ "للرجال الحق في السيطرة على لباس المرأة".

"عدد غير قليل من الشباب المغربي يعتبر العنف ضد النساء أمراً عادياً".

الدراسة الجديدة أنجزت بشراكة مع معهد الدراسات الاجتماعية بالرباط (RSSI)، تحت عنوان: "العنف ضد المرأة في المغرب: بين الهيمنة الذكورية والمحدودية المؤسساتية"، أشارت إلى أن العنف ضد النساء والفتيات لا يزال جزءاً لا يتجزأ من حياة عدد غير قليل من الشباب المغربي، والذي يعتبره أمراً "عادياً".

وأشارت المنظمة إلى أن "نسبة كبيرة من الشباب والشابات، الذين تم استجوابهم في سياق هذه الدراسة يتذرعون بأنماط الهيمنة الذكورية في تطبيعهم مع العنف الذي تتعرض له المرأة في إطار زوجي أو في الفضاء العام".

وساقت المنظمة أمثلة على ذلك، من بينها "فرض طريقة معينة في اللباس على النساء"، و"خضوع النساء لأفراد أسرهن من الذكور في جميع جوانب حياتهن"، وادعاء الرجل أنّ "لديه الحق في الاطلاع على مضمون هاتفها المحمول، أو على كلمات السر لحساباتها الشخصية".

وشدّدت الدراسة المذكورة على أن هناك "تحديات تواجه المغربيات يجب تجاوزها، من ضمنها استمرار الأحكام النمطية الجنسية والسلوكيات والمواقف التي تحول دون التمتع الكامل بالحقوق، حيث يعتبر التمييز بين الجنسين والهيمنة الذكورية أمراً متاحاً ويحظى بالتأييد، وتتجلى مظاهره في اللباس، الموسيقى، الأدب، الأفلام، العلاقات الأسرية، الصداقات والعلاقات الزوجية".

"مواكبة الموضة حق للذكور فقط"

يقال إنه قديماً كان يتم التعرف إلى هوية الفرد من خلال لباسه، حيث كان اللباس جزءاً من حضارة الشعوب، إلا أنه في وقتنا الحاضر لم يعد هناك أي تمييز بين لباس يرتديه شخص عربي أو أجنبي، وهذا ما يطلق عليه، بحسب علي الشعباني، باحث في علم اجتماع "عولمة اللباس".

يقول على الشعباني لرصيف22: "اللباس المغاربي عرف تطوراً ملحوظاً على مدى قرون، المغاربة لم يعودوا يستهلكون اللباس الذي يصنّع محلياً، وبالتالي أصبحوا منفتحين على اللباس الأمريكي والأوروبي، وهذا ناتج عن العولمة التي شملت اللباس أيضاً".

ولكن تعامل كثير من شرائح المجتمع المغربي مع "هذا النوع من التطور" اتسم بـ"الازدواجية" عند بعض الذكور، الذين يرفضون ارتداء النساء هذا النوع من اللباس، مشيراً إلى "أن بعضهم على رغم من أنه يتمتع بثقافة عالية ومستوى تعليمي جيد ويرتدي لباساً عصرياً، إلا أنه لا يستطيع تقبل فكرة أن ترتدي شقيقته أو زوجته أو حتى والدته، لباساً متحرراً من ما تفرضه التقاليد، وهذا راجع إلى تنشئته وما ترسخ من معتقدات في ذهنه".

"لا يستطيع تقبل فكرة أن ترتدي شقيقته أو زوجته أو والدته، لباساً متحرراً".

وتختلف درجة رفض الذكور، الذين تمنحهم تقاليد المجتمع سلطة على النساء، الأخوات أو الزوجات، يقول الشعباني: "بعض الرجال المغاربة لا يمنعون النساء من ارتداء لباس متحرر من التقاليد، لكن في نفس الوقت يعبرون عن امتعاضهم من لباسهن".

وتنتقد حياة منشان، ناشطة حقوقية مغربية، تحكّم بعض الذكور فيما ترتديه المرأة في المغرب، وتراه انعكاساً لنظرة الرجال إلى جسد المرأة الذي يريدون التحكم فيه، تقول لرصيف22: "سيطرة بعض الرجال على لباس المرأة، هو سلوك مبني على تمثلات اجتماعية حول جسم المرأة في عقلية الذكر المغربي الذي يربط جسد المرأة يما يسميه الشرف".

تقول منشان موضحة: "بعض المغاربة يرون أن جسم المرأة، سواء الأخت أو الزوجة، يدخل في شرفه وعرضه، ومن واجبه حماية هذا الشرف".

في النهاية، مهما بلغ المجتمع المغربي من مظاهر حداثية، إلا أن بنيته تظل تقليدية؛ فالرجل الذي يتحكم في لباس شقيقته وزوجته، يعلل ذلك، بكون تحكمه يعد "حقا من حقوق الرجل على المرأة"، أو أن تحكمه يعد "مسؤولية الزوج تجاه زوجته"؛ البعض الآخر يبرر سيطرته بكونه يغار على "شرفه وعرضه"، و أحيانا بـ"خوف الرجل على رجولته"، او من أجل احترام المعايير المجتمعية ونظرة المجتمع التي لا تحترم اللباس المتمرد، ويبدو أنه لا مفر في النهاية أمام كثير من النساء في المغرب سوى الدفاع عن حقهن في اختيار ما يرتدينه، حتى لو دفعن ثمن ذلك من استقرارهن الأسري والاجتماعي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard